رانيا مصطفى
فضحت
مجريات الأحداث خلال الثورة رداءة المعارضةَ المكرّسة، على اختلاف توجهاتها وتكتلاتها
وإيديولوجياتها، وظهر كم هي هزيلة وعاجزة أمام الثورة، فهي لم تفهم أسبابها وسيرورتها،
وبالتالي لم تر مشكلاتها وحلول تلك المشكلات، بل على العكس ساهمت في تعميقها، الأمر
الذي خدم النظام؛ فقد أضاعت تلك المعارضة، ولاتزال، كلَّ وقتها تلهث وراء الدول العظمى
والإقليمية لتتدخل لإسقاط النظام، والواقع أن تدخل تلك الدول أتى عوناً للنظام لضرب
الثورة، تارةً بدعم جماعات إسلامية متطرفة دخيلة على الثورة، وغريبة عن الشعب، وطوراً
بالتحجج بتلك الجماعات لتبرير الصمت على جرائم النظام من قبل الغرب، ولتبرير الدعم
الروسي له.
الكتائب
العاملة على الأرض بينها خلافات، بعضها إيديولوجي، وبعضها يتعلق بجهة الدعم والتمويل،
فبينما كتائب الجيش الحر تدرك أن مهمتها هي قتال النظام، وليس حكم الشعب وقمعه، وهي
تحتاج إلى جهة سياسية تنسق معها، ولا يوجد في الساحة السياسية غير الائتلاف الوطني
“البائس” للقيام بهذا الدور، ولكن لا ولاء للجيش الحر للائتلاف، فهو ليس
كتلة واحدة، بل مجموعة كتائب مبنية غالباً على أسس مناطقية أو عائلية أو عشائرية، ما
يجعلها ضعيفة لجهة صعوبة توحدها، وقوةً في وجه الجهات التي تريد التحكم بها وحرفها
عن هدفها.
الكتائب
السلفية والإسلامية التي تريد إقامة “دولة الخلافة” يتحكم بها الدعم السعودي،
ومعظم المنتسبين إليها أرادوا الحصول على السلاح والمال لقتال النظام، وليس لهدف سياسي
يتعلق بقيام دولة الخلافة، ومن الصعب على الجيش الحر والمجالس العسكرية استقطاب هؤلاء،
بسبب عدم امتلاكهم السلاح الكافي، كما الكتائب السلفية. “جبهة النصرة” التي
أعلنت ولاءها للقاعدة والظواهري، يتلقى مقاتلوها أوامر من “أمير” مجهول،
حيث من السهل اختراق تلك الأوامر مخابراتياً، ولكن أيضاً ليس كل مقاتليها يحملون فكر
القاعدة، ولكن براغماتيتهم دفعتهم للانتساب إليها، حيث السلاح والتنظيم الجيد، إذ إنها
كثيراً ما تشهد انشقاقات جماعية حين تتوقف، بأوامر خفية، عن قتال النظام.
تنظيم
“الدولة الإسلامية في العرق والشام”، المعرف بـ “داعش” والذي يشكل
الخطر الأكبر على وحدة وقوة كل الكتائب المقاتلة، هو لا يقاتل النظام، ولكن له دور
تخريبي واضح ضمن المناطق المحررة، عن طريق أحكامه القروسطية التي يريد فرضها على المناطق
المحررة بالعنف والقمع، وبالتالي هو يزيد من تشظي تلك الكتائب، ويتضح ذلك في البيان
الأخير للكتائب الـ /13/ التي تنصلت من الائتلاف ومن “داعش” ومن الجيش الحر
أيضاً، هذا فضلاً عن جماعات كردية تسلحت، وهي تتقاتل مع “داعش” وغيرها.
أما
المجالس المحلية والتنسيقيات فقد أفسدها المال المقدم لها، والارتباط ببعض أطياف المعارضة
دون أخرى، ومنعها من أخذ دور سياسي وبناء سلطة للشعب، ما جعل أثرها وموقفها السياسي
ضعيفاً، إذ يقتصر دورها على الإعلام وتلبية بعض الحاجيات المحلية.
المثقفون
والنشطاء الذين أيدوا الثورة، ومنهم من شارك بتظاهراتها الأولى، أو بالعمل الإغاثي،
تنهشهم مشكلاتٌ نفسيةٌ تتعلق بتضخم (الأنا) وحب الظهور، وكثير منهم انصرف إلى تلميع
صورته والمزاودة على الثورة ومحاباة أخطائها، والأنكى انصرافهم إلى محاربة بعضهم البعض
بعيدين كل البعد عن النقد المنطقي، وبالتالي لم يقوموا بتفكيك مشكلات الثورة ونقدها؛
وحتى التجمعات السياسية التي تشكلت كانت شكلية، ولا تؤسس لفكر ثوري نقدي، يؤسس لوعي
سياسي، ويستقطب الجيل الشاب المشارك في الثورة، وبالتالي هي غير قابلة للتطور، ولا
حتى للتوحد فيما بينها، وهي تحمل في جوفها عوامل فشلها مسبقاً.
إذاً
مشكلة إيجاد الحامل السياسي للثورة، في ظل كل ذلك، مشكلة عويصة ومستعصية، ولكنها ملحة،
وتحتاج الكثير من العمل والتعب، كدراسة تجارب الشعوب الأخرى في الثورات، وفهمها ومقاربتها
بالواقع السوري، ودراسة النظرية الثورية للأحزاب التي تشكلت، وانتقادها وفهم أسباب
نجاحها وفشلها. وهذا يحتاج إلى منهج جدلي في التفكير لفهم تركيب الواقع المعقد، بعيداً
عن المنطق الصوري السطحي السائد، المفرط في تبسيطه للأمور، والذي يفصل كلياً بين نشاطات
الثورة (السياسية والعسكرية والإغاثية والطبية والإعلامية).
اليسار
الماركسي هو الوحيد القادر على ذلك، ولكن اليسار البعيد كل البعد عن عاهات اليسار القديم،
سواء أولئك المتقوقعين المتزمتين في “مذهبهم اليساري”، بقايا الأحزاب الشيوعية
التي ظلت تؤيد السلطة وقمعها ونهبها، أو ذلك اليسار “المتلبرل”، الذي أعلن
توبته عن الماركسية، أي عن الجدل الماركسي، واستساغ طرق التفكير المنفلتة من الضوابط،
تلك التي سطحيتها توصل صاحبها إلى تأييد تدخل إمبريالي تارة، وإغفال مطامح وأهداف ذلك
التدخل، وتارة أخرى توصله إلى تحليل الأمور بمنطق شعبوي مبتذل، كثيراً ما يكون طائفيا.
وكثيراً ما أيدوا تشكيلات المعارضة تلك التي لا يختلف منطقها كثيراً عن النظام، خاصة
رغبتها وشرهها إلى ترسيخ النمط الاقتصادي القائم على النهب والإفقار؛ أولئك لم يفهموا
يوماً تركيبة السلطة وطبيعتها، فهم دوما متفاجئون بمجازر النظام، ولم يفهموا الثورة
وأسبابها، ولم يثقوا بالشعب؛ وهم على كثرتهم، و”نجوميتهم”، فقد أودى بهم
منطقهم الصوري المبسط هذا، بعد قرابة عامين ونصف على الثورة، إلى نشر التشاؤم بين قطاعاتها.
ما يدفع
للتفاؤل هو تلك المجموعات اليسارية الصغيرة والوليدة، التي وجدت لها مكاناً على أرض
الثورة، ويقع على عاتقها مهام صعبة للغاية:
1- التأسيس
لفكر يساري ثوري يؤمن بقدرة الشعب على التغيير والمشاركة في الحكم وتحييد الفكر المتطرف
والطائفي.
2- مواجهة
مشاكل التمويل المتدفقة لشراء ولاء النشطاء والمجموعات المدنية والعسكرية.
3- الجمع
بين نشاطات الثورة المختلفة، بما يخدم أهدافها.
4- التأسيس
لحزب ثوري يقود الحراك، ويبني نظرية ثورية جديدة تلائم الواقع السوري وتعقيداته، والتأسيس
لنمط اقتصادي مختلف يسمح بإقامة صناعة وطنية، ويضبط ميل القطاع الخاص نحو الربح السريع.
5- خوض
معارك واسعة مع بقايا اليسار القديم، المتقوقع أو”المتلبرل”، والذي لم يكن
ماركسياً يوماً، بل شوّه صورة اليسار، وحمل من العقد تجاهه الكثير، فصار اليسار الثوري
الوليد المختلف بالنسبة إليه عدوّه الأول الذي يحاربه ويشوّهه في كل المنابر المتاحة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث