حمزة
المصطفى
بعد مؤشرات قويّة على عمل
عسكريّ أميركي محتمل ضد النظام السوريّ، تغيرت فجأة سيرورة الحراك الدولي
والإقليمي في مشهد الثورة السوريّة. فقبيل ساعات قليلة من مناقشة الكونغرس قرار
أوباما بتوجيه ضربة عسكرية محدودة ضد قوات النظام السوري، أعلنت روسيا عن مبادرة
” اللحظة الأخيرة”، والتي قضت بقيام النظام السوري بوضع مخزونه من
السلاح الكيماوي تحت الإشراف الدولي تمهيدًا لتدميره في مرحلة لاحقة.
بعد ترحيب النظام بالمبادرة
الروسية، تراجع احتمال العمل العسكري ، وبدأ الحديث يدور في كواليس الدبلوماسية عن
الصفقة ونتائجها. وقد تمخضت محادثات كل من وزير خارجية الولايات المتحدة
الأميركيّة “جون كيري”، ونظيره الروسي “سيرغي لافروف” في جنيف
13-14 أيلول/ سبتمبر 2013، عن اتفاق إطار يقضي بصدور قرار من مجلس الأمن يحدد الآليات
والنطاق الزمني، لتدمير المخزون الكيماوي السوريّ بحلول منتصف عام 2014.
مثل الاتفاق الروسي
الأميركي انقلابًا واضحًا من جانب الإدارة الأميركية على الثورة، فالضربة التي
تأمل بها الثوار بغية الاستفادة منها في تعزيز مواقعهم، ووضعهم العسكري والقتالي
أمام قوات النظام لم تحصل. ليس هذا فقط، بل إن مسألة استخدام الكيماوي جاءت بنتائج
عكسية على الثورة، وفي مقدمتها إعادة تأهيل النظام، وتجديد الاعتراف الدولي
بشرعيته، وإطلاق يده في الصراع داخل سورية إلى عام 2014 على الأقل.
لقد كشف هذا الاتفاق عن
انتهازية الغرب في تعاطيه مع المسألة السوريّة؛ فتركيز إدارة أوباما على مسألة
استخدام السلاح الكيماوي فقط، والتهديد بضربة عسكرية للنظام، ثم القبول بصفقة معه
على تدمير هذه المسألة، أوضح بشكل لا يقبل الشك، أن الإدارة الأميركية خلال
الثلاثين شهراً منذ اندلاع الثورة، لم تكن تفضل الانكفاء عن التدخل فقط، بل كانت
تخشى تقدم الثورة وانتصارها، وتضع العوائق التي تحول دون سقوط النظام، وأن خيارها
في التنسيق مع روسيا من أجل إيجاد حل سياسي لما تعتبره ” أزمة دولية”
يبقى خيارًا مفضلاً على باقي خيارات تعتبرها غير مضمونة مثل تسليح المعارضة، أو
التدخل العسكري المباشر.
لسنا في وارد استحضار نظرية
المؤامرة، بقدر ما نبتغي توصيف الوضع القائم، الذي يشكل تحدياً أمام قوى الثورة
بمختلف أطيافها السياسية والعسكريّة. الأمر الذي يفرض على هذه القوى التفاعل مع
الحدث واجتراح أساليب جديدة لمقاربة المسألة بعيداً عن الرفض المطلق للمبادرة
الروسية، التي أصبحت واقعاً لا فرار منه، خاصة وأن الاتفاق بين كيري ولافروف ينص
على اعتمادها ضمن الأمم المتحدة.
إن رفض المبادرة الروسية،
كمبدأ أمر ضروري وحيويّ بالنسبة لقوى الثورة. ولكن ارتباط الأزمة السورية
بالتفاعلات الدولية، يفرض علينا مقاربة الموضوع من اتجاهات أخرى، والعمل على منع
اقتصار هذه الصفقة على مسألة الكيماوي. ويكون ذلك من خلال المطالبة بوضع صفقة
الكيماوي ضمن إطار شامل للحل، وتضمين القرار الدولي المرتقب حول الكيماوي بنداً
كانت فرنسا وبريطانيا قد طرحتاه، ويتجلى في تشكيل هيئة انتقالية حاكمة ضمن مدة
زمنية تتولى عملية الانتقال السياسي في سوريّة.
وبدون هذه المناورة، والتي
تتطلب تفعيل الجهود السياسية والدبلوماسية للمعارضة السورية، للدول العربية
والإقليمية المتحمسة لمعاقبة النظام، والتخلص منه، لن يكون ممكنًا تلافي الخسائر
الناجمة عن صفقة الكيماوي في شكلها الحالي.
يبقى أن قوى الثورة مطالبة
الآن أكثر من أي وقت مضى بالتوحد، أو على الأقل التنسيق فيما بينها لتعزيز المواقع
على الأرض، لأنه المحدد الرئيس والمهم، والذي سيجبر القوى العظمى على إعادة التركيز
على القضية السورية باعتبارها ثورة ضد الاستبداد، وليست أزمة يمكن حلها بالصفقات
والمزايدات البخسة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث