نزار محمد – «صدى الشام»
منذ اندلاع الثورة السورية وتحوّلها إلى المسلحة، ظهرت على الأرض فئة من المستغلّين الذين هدفوا إلى كسب المال بأية وسيلة كانت، ومن بين المصادر التي طمعوا بها هي التجارة بالآثار وبيع وشراء القطع الأثرية بالإضافة إلى ذلك، عمل العديد من الأهالي على حفر منازلهم علّهم يجدون قطعة أثرية تساعدهم في تغطية مصاريفهم الحياتية.
ولكن يرى العديد من المهتمين أنّ عائلة الأسد كانت العائلة الوحيدة التي استنزفت آثار سوريا وتاجرت بقسم كبير منها في أيام القبضة الشديدة التي فرضتها على كل من يعثر على قطعة أثرية ما، وهذه الأعمال لا قتها المنظمات الدوليّة بدعوات عديدة تحذر من عواقب هذه الأفعال.
آثار سوريا تعاني القصف
لم تكتفِ آلة القتل التي نالت من أرواح الأبرياء في سوريا من قصف المباني والمناطق المكتظة بالمدنيين، بل امتدت إلى ضرب العديد من المعالم الأثرية مثل القصف الذي جرى على قلعة الحصن في حمص وقلعة ابن معن في ريف تدمر التي استخدمتها قوات النظام كنقطة عسكرية لها وحصن الأكراد والجامع الأموي في حلب الذي أصبح أغلب بنائه مساوياً للأرض والقصف الذي حصل على مدينة كاتمو الآشورية في دير الزور بالإضافة إلى سرقة التماثيل والقطع الثمينة من المتاحف المتواجدة في المدن السورية.
في المقابل تكبّدت مناطق الاشتباكات بين الثوار وقوات النظام ضمن المواقع الأثرية مهمة إضافية على عاتق الثوار ألا وهي حماية المنطقة الأثرية من لصوص الحرب بالإضافة لمهمتها الرئيسية في مجابهة قوات الأسد.
رفعت الأسد سرق الآثار
قصص الانتهاكات الحاصلة بحق القطع والمباني الأثرية لم تكن مقتصرة على هذا الزمن، إذ المعروف قديماً عن مجال الآثار أنّه كان في يد رفعت الأسد الذي احتكر لنفسه الحفر والتنقيب بحثاً عن القطع الثمينة، في حين ورد في الدستور عكس ذلك كونها حقاً يُفرض لمصلحة الدولة، كان رفعت سارق الآثار الأول حسب من عايشوا تلك الفترة.
ومن القصص التي راجت آنذاك عند استيلائه على كمية من الليرات الذهبية التي وجدها الأهالي أثناء حفريات البلدية مقابل المسرح الروماني المتواجد في درعا، والكنز الآخر الذي عثر عليه في تل عرار بريف درعا والذي يعود إلى عصر الإمبراطور جو ستنيان، وتناقل الناس إشاعات آنذاك ذكرت استيلاء رفعت لتمثال (البريقة) الذهبي وبعض الحلي التي تعود لإحدى الملكات التدمريات وحزمة سيوف مرصعة بالأحجار الكريمة بالإضافة إلى أشياء أخرى ثمينة.
يقول الشاب علاء ” لا يجب أن نركّز الاهتمام في هذه الظروف على عمليات الحفر والتنقيب عن الآثار فقط، إذ لابد من الإبقاء على الملفات التي تدين رفعت الأسد في سرقة الآثار لتقديمها إلى لجان قضائية دولية في المستقبل، إذ في الأخير لا يجب أن يفلت أحد من العقاب في دولة سوريا المستقبل” .
الأهالي حفرت منازلها
نتيجة للظروف الاقتصادية المأساوية التي تمثلت بانخفاض قيمة الليرة وارتفاع أسعار السلع الغذائية بالإضافة لتراكمات اقتصادية أخرى أنهكت جيب المواطن، بدأ البعض في المناطق المحررة يسمعون بمغريات بيع الآثار والمردود المالي الكبير الذي يأتي من ذلك لتبدأ ورشات البحث عن الآثار تعمل في الكثير من المنازل بشكل سري أملاً بإيجاد قطعة أثرية تقابل الكسر المادي الذي أصابهم وتعوضهم.
علي أحد أبناء مدينة منبج قرر أن يحفر في إحدى غرف بيته حسب توجيهات أحد الخبراء له وبناء على إشارات جهاز رصد المعادن كما قال لنا الشاب علي، وأضاف ” بعد أن قمت بالحفر لمدة تجاوزت الشهر وعمق اجتاز الـ7 أمتار لم أجد سوى كوم فخار وفوانيس قديمة وقطع زجاج مكسورة تعود للعهد اليوناني، ووجدت أيضاً تمثالاً صغيراً محنطاً بعظم إنسان لكن دون رأس، إذ قال لي خبير الآثار لو كان الرأس موجوداً لاشتريته منك بألف دولار”.
سماسرة أصبحوا أثرياء
ولّدت التجارة في الآثار العديد من التجّار الذين أصبحوا على حدّ قول أحد المطلعين ( لا يتكلمون إلا بمئات آلاف الدولارات ) وللاطلاع أكثر على الموضوع كان لصدى الشام أن تلتقي بخبير آثار يعمل سراً داخل المناطق المحررة، بعد التعرُّف على عمله وأخذ نبذة عامة عن الآثار حدّثنا عن طبيعة تجارة الآثار، وكيف تتم؟؟
يقول ا ، س لصدى الشام ” تقوم اليوم في أغلب المناطق المحررة وبالأخص في مدينة منبج عمليات كثيرة للتنقيب عن الآثار ما نتج عن ذلك إيجاد الكثير من الأشخاص قطعاً ثمينة تعود إلى العصور الرومانية واليونانية، وفي تجارة الآثار نوعان من الأشخاص هما )صاحب القطعة ومسوّقها) وتتم أغلب الصفقات بنفس هذه الطريقة فمثلاً إمّا أن يشتري المسوّق القطعة ليبيعها في خارج سوريا بسعر أغلى أو يحصل على نسبة معينة مقابل بيع القطعة الأثرية بسعر يرضى عنه صاحبها”.
وأردف كلامه ” إنّ أغلب المشترين هم أقارب مسؤولين في الدول الأخرى يسعون من خلال شراء هذه القطع التقرّب إلى هؤلاء المسؤولين عن طريق تقديم القطعة الأثرية لهم كهدايا”.
منظمات دوليّة تحذر
بعدما غدت تجارة الآثار رائجة على مستوى دولي، بدأت العديد من المنظمات الثقافية تنبّه من خطورة وعدم شرعية الطريقة التي تستخدم في التنقيب عن الآثار في سوريا، منها اليونسكو التي أبدت قلقها الشديد من عمليات التنقيب عن الآثار.
وفي مؤتمر صحفي عقدته إيرينا بوكوفا رئيسة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في منتصف الشهر الحالي قالت ضمن المؤتمر ” إنّ أكبر مشكلة تحدث في سوريا بِغَضِّ النظر عن مدى الدَّمار الذي طال مواقع أثرية هو العمليات الكثيرة للتنقيب عن الآثار بشكل غير قانوني، ونحذّر صالات المزادات والمتاحف من هذه المشكلة”.
في حين حذّر المركز العربي الإقليمي للتراث العالمي الواقع في المنامة عاصمة البحرين عن خطر استهداف المعالم الأثرية في ظل الظروف التي تشهدها سوريا، هذا المركز الذي يقع تحت ظل منظمة الأمم المتحدة ” منظمة اليونسكو ” يهدف إلى توجيه الاهتمام إلى المخاطر الكبيرة التي تثار حول الأماكن الأثرية في البلدان المشتعلة بالحروب وإرشاد الناس في نفس المناطق على أثر المواقع التاريخية التي تحمل قصصاً لحضارات قطنت في الأراضي السورية.
لكن قال المركز بأنّ اليونسكو لا تمتلك أيّ حق قانوني يمكّنها من التدخل لحماية هذه الآثار حسب العرف الدولي، ولكن يمكنها أن تطالب بالتحرك القضائي ضد كلِّ من يعتدي على الآثار.
أحد الحقوقيين ” علينا بالتوثيق “
إذ في ظل انشغال الثوار في معاركهم مع قوات النظام التي اشتدت المجابهات في الفترات الأخيرة وإهمال المجالس المحليّة لهذا الأمر نتيجة انشغالهم بمواضيع أهمّ من ذلك مثل تأمين الخبز والكهرباء والماء والنظافة … الخ، الأمر الذي جعل تجارة القطع الأثرية مسموحة سريّاً.
وعن مدى جرمية الاتجار بالآثار قال القاضي طلال الحوشان لصدى الشام ” إنّ جريمة التنقيب عن الآثار معاقب عليها حسب القانون رقم واحد الصادر عام 1999 وكان يعود تقدير العقوبة إلى المحاكم حسب نوع القضية وظروفها المشددة أو المخففة للعقاب ولكن في كل الأحوال لا تقلّ عن السنة، ولكن في بلدنا كان حق التنقيب مسموح للعائلة الحاكمة فقط، في حين تعتمد البلدان الأخرى على منح تراخيص لمن يريد التنقيب عن الآثار”.
وأردف “في الحقيقة لقد حاولنا كمجلس قضاء حاولنا العمل على موضوع الآثار، وطلبنا حراسة المتاحف من المجالس المحليّة فلم يرد علينا أحد، لذا نطالب في هذه المرحلة الناشطين بتوثيق صفقات البيع والشراء للقطع الأثرية فقط “.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث