الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / جنيف ونظام المماطلة!

جنيف ونظام المماطلة!

رانيا مصطفى
امتهن نظام “الممانعةِ” المماطلةَ في كل القضايا والملفات الدولية التي خاضها، ومنها المماطلةُ في ممانعتِه نفسِها. للمسألة الوطنية أهمية كبرى لدى الشعب السوري، فهو لم ينسَها رغم كل الإفقار والاستغلال الذي عاشه خلال حكم النظام، فقد كان ينتظر يوماً يتحرر به الجولان، ويعودَ سورياً كما ينبغي له أن يكون، وكذلك يتطلع إلى إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، خاصة أن الشعب السوري يتشارك المأساة الفلسطينية مع فلسطينيي سوريا الذي يعيشون معه، بوصفها مأساة عربية، وبالتالي هي قضية عربية أساسية بالنسبة له. 
الشمولية الكاملة طيلة عقود منعت هذا الشعب الممانع من المبادرة، وأخذ دور فاعل، فضلاً عن انشغاله بتدبر شؤون الحياة وتأمين لقمة العيش الصعبة، في ظلّ نظامٍ انتهج الليبرالية، والتبعية للغرب، سياسة اقتصادية له؛ وتصاعد ذلك النهج في العشرية الأخيرة من حكمه، ولكن في أقسى صورها وأكثرها استغلالاً وإفقاراً للطبقات الشعبية، وإثراءً لمافيات رجال الأعمال، خاصة العائلة الحاكمة. 
وحين اندلعت الثورة واشتد العنف المقابل لها، لم تكن المسألة الوطنية قوية الحضور، بسبب المعاناة الإنسانية التي لاقاها الشعب من عنف النظام، والتي البعض يراها أكبر من معاناة الفلسطينيين من الاحتلال الإسرائيلي، ولكن من باب المقارنة الإنسانية للمسألة فقط، وليس المقارنة السياسية!.
إذاً النظام ماطلَ طيلة عقود في قضية أساسية عند الشعب السوري وهي الممانعة والصراع مع العدو الإسرائيلي، وقد سقط زيف تلك الممانعة مرة واحدة لدى إقحامه الجيش في مواجهة الشعب، ثم استخدامه سلاح الجو في معركته هذه ضد الشعب؛ بل وصل به الحد إلى استخدام السلاح الاستراتيجي “السلاح الكيماوي” ضده عدة مرات، آخرها في 21 آب من العام الفائت.
وسقط زيف ممانعته أيضاً حين رضخ إلى الضغوط الدولية، ممثلة بالتهديد العسكري الأمريكي، ووافق على تسليم السلاح الاستراتيجي، حيث ليس بمقدوره المماطلة في القبول. لكنه ماطل في التنفيذ لاحقاً مستغلاً ملف الكيماوي في مفاوضات جديدة.
هذه المرة مفاوضات جنيف2 التي انتهت الجولة الأولى منها دون نتائج ملموسة تذكر. لكن النظام أتى إليها بموقف هو غاية في الضعف؛ حيث استبعدت حليفته إيران من الحضور، وكذلك تم الكشف عن صور لأحد عشر ألف جثة لمعتقلين تواجدوا في المراكز الأمنية، أحرجت النظام، وقوّت موقف المعارضة، التي صعّدت من شروطها وطلباتها للنظام.
طالبت المعارضة بداية بإدخال المساعدات الإنسانية إلى أحياء حمص المحاصرة، كاختبار لحسن نية النظام في الدخول في التفاوض. الواقع أن هذا الأمر إن نفذه النظام، فهو لن يعني إلا بداية التنازلات من قبله، لذلك هو وافق مؤخراً بالاتفاق مع الأمم المتحدة على إجلاء المدنيين المحاصرين وإدخال بعض المساعدات، أي وافق على أن يتولى هو المسألة برمتها، وليس بتدخل من المعارضة. وماطل النظام في نقاش مسألة تشكيل حكومة مؤقتة كاملة الصلاحيات؛ دعم موقفه هذا الصمت الروسي خلال المؤتمر، والذي لا يبدو أنه متمسك بالأسد رئيساً للنظام، إلا لوقت قد يطول أو يقصر، حسب نتائج توافقه مع الأمريكان من جهة، ومع المعارضة السورية من جهة أخرى، على تفاصيل التفاصيل للعملية السياسية. النظام قدّم كلّ شيء للرُّوس، استثمارات بالجملة، وبالتالي مصالح الروس مضمونة في حال بقاء النظام؛ ولكن أيضاً بقاؤه بات يشكّل خطراً على استمرار الصراع دون قدرة أي من الطرفين على الحسم، خصوصاً مع تشرذم الكتائب المقاتلة واتجاه بعضها نحو التطرف والفئوية؛ هذا ما بات يشكل خطراً على المحيط الإقليمي لسوريا، العراق وتركيا ولبنان، حيث بات الوضع يشير إلى تفجر صراعات دموية وطائفية في تلك البلدان، ومن باب تنظيم القاعدة المحارَب عالمياً.
إذاً ما بين جنيف2 ومتمّمه جنيف3، تجري جولات مكوكية ولقاءات مستمرة، بين الروس والأمريكان، وبين الروس والمعارضة، وبين الائتلاف وبقية تشكيلات المعارضة (هيئة التنسيق). 
وحده النظام خارج كل تلك المحادثات الممهدة للجولة الثانية من جنيف2؛ فهو قدم كل شيء للروس؛ وهو يراهن فقط على قدرته خلال هذا الوقت الضائع على تحقيق انتصارات على الأرض، قد تعيد ثقة الروس به، وتضمن استمرار دعمه.
 تصعيده الأخير هذا منذ بدأ المؤتمر هو أيضاً مدعوم من روسيا عسكرياً، ومن إيران قتالياً، فهي ستقاتل في صفوفه الأولى حتى النهاية، أي حتى تحقيق نصر ما، يوقف التغيير الذي يهدد بقاء النظام.
يصعّد النظام ميدانياً في الوقت المستقطع دون فائدة، سوى المزيد من الضحايا المدنيين، والمزيد من الدمار؛ فهو يستخدم سلاح الجو، ويلقي براميل متفجرة، بقدرة تدميرية هائلة، على حلب بقصد فرض تسوية فيها، هو قال بها، ولكن ما يحصل هو غير ذلك فقد سقط مؤخراً الجزء الأكبر من سجن حلب المركزي من يده. وهو كذلك يلقي براميله على داريا، عقاباً لها على رفضها التسوية معه على غرار ما فعل في برزة والمعضمية.
نظام “الممانعة” هذا همُّه الوحيدُ هو بقاء العائلة المافياوية في الحكم، وهو غير معني بالأرواح التي يزهقها بالجملة طيلة ثلاثة أعوام من الثورة عليه، وقد قدم تنازلات للدول العظمى، منها تحقيق التبعية الاقتصادية عن طريق انخراط حكوماته المتصاعد في تطبيق الأجندة الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق الحر، ما شكل وسيلة لتركم الأموال الطائلة في جيوب مافياته التجارية، حيث عائدات تلك الأموال هي من نصيب البنوك الأوروبية المودعة فيها. وكذلك قدم تنازلات بما يتعلق بإيقاف ومنع المقاومة على الحدود مع إسرائيل في الجولان، أي المماطلة في المسألة الوطنية دون خوض الصراع فيها، سوى بدعم بائس لمقاومة طائفية فئوية، حزب الله في لبنان وحماس في غزة، ضررها على وحدة الصف الداخلي هو أكبر من ضرر صواريخها على إسرائيل، والتي بعضها كان عشوائياً.
المجتمع الدولي معني بإيجاد حكم قادم يرتهن له، من حيث إقرار التبعية الاقتصادية الكاملة لبنوكه، ومن حيث تبعية سياسية تحفظ أمن إسرائيل، وتحفظ جبهة الجولان آمنة. هذا ما يريد المجتمع الدولي أن يضمنه، وهو سيضمنه تلقائياً في جنيف، الذي هو فقط مؤتمر لاقتسام النفوذ بين الدول العظمى.
الشعب ما زال في حالة ثورة، وإن تعثرت كثيراً، ولكن الصراع سيستمر مع أي سلطة قادمة، في حال نجح جنيف في تشكيلها، وسيأخذ أشكالاً جديدة، وبأدوات جديدة، لتحقيق بعض المكاسب المتعلقة بتحسين الأوضاع العامة، وتحقيق بعض العدالة الاجتماعية.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *