حمزة المصطفى
باحث في المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات
تبدأ الجلسة الثانيّة من
مؤتمر جنيف بعد جولة أولى انتهت من دون تحقيق نتائج مهمة في مسار التسوية
السياسيّة للأزمة. ومن جديد، أثيرت التقييمات والأسئلة عن الجولة الأولى، وعن مسار
الجولة الثانيّة وما يمكن أن تحققه من اختراق في ظل تصادم الأولويات والمصالح،
واختلاف الحسابات والرهانات.
تحاول هذه المقالّة الإجابة
عن ما سبق من خلال استعراض تقييمات وتحليلات لبعض مراكز الأبحاث العربيّة
والعالميّة ومناقشتها. فقد اعتبرت ورقة تقدير موقف نشرها المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسيات أن انعقاد مؤتمر جنيف2 يشكل بداية لانطلاق مسار تفاوضيّ يمثل
“الطريق الوحيد” المتفق عليه في ظل عدم وجود بدائل أخرى كالتدخل
العسكريّ أو تفكك النظام أو هزيمة المعارضة. وبناء عليه، يمكن أن يفيد جنيف2 في
تحقيق إحدى الغايتين:
أولًا، حل الأزمة: إذ يمثل حل الأزمة السوريّة هدف عددٍ كبيرٍ من
الأطراف حتى لو كانت فرص تحقيقه ضئيلة؛ فثمة قوى دولية وإقليمية جادة في رغبتها في
إنهاء النزاع، لأنّ تداعياته لا تقتصر على الجانب الإنسانيّ داخليًا، بل أصبح
نزاعًا إقليميًا تتصارع فيه قوى عدة لتعزيز نفوذها وحمايّة مصالحها. ونتيجة للتنوع
الإثنيّ والدينيّ في المشرق العربيّ، فقد تلبّس الصراع السوريّ بلبوس طائفيّ، وصار
يظهر في بعض صوره – بحكم الاصطفافات الإقليمية – كأنه صراع سنيّ – شيعي. إنّ
استمرار الصراع قد يؤدي إلى انفجار إقليميّ ذي انعكاسات على النظام الدولي؛ فقد
يؤدي إلى تفتيت المنطقة، وإعادة رسم خارطتها الجغرافيّة. وانطلاقًا من ذلك، قد تجد
القوى الدوليّة في جنيف2 فرصةً لإنهاء الصراع، وتجنّب احتمالات تصعيد غير محسوبة.
ثانيًا، إدارة الأزمة: قد
يشكّل جنيف2 مدخلًا لحل الأزمة، لكنه قد يشكّل أيضًا أحد أدوات
“إدارتها” إذا تعذَّر الحل. وهنا مكمن الخطر؛ فإدارة الأزمة تعني
استمراريّة الصراع، ولكن مع “حصره” في نطاقه الجغرافيّ، لتبقى المصالح
الحيويّة للقوى الكبرى أو حلفائها بمنأى عنه، كما يساعدها ذلك في عدم تحمّل
أعبائه؛ متذرعة بوجود مسار سياسي تفاوضيّ يجمع أطراف الأزمة. ومن ثمّ، يكون دور
هذه القوى حثّ الأطراف على التفاوض، وتقديم المبادرات، وعقد الاجتماعات الدوريّة
من دون “حسم”، في مشهدٍ يكرر سيناريو المفاوضات الإسرائيلية –
الفلسطينية. إنّ هذا الاحتمال له فرصه ومبرراته في ظل سياسة إدارة الرئيس الأميركي
باراك أوباما الخارجية القائمة على الانكفاء عن التدخل المباشر طالما لا يشكّل
الصراع تهديدًا مباشرًا للأمن القومي للولايات المتحدة، وما تصريحات مسؤوليها،
كالسفير روبرت فورد الذي أبلغ وفد الائتلاف بأنّ “مسار جنيف2 شاق وطويل وقد
يستغرق عامًا لتحقيق نتائج جدية”، إلا مؤشر على أنّ الأمور قد تذهب إلى هذا
الاتجاه الذي يتوافق مع مصالح عدد من القوى الدولية والإقليمية ولاسيما روسيا،
وإسرائيل وإيران، ويتوافق مع طرح النظام السوريّ الذي لا يمانع في استدامة الحرب
والتفاوض مادام باقيًا.
وفي السياق ذاته خلصت ورشة
عمل أقامها معهد واشنطن، وهو مركز دراسات أميركي قريب من اللوبي الإسرائيليّ، إلى
أربع سيناريوهات محتملة للشكل الذي سيستمر به الصراع بعد جنيف2 مرجحاً حدوث
السيناريوهين الأولين:
1.ازدياد حدة الجمود الحالي. لا يظهر أي طرف اهتماماً بخوض
مفاوضاتجادة، ويفضل
الاستمرار في حرب الاستنزاف على أمل الحصول على وضع أفضل للمساومة.
2.استمرار النظام
في إضعاف الثوار. في ظل الانقسام المتزايد في صفوف المعارضة، يصبح النظام أقل
اهتماماً بالمفاوضات بمرور الوقت، ويختار بدلاً من ذلك إنهاك الثوار ببطء.
3.تسارع وتيرة نجاح
النظام. الأسد مهتم فقط بمناقشة شروط الاستسلام، والثوار منقسمون حول الاستسلام أو
مواصلة القتال وصولاً إلى النهاية المريرة.
4.استعادة الثوار
للزخم. إن مكاسب قوات الثوار في ميادين المعارك تزيد من احتمالات إجراء مفاوضات
حقيقية مع النظام، لكن المعارضة لا تزال منقسمة
بالمحصلة، يتعين على
المعارضة السوريّة أن تستمر في التركيز على أن يكون هدف التفاوض الرئيس هو تشكيل
هيئة انتقاليّة كاملة الصلاحيات، والمطالبة بتحديد جدول زمنيّ للمفاوضات والمرحلة
الانتقاليّة. وبشكل متزامن، يتعين ترتيب البيت الداخليّ ضمن الائتلاف وإصلاحه، بما
في ذلك دعوة المنسحبين بعد انتخابات الائتلاف الداخلية الأخيرة للعودة، وزيادة
التنسيق مع القوى العسكريّة والمدنيّة في الداخل بما يسهم في تجاوز غياب الإجماع
داخل هيئات المعارضة بشأن المشاركة في المؤتمر، وبما يعزّز موقف الائتلاف وحضوره
في جولات التفاوض المقبلة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث