الرئيسية / رأي / غيابُ سوريا عن الانتخابات التُّركية

غيابُ سوريا عن الانتخابات التُّركية

عبد القادر عبد اللي 
في مطلع حزيران من عام 2011 اتصل بي إعلامي من إحدى الإذاعات التابعة للنظام، وقال لي: “أستاذ بدنا ياك ع الأخبار الرئيسية مشان تسبلّنا شوي ع أرضوغان” تغابيت، وقلت له: “خير، مشان شو؟” قال لي: “ع بيهاجمنا مشان يكسبلو كم صوت زيادة بالانتخابات!” وجدت طريقة تهرّبتُ فيها من الورطة.ألا يعني هذا أن الإعلاميين الذين يعملون في مؤسسات النظام يعلمون علم اليقين بأن الشعب التركي – وبالتالي الناخب التركي- يكره نظامهم، ويمقت أفعاله لذلك فهو سيصوت لمن يهاجم هذا النظام؟ أليس هذا ما يعنيه الإعلامي الجهبذ بالضبط؟ 
بعد أكثر من سنتين ونصف من تلك الحادثة دنت انتخابات جديدة في تركيا، وهي انتخابات الإدارة المحلية.
 للانتخابات المحلية في تركيا عادة جانبان مهمّان. الأول: تنافس عدد كبير من الأحزاب الصغيرة والشخصيات المستقلة فيها يؤدي إلى انخفاض حصة الأحزاب الكبرى عن حصتها في الانتخابات البرلمانية (حصل حزب العدالة والتنمية على 28,8% في الانتخابات المحلية لعام 2009 على الرغم من أنه كان حاكماً، بينما حصل على 49,9% في الانتخابات العامة لعالم 2011) وبالتالي تنافسها أشد، وعليها أن تقدّمَ أقصى ما لديها من أجل كسب أكبر عدد ممكن من الأصوات. الثاني: يكون الحزب الحاكم دائماً في موقع أفضل من حيث أن الناخب يؤمن بأن مرشّحي الحزب الحاكم سيحظون بدعم الحكومة لتقديم الخدمات في مناطقهم، لذلك يمكن أن يفضلهم على غيرهم. 
ولكن لهذه الانتخابات المحلية في تركيا خصوصية من نوع آخر لعلها لا تتكرر إلا في حالات شديدة الندرة. فقد استنفرت القوى المناهضة لحزب العدالة والتنمية كلُّها من أجل إسقاطه، وهناك تسريبات عن اتفاقات بين الخصوم السياسيين في بعض المناطق ضد مُرشّحي هذا الحزب. من جهة أخرى فقد تخلى عنه حليفه الأقوى فتح الله غولان والذي تقول التوقُّعات (أنا لست من المخدوعين بالتوقعات) بأن لديه 17% من الأصوات سيمنعها عن حزب العدالة والتنمية. إضافة إلى قضية الفساد التي أثيرت حول أبناء بعض شخصيات الحزب، واستقالة بعض وزرائه. 
والأهم من هذا كله هناك استفتاءٌ على الدستور وانتخابُ رئيس للجمهورية خلفاً لعبد الله غول، وبعده انتخابات برلمانية عامة خلال سنة فقط، وهذا ما يجعل الانتخابات المحلية من أقوى المؤشرات التي ستوضِّح ملامحَ المستقبل السياسي لتركيا. 
إذا كانت الانتخابات المحلية تلعب دور المؤشر البسيط على التوزع السياسي للأحزاب بحسب ما جاء أعلاه، فإن هذه الانتخابات تكاد تكون من أهم الانتخابات التي شهدتها تركيا. وهذا ما يتفق عليه السياسيون الأتراك المتنافسون فيها. فرئيس الحكومة التركية لا يدع مناسبة إلا ويقول بأن تاريخ الثلاثين من آذار سيكون مفصلياً في الحياة السياسية التركية، وأكد هذا آخر مرة في الرابع من شباط خلال مؤتمره الصحفي مع أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية من برلين. 
الأحزاب الأخرى أيضاً تعتبر هذه الانتخابات مفصلية، وتأمل بتحقيق نجاح فيها من خلال استثمار الزلزال الذي هزَّ الحكومة فيما سمي “عملية السابع عشر من كانون الأول” هذا على الرغم من أن استطلاعات الرأي العام عموماً تقول بأن العملية لم تؤثر على توزع أصوات الناخبين. 
على الرغم من كلِّ هذه الأهمية التي يجمع عليها سياسيون الداخل التركي والعالم لهذا الانتخابات ثمَّةَ ما هو غريب فيها: “أين سوريا منها؟” في انتخابات 2011 لم تغب سوريا، والشعب السوري المظلوم التوّاق للحرية والديمقراطية والانفتاح على العالم عن أي خطاب سياسي لرئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أرضوغان؟ وتجنب حزب الشعب الجمهوري الذي اتخذ موقفاً مؤيداً للأسد فيما بعد الخوض في هذا الموضوع، واكتفى بإعلان شعارات اعتبرها وفق منظوره علمانية. المتابع لمؤتمرات أرضوغان الصحفية يجد الموضوع السوري لا يغيب عن حديثه، ولغته لم تتغير، والمرة الوحيدة التي لم تذكر فيها سوريا هي أثناء زيارته لإيران، والسبب واضح أنه ألغي المؤتمر الصحفي الذي يستخدمه عادة للتعريج على الموضوع. ولكن خطاباته الموجهة للدعاية الانتخابية تخلو تماماً من الموضوع السوري. وكذلك الأمر تغيب سوريا عن الخطاب السياسي للأحزاب الأخرى الخرق الوحيد هو بعض تصريحات قيادات حزب الشعب الجمهوري، وهذا الخرق يتجلى باتهام أرضوغان بالازدواجية في الموضوع السوري لأنه يعادي النظام، ويقيم صداقة مع حليفه إيران… 
لابد لنا من السؤال: “لماذا يغيب الموضوعُ السوريُّ عن الرأي العام التركي على الرغم من أن حملات التبرُّع ما تزال قائمة، وهناك إقبال شعبي كبير عليها؟” هناك إجابات حارقة كنت أودُّ ألّا أطرحها، ولكن الضغط على الجرح مفيد باستشعار حجم الألم أحياناً. هل بات الموضوع السوري ممجوجاً؟ هل أصبح روتينياً غير مؤثر؟ هل ألف الناس مشهد الدم فما عاد يشدهم؟ 
الأكيد أن الدعاية الانتخابية في الدول الديمقراطية تقوم على أسس علمية، ويضع خطوطها العامة وتفاصيلها خبراء يبنونها على معطيات يجمعونها من الناس مباشرة، وتصرف الأحزاب السياسية مبالغ طائلة لإجراء استطلاعات عالية المصداقية لا تنشرها لكي تبني عليها سياستها، وتوجه دعايتها الانتخابية… 
رنّ جرس الهاتف المنزلي، رفعت السماعة، خاطبني صوت نسائي على الطرف الآخر: “نحن شركة (…) لاستطلاعات الرأي، نريد أن نعرف موقفكم من وجود السوريين بينكم، هل تودون الإجابة على الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع؟” لا أدري لماذا اغرورقت عيني بالدمع، وأغلقت الهاتف دون أن أجيبها… نعم، الناس تدرسنا، وتدرس تأثيرنا على مجتمعاتها، وغالباً ما يكون هذا الاستطلاع على عتبة الانتخابات لمصلحة حزب ليقرّرَ ما إذا كان سيستخدم السوريين دعاية انتخابية أم لا… 
سأنهي بسؤال حرَقَ قلبي كما حرق قلوبَكم: “هل بات الدَّمُ السوريُّ أداة دعائية حقاً؟” 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *