مراقب
وقعت إحدى القنوات
التلفزيونية المصرية في فخ غريب عجيب، نصبه من دون أن يعلم نشطاء الثورة السورية،
فالقناة التي أرادت التأكيد على انتشار “جهاد النكاح” استعانت بجدول
ساخر قام برسمه أحدهم ووضعه على صفحات التواصل الاجتماعي، قالت المذيعة بشيء من
الألم، إنهم ينظمون جداول لجهاد النكاح، ثم عرض الجدول على شاشة القناة فظهرت
أسماء بشرى وأسماء وأنيسة من ضمن الجدول، طبعاً السوريون فقط يعرفون هذه الأسماء
جيداً، فهي عائدة لزوجة بشار الأسد أسماء وشقيقته بشرى ووالدته أنيسة، وهو عبارة
عن جدول مفبرك طبعاً، كان مقصوداً منه السخرية لا أكثر ولا أقل، ولكنه كان كفيلاً
بإيقاع القناة وجعلها تبني وقائعها على صورة مزيفة.
وهي ليست المرة
الأولى التي يقع فيها مثل هذا التزييف المقصود منه الإساءة للثورة السورية التي
قدمت حتى الآن قرابة مئة وخمسين ألف شهيد، غالبيتهم من النساء والأطفال، وهؤلاء
الشهداء هم آخر ما ينشغل به الإعلام المعادي للثورة، والذي يرى فيها سبيلاً إلى تحرير
الشعوب، ولذلك فهو يعمد إلى تشويه الثورة والإساءة إليها بشتى الوسائل، ولعل
المتابع للحدث المصري يتذكر أنه وفي أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير بث
الإعلام المؤيد لنظام مبارك الكثير مما أسماها وقتها الحقائق عن “حفلات جنس
جماعية” كانت تقام في ميدان التحرير، وعن تعاطي المعتصمين في التحرير كافة
أنواع المخدرات وقبضهم مبالغ طائلة من مؤسسات أمريكية وصهيونية، كانت تسعى لقلب
نظام الحكم في مصر، علماً أن مبارك كان يعتبر صديقاً للولايات المتحدة وإسرائيل،
بل إنه كان الصديق الوفي لهما في المنطقة، وكان يمثل بالنسبة لواشنطن البوابة التي
تستطيع من خلالها الدخول إلى المنطقة متى شاءت، وكيفما شاءت، ولكن حين ثار الشعب
ضده أراد إعلامه تصويره على أنه بطل مقدام تخشى إسرائيل قوته، فصوروا معارضيه
بالشاذين جنسياً، والمدمنين، والعملاء.
وهم الآن يشاركهم
إعلام النظام في ذلك طبعاً، يعملون كل ما بوسعهم لتصوير الثورة السورية على أنها
إنما تستهدف النيل من آخر قلاع الممانعة والصمود، ولم يكترثوا بمجزرة غوطتي دمشق،
لكنهم انشغلوا كثيراً بالتهديد الأميركي بتوجيه ضربة عقابية للنظام، فأغدقوا
المديح على النظام وجيشه على اعتبار أنه آخر جيوش المنطقة العربية الذي سيكون
كفيلاً بتحقيق الانتصارات، لكنهم لم يقولوا للجمهور المسكين أي انتصارات تلك التي
يقدر جيش بشار تحقيقها، ولأن حبل الكذب ” الإعلامي” طويل جداً هذه
الأيام، فإن الاستفاضة بالحديث عن العلاقات الجنسية هو ما بات يسيطر على أذهان ذلك
الإعلام، الذي يبدو أنه طلق أصول المهنية الصحفية منذ زمن طويل، فلا مانع من ذكر
أخبار دون الإشارة إلى مصادرها، فمثلاً، ورد على إحدى القنوات خبر مفاده: أن خمسين
فتاة تونسية رجعن حوامل إلى بلادهن بعد جهادهن في سوريا، ولم يرد الخبر المذكور
إلا في موقعين الكترونيين يديرهما موالون للأسد.
لكن ويا للغرابة،
فالقناة نفسها تجاهلت أن قوات أمن النظام ألقت القبض على مجموعة من الشباب الذين
كانوا يقيمون حفلة جنس جماعي على جبل قاسيون في أثناء وقفتهم “على
أجسادنا”، مع إن هذا الخبر كان سيجلب متابعين للقناة التي تنتقي أخبارها
وفقاً لغزارة الحالة الجنسية فيها.
***
لا شك أن الإعلام
يشكل سلاحاً مهماً في إدارة المعارك الحديثة، ولا شك أيضاً أن هذا السلاح إن لم
نحسن استخدامه فسينقلب علينا ويقتلنا بدل أن ندافع به عن أنفسنا، وفي غياب مؤسسات
إعلامية تفقه معنى الثورة، فإننا معرضون في كل يوم لهجوم جديد، من عدو لا يتورع عن
استخدام كل شيء للقضاء علينا.
***
استطاعت قناة العربية
الحدث أن تنسجم كثيراً مع شعارها “أن تعرف أكثر” وتمكنت خلال الفترة
الماضية، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الكيماوي، أن تقدم معلومات مهمة جداً عن ترسانة
النظام من الأسلحة الكيماوي، وأشبعت موادها التي قدمتها شروحاً ورسومات بيانية،
وتحليلات، واستضافت خبراء وأخصائيين، فكانت تغطيتها متكاملة وتستحق الإشادة، وهي
تفردت عن سواها من القنوات الإخبارية بهذا الشأن.
***
ما الذي يلزم لصناعة
إعلام قادر على تمثيل الصورة الحقيقية للثورة، وما هي الوسيلة الإعلامية القادرة
على نقل نبض الشارع السوري الثائر حقيقة؟
هذان سؤالان في غاية
الأهمية، هما مجال مفتوح للنقاش برسم القراء والمتابعين وأبناء المهنة، لا للتنظير
والتفنيد فقط، بل لتقديم رؤى ومقترحات، وصياغة ميثاق شرف إعلامي يكون بداية
للتأسيس لإعلام جديد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث