الرئيسية / رأي / متى تقوم دولة الثورة في سورية؟..

متى تقوم دولة الثورة في سورية؟..

بقلم نبيل شبيب

التفاؤل بالنصر واجب رغم المعاناة، وواجب لاستحالة التراجع عن الثورة،
وواجب لأن ما يجري على الأرض فيه ما يصنع للنصر أسبابه، رغم أننا نرصد سياسياً
وإعلامياً حملة التركيز على كل ما يعترض طريق النصر، والالتفات -على استحياء فقط-
لبعض ما يتحقق من تقدم للثوار، كما هو الحال أثناء متابعة هذه السطور في عدد من
المواقع في محافظة درعا وريف دمشق وريف حلب.

رغم ذلك يزداد انتشار الشعور بتأخر النصر، وليس القصد لدى من يعانون ما
لا يطيقه بشر، قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فحق لهم أن يجأروا بالسؤال بصيغة
الدعاء: متى نصر الله؟..

القصد هو ما يخوض فيه آخرون بمنظور آخر، وهم يربطون تأخر النصر بأحداث
تجري في قلب الثورة، أو يرونه مرتبطاً بسياسات القوى الخارجية وممارساتها.

هل تأخر النصر حقاً؟..

. . .

الثورة تصنعها البطولات والإنجازات والتضحيات، وتنتصر بإخلاص النية،
وصواب العمل والصبر..

والثورة هدفها تقويض الظلم لإقامة العدل، وإسقاط الفساد لبناء الأصلح،
وإلغاء ما صنع الاستبداد لإيجاد ما يمنع تكرار الاستبداد، ولا يتحقق هذا الهدف إلا
بشطريه معاً: التقويض والبناء.

متى يتحقق هذا الهدف، أي يتحقق النصر إذن؟..

لنأخذ جانباً واحداً من جوانب الإجابة على هذا السؤال..

قد مضت الثورة على حداء من ينادي: “يا ألله.. ما لنا غيرك يا
ألله”، فهل يتأخر إلا لوجود علّة، أو علل، تتناقض مع تطبيق هذه المقولة؟..

قد يتبادر لذهن القارئ أن الحديث هنا هو عن “تسليم” المسار
لله عز وجل، والنأي عن سياسات طلب الاعتراف والدعم من المخلوق، أي مخلوق..

كلا.. هذه علة واحدة من بين عشرات العلل الأخرى..

فقد ربط الله عز وجل النصر بأسبابه، كوحدة الصفوف كالبنيان المرصوص،
وبألا يشوب العمل له “غرور بكثرة..”، وبنصرة الله لينصر من ينصره، وبإعداد
القوة حسب المطلوب منها، وبأن لا عدوان إلا على القوم الظالمين.. وبمزيد على ذلك -كما
نعلم من النصوص القرآنية- لمن أراد أن يعدّد المزيد.

قيام دولة الثورة، أي “انتصار الثورة” مرتبط، وفق ما سبق،
ارتباطاً وثيقاً بأن الله تعالى عندما أذن بالقتال للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا،
وأن الله على نصرهم لقدير، عدّد في سورة الحج مواصفاتهم للتمكين في الأرض، أي
قياساً على ذلك الآن: مواصفاتهم للانتصار، بإقامة دولة الثورة، بعد القضاء على
أخطبوط الاستبداد والفساد..

فهل تحققت هذه المواصفات وفق ما تتطلبه دولة الثورة، في عالمنا
وعصرنا؟..

إن دولة الثورة هي دولة الحق {وأنزلنا الكتاب بالحق}.. ولا يتأخر
قيامها إلا لأننا لسنا على مستوى إقامة الحق كما ينبغي، فوعد الله حق لا ريب فيه،
والريب فيما نصنع، لا سيما ما يصنع أولئك الذين لا يلتزمون بالحق تجاه الشعب
الثائر، عندما يتحكمون في الشؤون المعيشية لبعض من أصبح تحت “سيطرتهم”،
ولا يلتزمون بالحق الرباني حتى تجاه “الثوار” أنفسهم، وهم يعتبرون
أنفسهم منهم، ثم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!..

إن دولة الثورة هي دولة العدل {وإذا حكمتم بين الناس فاحكموا
بالعدل}.. ولا يتأخر قيامها، إلا لأن كثيراً مما يقول به، أو يمارسه بعضنا، ينطوي
على ظلم كثير من الناس، إما لأنهم على ملّة أخرى، أو رأي آخر، أو أن بينه وبينهم
“شنآن” فيناقضون كلام الله قولاً وفعلاً، ناهيك عن “ثائر” لا
يعدل مع “ثائر” وقد يغتاله..

فلنعلم يقيناً: عندما يغلب على صفوفنا العدل فيما بيننا، وتجاه الناس،
كافة الناس، نكون ممن وعدهم الله تعالى بالتمكين في الأرض، ولا يخلف الله وعده،
ولكن نحن من لم نرتفع بعد إلى مستوى أن ينجز لنا وعده الآن..

دولة الثورة هي دولة الشورى {وأمرهم شورى بينهم}.. بين الجميع، دون
استثناء، وليس بين من يتوافقون على رأي واحد و”زعيم ملهم واحد!”، فهؤلاء
شأنهم كشأن من يريدون إسقاطه!..

كيف تمضي الثورة من عملية إلى
عملية، ومن موقف إلى موقف، ومن إنجاز إلى إنجاز، إلا ما كان محدوداً بفئة دون فئة،
إذا بقيت الشورى دون المستوى الذي أمر به رب العالمين، وهل يمكن لمن لا يمارسون
الشورى اليوم أثناء الثورة، كما مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالة
الحرب وفي حالة السلم، أن يُؤمَنوا على ممارسة الشورى عند قيام دولة الثورة؟..
إنها لا تقوم على أيديهم، فمن دون هذه الممارسة يسقط أحد أعمدة التمكين في الأرض،
وهو شرط.. وليس مجرد وعد، ليتحقق التمكين في دولة..

دولة الثورة هي دولة العزة.. {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}
فمن ذاق بعض المؤمنين من ويلاته ما ذاق، وتذكر به ما يصنع استبداد المستبدين، ومن
يحوّل سلاحه.. أو كلامه.. أو استعلاءه.. أو شكوكه، فيوجه جميع ذلك، أو بعضه، إلى
صدور إخوانه وأخواته، من عامة الشعب، أو من المقاتلين، أو من المجتهدين في دعم
الثورة وأصابوا حيناً وأخطؤوا حينا آخر.. من يصنع ذلك فهو يمارس “العزة”
في غير موضعها، ولن تكون عزة الانتصار على يديه، ناهيك أن تقوم دولة العزة من خلال
ممارساته..

. . .

في هذا الكلام تعميم مقصود، يخلو من تسمية الأفراد والتنظيمات المعنية
عمداً.. إذ لا يصح في مسار الثورة الآن أن يتحول الكلام إلى تشهير، وأن يصنع
عداوات، وأن يفتح معارك جانبية، أو يؤجج معارك فتح أبوابها آخرون، وجميع ذلك بدعوى
“النصيحة” و”النقد”.. فليست النصيحة وليس النقد “هدفاً”
بل وسيلة، ومن يضمن حقا الوصول بالوسيلة إلى الغاية المرجوة فليستخدمها، ومن لم
يضمن ذلك بقدر المستطاع، فليعلم أنه يزيد العلل المانعة من النصر -وما أكثرها- علة
أخرى هو أحد صانعيها.

في هذا الكلام تعميم.. ولكن لنكن صرحاء مع أنفسنا، فنحن في هذا
الموضوع فريقان:

فريق يبذل جهده ويخطئ، ويعلم أنه يخطئ.. وذاك ممن يسري عليهم {إن
الذكرى تنفع المؤمنين}

وفريق يتعمد ارتكاب ما يضر بالثورة ودولة الثورة، وبالشعب الثائر
وجنده المخلصين، فلا يفيد معه تذكير، والأقربون إليه في الميادين، أدرى به، وأقدر
على التعامل معه كما ينبغي، فليصنعوا.. وليمتنع سواهم عن أن يخوض مع الخائضين عن
بعد، كيلا يساهم مع من يتعمد ذلك الخوض والتضخيم من شأن مشكلة هي ضخمة أصلاً، ولكن
لنشر التيئيس، ولا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون.

اللهم نسألك أن نحقق الانتصار على أنفسنا كما أمرت، لنحقق الانتصار
الذي نرجوه كما وعدت.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *