الرئيسية / تحقيقات / ما حصل في عدرا العمالية.. روايات النازحين

ما حصل في عدرا العمالية.. روايات النازحين

رانيا مصطفى
روت وسائل إعلام النظام السوري، والمقربة منه رواياتها، وروت مصادر المعارضة رواياتها أيضاً حول ما جرى في مدينة عدرا عمالية، وكلا الروايتين مسيستان، وتستغلان التعتيم الإعلامي على ما كان يجري، خلال مدة الحصار؛ إلى أن نزح الأهالي من المدينة، بعد رحلة شاقة دامت لساعات، ورووا حقيقة ما حدث. حاولت جمع بعض الروايات، ومعظمها تتقاطع مع بعضها وتخلص إلى الرواية التالية:
استيقظ أهالي المدينة العمالية فجر يوم الأربعاء 11-12-2013 على أصوات الرصاص والتكبيرات، معلنة دخول كتائب النصرة وأحرار الشام (التابعة للجبهة الإسلامية) إلى المدينة العمالية، وكان عددهم ثلاثة أو أربعة آلاف عنصر؛ يرتدي بعضهم الزي العسكري، وبعضهم الزي الأفغاني والثياب والعصبة السوداء. ويبدو أن العملية كانت سهلة ودون مقاومة كبيرة، حيث لم يسمع الأهالي أصوات قصف ومدافع واشتباكات سوى مع بعض من قاومهم من اللجان الشعبية في المدينة. ويشك في أن حواجز المدينة هي من باعتها.
نزل الأهالي إلى أقبية أبنيتهم؛ وفي اليوم التالي تم تفتيش المنازل بحثاً عن ضالتهم، حيث أقدم  العناصر مصطحبين أشخاصاً ملثمين هم من سكان المدينة، ليدلوا على مطلوبيهم. وكان أول المطلوبين هم اللجان الشعبية، ثم الضباط والأمن، وهؤلاء قتل معظمهم، بسبب مقاومتهم لهم، حيث أن معظمهم يخزن السلاح في منزله. فأحد الضباط قاومهم وقتل بعضهم فأحرقوا منزله وهو فيه مع عائلته، وحارس المستوصف قاومهم، فقتلوه ويحكى أنهم علقوا رأسه على السور. فيما فجر مهندس، وهو “نزار حسن” من الطائفة العلوية، نفسه وعائلته لدى اقتحام المسلحين منزله. نجا بعض ممن لم يقاوموا وتم أسرهم ويقارب عددهم بين الخمسة والسبعة آلاف. ولاحقاً عثر على مخبأ للشبيحة فيه خمسون شخصاً، وقتلوا جميعاً. كانوا يسألون السكان إن كان في بنايتهم علويون؛ فقد كان القتل الطائفي هو ثاني الأهداف؛ خبأ أهالي المدينة من السنة قسماً كبيراً من العلويين المدنيين، حيث تنكروا في زي النساء، ولم يكن يتم تفتيش النساء إلا عند الضرورة؛ وقد نزح هؤلاء من المدينة مع العائلات النازحة. هناك من عرفوا به من العلويين المخبئين وقتلوه، ومنهم رجل وزوجته من آل “محفوض”، في حين نجا أولادهما. وكان أيضاً الإسماعيليون والدروز مطلوبين، حيث قتل بعضهم، في حين أن القتل الطائفي استثنى المسيحيين؛ لكن بعضهم طلب إليه أن يُسْلم، وحين رفضوا سُئل شيخهم وأفتى بأن لا إكراه في الدين!. القتل كان يتم رشاً بالمكان، ما جعل الشوارع والأزقة ومداخل الأبنية تمتلئ بالجثث في اليومين الأولين، وقد دُفنوا في حدائق الأبنية؛ ولا صحة لأخبار إعلام النظام عن قطع رؤوس بالجملة.
يقول بعض الأهالي أن المسلحين الذي دخلوا المدينة لم يكونوا متجانسين في درجة تشددهم؛ فكثيراً ما كانت تقع خلافات بينهم حول تلبية بعض احتياجات الأهالي، مثل السماح لهم بالبحث عن دواء أو طعام… وبالعموم كان التجول في المدينة مسموحاً، ولكن تحت المراقبة والتحقيق. ومنذ دخول تلك الكتائب عدرا توقفت الجوامع عن الآذان، وحين استفسر الأهالي عن ذلك، كانت الحجة في انقطاع الكهرباء، وفي أن منطقة الجامع هي تحت مرمى جيش النظام؛ ويبدو أنهم لا يحبذون تجمع عدد كبير من الأهالي في مكان واحد. وأعلنوا للأهالي أن بيوت من هم من غير السنة مباحة لهم، أما بيوت السنة فمسموح أخذ الطعام منها فقط بعد استئذان أهلها. اللافت أن سرقات كثيرة حدثت للمنازل ولكن ليس من قبل المسلحين، بل من قبل الأهالي أنفسهم.
يبدو أن كتائب النصرة وأحرار الشام قد تورطت في دخول عدرا العمالية، من حيث ارتباكها في هذا العدد الكبير من الأهالي، ولم يسمحوا لهم في البداية بالخروج من المدينة بحجة أن كتائب شيعية تنتظرهم في الخارج. وبعد ما يزيد عن أسبوعين نفذ الغذاء وبات البقاء مستحيلاً على الأهالي، ولم يعودوا يخافون تشدد المسلحين حيث استوت لديهم الحياة والموت. خرجت مظاهرة مؤلفة من 500 شخص من الأهالي ومعهم أطفال، ونادوا بسلميتهم وطلبوا من الكتائب الخروج؛ أطلق المسلحون النار في الهواء دون اكتراث المتظاهرين. وفي اليوم التالي قرر قرابة 5000 شخص النزوح، منعتهم الكتائب من الخروج من الباب الرئيسي الذي كان سيوفر عليهم مشقة الرحلة. فقرروا الخروج من الأزقة الجانبية عبر طرق وعرة في يوم ماطر وشديد البرودة. بداية أُطلق النار عليهم من جهة مجهولة، ثم تابعوا طريقهم الطويلة بسلام، بعد أن مروا على حواجز الجيش النظامي الذي فتش عن مشتبهين بينهم. في اليوم التالي نزح البقية بشكل جماعي، ولم يبق في المدينة سوى من خاف الخروج كونه ينتمي إلى مناطق محررة، وبعض العاجزين عن احتمال مشقة الرحلة، وكذلك الحاضنة الشعبية للكتائب والتي معظمها تسكن منطقة التوسع، والتي لم يتوقف قصف النظام لها مطلقاً.
المغانم الرئيسية لهذه العملية كانت التخفيف من أثر الحصار على دوما والغوطة؛ فقد سيطروا على صوامع الحبوب، وسرقوا المحلات التي تحوي أغذية، وكذلك الصيدليات، وسرقوا الطحين في الفرن الآلي، وسرقوا السيارات بعد تكسير أشرطة الكاسيت التي فيها، وسرقوا الوقود من الكازية.
ولم يحاولوا قطع السير عن الأتوستراد، فالنظام لم يعطهم فرصة لذلك. ويقال أن الضباط أو الشبيحة ذوي الوزن تم أسرهم واقتيادهم إلى دوما، للتفاوض مع النظام ومبادلتهم بمعتقلين. وتم اقتياد آخرين من المعتقلين ومن المدنيين لتسخيرهم لأعمال تتعلق بحفر القبور والخنادق.
هذا جزء من الأخبار التي تقاطعت الروايات حولها؛ وتبين بدقة أن العملية نجحت في فك الحصار جزئياً عن الغوطة، ولكنها فشلت في استقطاب أهالي المدينة العمالية إلى الثورة، والذين معظمهم موظفين حكوميين، رغم أن أغلبهم غير مؤيد للنظام، لكنه متردد في الانخراط بالثورة خوفاً على مصدر دخله الوحيد. فقد أظهر بوضوح مسلحو النصرة أولاً، ومسلحو الجبهة الإسلامية _بدرجة أقل_ روحاً انتقامية، ابتدأت باللجان الشعبية وعسكريي النظام، واستمرت إلى قتل طائفي وعلى الهوية، ولم تنته عند مضايقة الأهالي وشتمهم باستمرار، حيث وصفوهم ب”كلاب الأسد” وعليهم أن يذوقوا التجويع الذي ذاقه أبناء الغوطة؛ وهذا ما دفع الأهالي إلى مغادرة المدينة رغماً عن حكامها الجدد. وهذا في الوقت الذي سهّل جيش النظام خروجهم، ورحب بهم وساعدهم في العبور؛ مستغلاً الحدث لكسب تأييدهم. وهذا يدل على أن الانتساب إلى كتائب إسلامية، تريد إقامة دولة إسلامية، يتم غالباً رغبة من المنتسبين في الانتقام، نتيجة للاضطهاد الكبير الذي تعرضوا له قبل الثورة، واشتد وتضاعف بعدها إلى درجة لا تُحتَمل؛ إضافة إلى رغبة عارمة منهم في الوصول إلى الحكم؛ ويبدو طريق الإسلام السياسي، بتنوعاته، سهلاً بالنسبة لهؤلاء؛ فقد روى أحد الناجين من عدرا أنه سمع مسلحاً من النصرة يتحدث إلى زميله عن نيته العودة إلى دوما مع عائلته إذا لم يسلمه الأمير إمارة القطاع الذي يحرسه.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *