الرئيسية / رأي / ماذا لو أصبحت ثورتنا ” إسلاميّة”

ماذا لو أصبحت ثورتنا ” إسلاميّة”

حمزة المصطفى

بين
مرحب متحمس، ومتحفظ متوجس، خائف أومتخوف تلقى السوريون المنحازون والمشاركون في الثورة
أنباء ذات دلالات كبيرة وإشارات معقدة هي:

• البيان
رقم 1 الذي صدر عن فصائل عسكريّة إسلاميّة ( الأقوياء) يسحب الاعتراف من الائتلاف الوطني،
ويدعو إلى ” التوحد ضمن إطار إسلامي واضح، ينطلق من سعة الإسلام، ويقوم على اساس
تحكيم الشريعة وجعلها المصدر الوحيد للتشريع”

• تشكيل
جيش الإسلام بانضمام نحو 43 فصيلاً عسكريًا إلى التنظيم الجديد، ومبايعة الشيخ زهران
علوش ذو التوجهات السلفية التقليدية ( العلمية) قائدًا عامًا له.

لا أعرف
لماذا عندما سمعت وقرأت ما سبق رجعت بالذاكرة ( استنادًا على كتب التاريخ طبعا) إلى
9 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1980 عندما وقع ثلاثة قيادات جماعة الإخوان المسلمين هم
عدنان سعد الدين، وسعيد حوى، وعلي صدر الدين البيانوني في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر
1980 إعلانًا سموه ” الثورة الإسلامية في سورية ومنهاجها”. تلك الثورة التي
لم يعترف بها أحد بما فيهم النظام البعثي في العراق الذي كان يدعمها، تلك الثورة التي
انتهت بمجزرة حماة وبآلاف القتلى وبخروج قيادات التيار الإسلامي من سوريّة، تلك الثورة
التي اعترف مطلقوها بأخطائهم ولكن في كتب المذكرات التي لا تستهوي إلا بضع عشرات الباحثين
الراغبين في معلومة هنا وهناك ليكتبوا تاريخًا أساسه وركيزته” المنتصر”
.

وجلت
بيني وبين نفسي، فأنا وكثيرون ( على الرغم من الايمان المحتم بانتصارها) يخشون أن تلاقي
الثورة مصيرًا مشابهًا لتلك الثورة، في ظل توفر ظروف مشابهة على الأقل على الصعيد الدولي.
لم التفت في هواجسي إلى الجانب التنظيمي الذي طالما نادينا به، ولا إلى تنسيق الكتائب
فيما بينها بدلا من تباعدهم. ما نظرت إليه هو انتفاء أدبيات الثورة وخطابها ومصطلحاتها
ونشأتها في البينات السابقة.

التواضع مطلوب

الشعب
السوري بغالبيته مسلم، وليس إسلامي. فالإسلام دين وشريعة وهويّة وحضارة وليس حزبًا
سياسيًا أو فصيلاً عسكريًا. وللشريعة مصادر وليس مصدر واحد، ولها مشاريع وليس مشروع
واحد هو ” الدولة الإسلامية” أو ” الخلافة الإسلاميّة”. لم يطلق
الإسلاميون الثورة ولا حتى العلمانيون أو الليبراليون أو…، لقد خرجت الثورة من رحم
الشعب، من ألامه وطموحاته بإنهاء عهد الاستبداد ونشدان التغيير وتحقيق الحريّة والكرامة.
لم يكن الدين عاملاً أساسيًا في انطلاقاتها، والادعاء بخروج المظاهرات من المساجد هو
تأكيد لرواية النظام، فالمساجد خلال المظاهرات كانت أماكن تجمع أكثر من كونها أماكن
عبادة وتحشيد، ولا ننسى أن جميع الخطباء كانوا معينين ويدعون للهدوء والتهدئة بدلاً
من الانتفاض والثورة. يضاف إلى ذلك أن الإسلام كرابطة معنوية لم يكن ملهًما للانتفاض.
لقد حدثت ثورات في دول إسلاميّة مثل ماليزيا واندونسيا لكن الشعب لم ينتفض إلا عندما
انطلقت الثورات العربيّة، وهذه الحقيقة تتدحض كل من يدعي انطلاقة الثورة نتيجة أفكاره
أو اتجاهه السياسي.

لم تكن
الحركات الإسلاميّة بغالبيتها مهتمة بالثورة في مرحلة الاحتجاجات السلميّة، ولا حتى
عند بدايّة التسلح الذي كان أهليًا وكردة فعل على الانتهاكات، ولم يكن مشروعًا أو قرارًا
منظمًا، كما أن قسمًا كبيرًا ممن حملوا السلاح لم يعلموا بالقاعدة الفقهية التي تعرف
بـ ” دفع الصائل”. تفاجئت كثيرًا بفتاوى صدرت بدايّة الثورة عن منابر إسلامية
ذات توجه سلفي تحرم المشاركة في المظاهرات أو تجيزها لكنها تمنع على المشاركين المناداة
بأهدافها الديمقراطيّة لأنه ( أمر ممنوع). تفاجئت أيضًا بتريث أحزاب اسلاميّة -عانت
من النظام ما عانته- وتفضيلهم عدم تبني موقف واضح، ومحاولة استثمار الثورة سياسيًا
لتحقيق إنجازات على الصعيد الحزبي. لقد كانت الثورة بمنزلة ” الجسر” لإعادة
الحركات الإسلامية إلى قلب المشهد السوريّ بعد أن غيبها النظام لمدة ثلاثة عقود أو
أكثر. لا ينكر أحد قوة الفصائل الإسلاميّة ( أحرار الشام، صقور الشام، لواء الإسلام،
لواء الحق…) وبسالتها في قتال قوات النظام. لكن السؤال الذي نطرحه ويفترض تلقي إجابة
واضحة عليه هو: هل التحقت الفصائل الإسلامية بالثورة لمواجهة النظام وتحقيق اهدافها
برد الظلم عن الشعب اللمظلوم أم لتحقيق مشروعها السياسيّ.

بداية
الثورة جهدت هذه الفصائل على إثبات حقيقة تتمثل في أنها جزء من ثورة الشعب السوريّ،
لكن مع استمرار الصراع بدأ قادة هذه الفصائل يختصرون الثورة بأنفسهم وبمشروعهم السياسي
فيخرج علينا أحدهم يبشرنا بـ” الحاكمية”، والأخر ” بالخلافة” وكأنهم
أوصياء على خيارات الشعوب. لا نرفض أي فكرة سواء أكانت واقعيّة قابلة للتطبيق أم لا،
ونحترم من يطرحها اتفقنا معه أم اختلفنا، لكن أن تفرض علينا وبتهديد مبطن بالقوة فهذا
أمر لا يليق بثورة امتدت افقيًا حتى شملت الشعب السوري باغلبيته الساحقة إلى درجة يكاد
يخلو بيت في سوريّة من شهيد، أو معتقل، أو جريج أو مقتلع، أو نازج أو لاجئ، أو مبعد.

تُطرح
البرامج السياسيّة في ظروف صحيّة تمنح الحق للجميع في الاختيار. لقد انطلقت الثورة
لتؤمن الحريّة للجميع وبدون أي اقصاء، فلماذا يحرص البعض ولاسيما فصائل بذاتها على
اختصار الثورة، وتعميم برامجها بما يتواءم مع طروحات هذا الفصيل أو ذاك.

التواضع
مطلوب في حضرة الشعب، خاصة وأن الثورة ما تزال مستمرة ولما تنته بعد، واستباق النتائج
والتركيز على الأيديولوجيا بدلاً من النضال بعموميته مقتل لأي حركة أو فصيل مهما كانت
قوته. إن قراءة التاريخ مفيدة، وتجنب أخطاء السبيعنيات والثمانينات أقل الواجب. ولنا
في تجارب ناجحة مثل حركة المقاومة الإسلامية ( حماس) عبرة لجهة التصالح بين المشروع
النضالي الوطني وبين الطروحات الفكرية والسياسية بما يؤمن الديمومة والقبول والاعتراف
الشعبي الجامع، وهو ما تفتقده كثير من فصائل المقاومة في ثورتنا نتيجة غلوها في طروحاتها.
يجدر الإشارة أن كثير من الملتحقين بهذا الحركات لم يلتحقوا بها قناعة وإيمانًا بأفكارها،
وإنما رغبّة في تأمين متطلبات المقاومة كالسلاح والتذخير وغيرها والتي تتوافر لدى هذه
الفصائل بحكم الدعم الذي تتلقاه من جهات رسمية وغير رسمية خارجيّة. وبالتالي فإن المزاودة،
واستغلال الكثرة والوفرة والدعم لفرض الطروحات الفكرية الخاصة بهذا الفصيل أو ذاك يشوبه
نواقص كثيرة تستبق هذا الطرح. ولا ننسى ارتباط معظم الفصائل أكانت إسلامية أو غيرها
بداعمين إقليمين وعرب، وأن حراك بعض هذه الفصائل يقوم على التقاطع في المصالح مع الطرف
الداعم وأحيانًا لخدمة أهدافه السياسيّة سواء أكان يدري أو لايدري. وبناء عليه فإن
توظيف الأيديولوجيا ( الدين) كمطية أو غطاء للعمل السياسي يعتبر انتهاكًا للدين قبل
أن يكون انتكاسة للثورة التي ضاع قرارها المستقل في غيابات التجاذبات السياسية الإقليمية
والدوليّة.

الحروب الدينية (انتهت)

انتهى
زمن الحروب الدينية وجرى استبدال الممالك الدينية المقدسة بنظام الدولة ” الوطنيّة”
بعد معاهدة وستفاليا 1684. لم تعد ثقافة الشعوب تقبل بطروحات الدول الدينية بغض النظر
أكانت صحيحة أم خاطئة. لقد انقرضت الدول الدينية التي تقود الحروب باسم الدين، وأصبح
العالم غير مؤهل للتعاطف مع الأفكار. لقد حل مصطلح التحرر الوطني كمرادف للجهاد أو
الحروب المقدسة، ونشأت حركات التحرر الوطني ضمن الأطر الجغرافية القائمة.

تأسيسًا
على ما سبق، جهد النظام منذ بدايّة الثورة على الاثبات بأنه يحارب حركات إسلامية
” متطرفة” ذات طروحات أممية ودينية تستهدف الدولة الوطنية والكيانات القائمة،
لتعود إلى زمن الدول والحروب الدينيّة. وما فتئ النظام يوظف الطاقات والإمكانيات لسحب
الطابع الوطني عن الثورة، وهو يحقق نجاحات باستمرار على الأقل على مستوى الرأي العام
الغربي. لقد أوضحت مجزرة الكيماوي عن كارثة حلت بالثورة لجهة التعاطف معها، اذ كانت
نسبة المعارضة والرافضة لمعاقبة النظام تفوق بكثير تلك المؤيدة له. فشلت المعارضة في
الترويج للثورة كحركة تحرر وطني تستهدف نظام استبدادي، وطغمة قاتلة. ومع تنامي الطروحات
الدينية وازدياد نفوذ حركات متطرفة في المناطق التي حررها الثوار يزداد النفور على
مستوى الرأي العام العالمي تجاه هذه الثورة. الأمر الذي يكون وبالاً محدقًا فيها، اذ
أن الظروف قد تتغير من الوقوف على الحياد إلى دعم النظام بالاستناد إلى الوعي الجمعي
والصور الخاطئة التي تروج عن الثورة، ومحاولات اختصارها بمشروع فكري واحد.

لقد
نجحت الاحتجاجات السلمية في سحب الشرعيّة من النظام، ولم تسطع الدول الكبرى على الرغم
من خداعها ومؤامرتها ضد الثورة من إعادة تأهيل الأسد كشخص يمكن أن يحكم مستقبلاً، لكن
تناثر الفصائل وتشتتها، وتركيزها على المشروع السياسي الديني على حساب النضال الوطني
الجامع قد يخدم هذا الهدف. وبذلك نسترجع زمن الثورة الإسلامية السابقة فنكسب تحشيدًا
أنيًا ونخسر استراتيجيًا.

أتاحت
الثورة الفرصة للجميع ليعبروا عن أنفسهم وطروحاتهم، لذلك فإنهم مطالبين باتحة الفرصة
لتعبر الثورة عن نفسها كما نشأت، وليس عن انحرافاتها. يجب أن تؤجل المشاريع الكبرى
إلى ما بعد اسقاط النظام، ويجب أن يحصل التنافس ضمن مبدأ الاختيار الذي تنادي به العرف
والمواثيق الدولية والشريعة الإسلامية ايضًا.

لن تتوحد
الكتائب والفصائل على مشروع فكري واحد فالاختلاف طبيعة بشريّة قائمة، لكن يمكن التوافق
على برنامج عمل له سمات ومحددات عامة تضمن مشاركة الجميع في بوتقة النضال بغض النظر
عن الطروحات الفكريّة والأيديولوجية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *