بيسان محمد
رغم
عدم استجابة أي حي من أحياء العاصمة دمشق وضواحيها للإضراب في هذا اليوم , إلا أن حالة
من الاستنفار والنفس المتقطع بانت واضحة في قلب دمشق , لا أقصد هنا استنفار القوات
النظامية والحشود العسكرية المعتادة إزاء هكذا حدث, إنما النشاط الثوري “الإغاثي
” الذي سيطر على المشهد العام .
المراكز
الطبية الرئيسية التي ضجت بقاصديها (والتي استغل فيها بعض تجار الدماء الوضع المأساوي
الذي تشهده الغوطتين فقاموا برفع أسعار الأدوية المطلوبة لما يزيد عن الضعف ), أيضاً
مراكز الإغاثة الثورية والتي لطالما اشتكت من نقص الكوادر والمستلزمات الإسعافية شهدت
عودة الحياة إليها منذ ساعات الصباح الأولى بعد ليلة طويلة من التنظيم الجدي عبر وسائل
التواصل الاجتماعي. كان واضحاً وجلياً تنظيم الجهود والتعاون الذي حدث، فخبر المجزرة
وقع على نفوس السوريين كافة كحد السيف, هذا التعاون الذي افتقدناه منذ مدة ليست بقصيرة
كان له أثر مهم في تدارك جزء ولو صغير من الكارثة وإنقاذ أرواح كثيرة.
الجميع
منهمك، يسابق الزمن اللعين، فهناك على أطراف دمشق طفل تصعد روحه مختنقةً بأنفاسها كل
دقيقتين.
بعد
تأمين حقن “الأتروبين” والأقنعة الواقية والكثير من اسطوانات الأوكسجين,
بدأت عمليات التوصيل, قسم من الشباب كانت وجهته معضمية الشام والقسم الآخر اتجه نحو
الغوطة الشرقية, وبسبب التدقيق الأمني الكبير لم يكن بالإمكان نقل هذه الكميات دفعة
واحدة, فتوجب على كل ثلاثة أو أربعة أشخاص أن ينقلوا كمية محددة بشكل غير ملفت للنظر,
على أن يتم الالتقاء بنقطة قريبة من الغوطة وإعادة جمع الأدوية من جديد, وهنا تجلى
الصراع مع الوقت بشكل مربك إلا أنها كانت الطريقة الوحيدة .
ندخل
الغوطة, يستلم المسؤولون حمولة الأتروبين والأقنعة ليتم توزيعها على المشافي الميدانية
والتي تعاني من عوز مخيف بكل ما للكلمة من معنى .
نتجه
نحو زملكا..المدينة الصامتة .. ما من ناجين في زملكا، والتي تعرضت هي بالتحديد
من بين مدن الغوطة الشرقية للقصف بالصواريخ المحملة برؤوس كيميائية فجر الأربعاء
21-8-2013 , من بقي هناك مصابون ويمكن وضعهم في خانة”مشاريع موتى” وليس ناجين,
حاولنا التواصل مع النشطاء و الكادر الإعلامي فكانت الصدمة بأنه لم يعد هناك أحد منهم
,جميعهم بين مصاب وشهيد …..حجم الصدمة كان كبيراً، حتى أن الأشخاص المدربين والأطباء
أصيبوا بصدمة ولم يستطيعوا أن يتمالكوا أنفسهم ليتصرفوا بطريقة صحيحة ليلة الكارثة
وعدد كبير من الأطباء المسعفين الذين كانوا على تماس مباشر مع الضحايا أصيبوا، ما أدى
لحالات وفاة كثيرة بينهم.. زملكا والتي تعداد سكانها 12000 نسمة, بعد المجزرة السوداء
أكثر من 1400 شخص جلهم من الأطفال استشهدوا في هذه المدينة وحدها والعدد في ازدياد
مستمر, وما تزال الى الآن عمليات سحب الجثث من البيوت على قدم وساق، تكسر الأبواب لتصطدم
بما يختبئ خلفها, عائلات بكاملها لم تستيقظ من نومها, وما تزال هناك الكثير من المنازل
لم يصل اليها أحد.
أمام
أعيننا, عائلة من تسعة أشخاص تم سحبها من أحد المنازل, لم يبقَ فيهم أحد على قيد الحياة
.. وتكرر هذا المشهد أثناء تواجدنا هناك أكثر من مرة, نشاهدهم يرصفون جثث أطفالنا الغضة
بجانب بعضها ليكون حجم الألم والغصة أكبر “آملين أن يحرك هذا المشهد الرأي العام
والمواقف الدولية ” جملة قالها لي رجل وهو ينفث دخانه بتقطع .
شاب
يصرخ من شرفة أحد البيوت التي قضا أهلها جميعهم : لك بدنا شباب تساعدنا بسحب العالم
,لسا في كتير كتير جوا البيوت ,لك بس طلعوا شوفوا هالأطفال ..(يختنق صوته ودموعه تملأ
عيناه)
لم يتوقف
القصف بالمدفعية الثقيلة طوال مدة تنقلنا هناك , تعذر عليهم حتى دفنن الجثث المكدسة
“اي ما ضل عنا أكفان لكل هالبشر , ولا هاد الولد يلي لسا ما صار عمرو شهرين ,من
وين بدنا نجبلو كفن أبيض على مقاسو ,لك هاد الله ما خلئو لنكفنو ” يقول أحدهم
بلهجة ساخرة مقهورة.
جميع
من صادفناهم في المدينة لم يكونوا من سكانها , بل أتوا من مناطق الغوطة القريبة لينتشلوا
الجثث ,حتى الإعلاميين وعناصر الجيش الحر , زملكا غدت مدينة للأشباح, أطياف من ماتوا
تشعر بها تلاحقك وأنت تمشي بشوارعها المهدمة بفعل القصف المستمر عليها منذ شهور طويلة,
رائحة السارين الذي ما يزال يعبق بالجو, رائحة الموت المفاجئ, الصمت الرهيب, الأجساد
الممدة على الأرصفة بعناية فائقة, كل شيء فيها يدل على المجزرة, كل شيء, حتى الطفلة
الجميلة بيسان التي كانت تمازحني قبل أيام مضت وتسرق مني هاتفي النقال, مدعيةً أنه
لها, لأن اسمها كاسمي, بيسان التي تعرفت على جثتها الصغيرة من بين مئات الجثث, هي الدليل
الأكبر على هذه المجزرة
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث