عبد القادر عبد اللي
كان الأسبوع الماضي في تركيا محلياً بامتياز. فقد بدأت الحملة الانتخابية رسمياً، وبدأ أرضوغان يلقي كلمتين في اليوم الواحد.
في خطابات الحملة الانتخابية تُجرَّد الأسلحة، ويبدأ الهجوم على كلّ من يُرى خصماً.
الأحزاب المعارضة كلُّها خصومٌ للحزب صاحب الأغلبية (الحزب الحاكم)، ولكنها المرة الأولى التي تتفق فيما بينها أيضاً، وكذلك الأمر بالنسبة للحزب الحاكم في هجومه على الجميع أيضاً؟
ركّز رئيس الحكومة التركية سهامَه، بل قذائفه من العيار الثقيل على حزب الحركة القومية بالدرجة الأولى، لأنه في حال انزياح لأية نسبة من ناخبيه، فسيكون عنوانها هو حزب الحركة القومية وليس حزب الشعب الجمهوري. وبالمقابل تخلّى حزب الشعب الجمهوري عن مقولاته التقليدية، وبات يجامل الأقليات تارة، واليمين المتطرّف تارة، واليسار الشيوعي تارة أخرى، وحتى إنه يغازل الإسلاميين، وخاصة فتح الله غولان…
اللافت أن هجوم أرضوغان حادٌّ على الجبهات كلها، فإضافة إلى بلاغته التي يعترف بها خصومه، وشدّ الأنظار إليه بواسطتها منذ مطلع حياته السياسية، فهو يستخدم كلمات نارية.
اللافت أكثر هو إقرار لجنة التربية والتعليم في مجلس الأمة التركية الكبير (البرلمان) مشروع قانون معاهد الدروس الخاصة على وجه السُّرعة، وفي وسط انهماك الحزب بالدعاية الانتخابية، وبموجب مشروع القانون هذا سيحظر تدريس مادة التحضير لامتحان نهاية مرحلة التعليم الأساسي، وامتحانات الدخول إلى الجامعة.
هذا القانون هو القانون الذي أشعل جبهة أرضوغان – فتح الله غولان إذ أن غالبية هذه المدارس وأشهرها وأكثرها ربحاً تعود إلى مؤسسة فتح الله غولان. حدث هذا مساء السبت في نهاية الأسبوع، واستيقظ المواطنون الأتراك في اليوم التالي مندهشين من وصول حدّة الصراع بين الرجلين الحليفين سابقاً إلى هذه الدرجة. ولا بد للمراقبين أن يندهشوا من هذا الأمر.
أعلنها أرضوغان بأنه سينهي البنى الموازية داخل الدولة (يحلو لكثير من المحليين اعتبار البنى الموازية “الدولة العميقة”، وهناك من يميّز بين “الدّولة العميقة” و”البنى الموازية”) وبدأ بأنه أنهى البنية الانقلابية التي سميت “أرغنيكون” (استمدت اسمها من أسطورة تقول بأن قوماً هُزموا في معركة فلجؤوا إلى مكان معزول وسط جبلين، وتكاثر القوم بالإنجاب كثيراً إلى أن بلغوا من القوة تمكّنهم من تدمير الجبلين وخروجهم وانتقامهم)، ثم انتقل إلى ما أسماها بنية موازية أخرى هي بنية فتح الله غولان؟
تُعتبر البنى الموازية في الدولة عاملَ ضعف للأنظمة الديمقراطية، على عكس الأنظمة الديكتاتورية إذ تسمى فيها البنى الموازية “مراكز قوى” وتشكّل قوة احتياطية للديكتاتور من أجل تخريب أيِّ شكل من أشكال الحكم الذي يمكن أن يحلّ بعد سقوطه.
وانطلاقاً من هذا المبدأ يبدو أن تفكيكها هو لمصلحة الديمقراطية، وهذا ما يدّعيه رئيس الحكومة التركية، ولكنّ ادّعاءَ خصومِه وأعدائه عكسُ هكذا، فهم يقولون: “إنه يريد أن ينهي بنية الرجل القوي من أجل أن يشكل ديكتاتوريته الخاصة.”
هنا يتبادر إلى الذهن السؤال غير البريء الآتي: “هل يُغامر سياسي مثل أرضوغان بمستقبله السياسي ومكانته القوية التي لا منازع لها لمجرد أن يؤسس ديكتاتورية؟”
من المعروف أن الزعيم الديمقراطي أقوى أضعاف المرات من الزعيم من الديكتاتوري، فما الذي يدفع زعيماً ديمقراطياً للتحوُّل إلى الديكتاتورية؟ ليس ثمة جوابٌ منطقي.. من ناحية أخرى فإن تركيا عضو في المؤسسات الأوربية كلها، ولا يمكن لها أن تخطو خطوات ديكتاتورية لأن المحاكم الأوربية ستكون لها بالمرصاد، ولا يمكن للدولة التركية إلا أن تلتزم بقراراتها، فأين المصلحة من التحوُّل إلى الديكتاتورية؟ لا جوابَ منطقيٌّ أيضاً…
ما الغاية إذاً من هجوم أرضوغان العنيف على الخصوم، وبخاصة فتح الله غولان؟
من ناحية أخرى، فمن المعروف أن فتح الله غولان رجل هادئ يعمل بصمت، ولم يظهر في أي وقت مضى أنه وراء أي حدث من الأحداث، وهذا هو أسلوبه التقليدي منذ عشرات السنين، فما الذي يجعله لأوّل مرة في حياته يحتد، ويدعو على أرضوغان بالموت!
لا يشن هجوماً عنيفاً إلا أحد اثنين: “قوي يعرف تماماً أنه منتصر، أو ضعيف يعرف أنه انتهى ولا ضير من إيذاء عده وهو ينتهي.” طبعاً هذا القول ينطبق على الطرفين (أرضوغان وفتح الله غولان) فمن هو القوي؟ هناك من يعتقد بأن الانتخابات المحلية الراهنة ستفصل هذا الصراع في تركيا، ولكن الحقيقة أن هذه الانتخابات لن تكون سوى جولة من معركة طويلة بين الرجلين، ولقد اندلعت المعركة بحدّة، وهي تزداد حدّة مع الأيام، والخوف كلُّه أن تدخل أسلحة قذرة في هذا الصراع.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث