نبيل
شبيب
لندع
في هذا المقالة القصيرة السياسيين الذين يتحركون باسم الثورة في سورية، فالحديث عن
“التدخل العسكري الأجنبي” مع ربطه بهم أمر يتطلب التفصيل والنظرة الموضوعية
والحكمة البالغة، كيلا نخوض مع الخائضين في معارك جانبية على حساب الثورة ومسارها.
ولكن
يوجد ما يستحق الوقوف عنده من الاتهامات الموجّهة للشعب وللثوار عبر كثير من التعليقات
في الشبكة، ومعظمها بأسماء مستعارة، ومن جانب أفراد، بعضهم لا يأبه بكرامة الإنسان
ولا حرية الشعوب أصلاً، كما يؤخذ من كتاباتهم عموماً، ومنهم ملتصق عضوياً بالنظام الاستبدادي
القاتل، والقليل منهم من يبدو وكأنه مقتنع بما يقول، عندما يتساءل ببساطة: كيف تستعينون
بالعدو الأجنبي؟.. وقد يزيد: ضدّ وطنكم؟.. هذا إذا لم يضاعف جرعة الاستنكار في تساؤله،
ويضيف إليها جرعة من الشتائم.
. .
.
لا ينطبق
هذا السؤال على وضع الثورة والشعب الثائر والثوار إطلاقا.ً. ولكن لنفترض أنه صحيح،
فسيكون جوابه التلقائي علي لسان أيّ مواطن:
“هذا
الذي تعتبره شريكي في وطني يمارس قتلي فعلاً، ويريد عدوي وعدوّ وطني منعه أو قتله،
فليفعل، ويريد الآن أو من بعد قتلي وإضعاف وطني، ولأقاومنّه الآن ومن بعد!.”.
علام-
أيها المعلّق الكريم- لا ترى القاتل الفاجر الأول وهو يقتل.. وعلام تشكّك في أنني سأقبل
بالقتل فلا أقاوم القاتل الثاني؟..
إما
أنك لا ترى بأساً في قتلي بيد فاجرة، يزعم صاحبها أنه من بني وطني، وهو يقتلني..
أو أنك
لا ترى أصلاً أنني وطني عاقل، وأرفض العدو الأجنبي وهيمنته، مثلما أرفض الاستبداد وفجوره..
ثمّ
أتساءل عما هو أبعد من ذلك: “علام ينحصر تفكيرك، وأنت تسأل ما بين أمرين كلاهما
ترفضه الكرامة الإنسانية: إما الخضوع للقتل داخل الوطن، أو الخضوع للهيمنة من خارج
الوطن؟..”
ألا
يخطر في بالك أن الإنسان الحر الكريم يرفض هذا وذاك، ويقاوم هذا وذاك، ويمكن- عند الضرورة-
أن يستشهد للتخلص من هذا وذاك على السواء؟..
. .
.
أيها
السادة الكرام المعلقون من كوكب آخر، أو لنوايا أخرى غير ما تقوله ألفاظ الحرص على
الوطن وأهله، اعلموا أنّ الشعب الثائر والثوار يرفضون الدعم المشروط على حساب الإنسان
والوطن، سواء كان من بلد شقيق أو بلد عدوّ، رفضاً قاطعاً مانعاً، ظهر الدليل عليه مرة
بعد مرة، ومأساة بعد مأساة، على امتداد خمسين سنة، ناهيك عن الأعوام الأخيرة أثناء
الثورة، ولو وجد الشقيق الصديق، والعدوّ “الصديق” قبولاً بشرط الهيمنة، لوصل
ما كان يستحقّه الشعب الثائر من دعم بالسلاح وغير السلاح.. بدلاً من تركه تحت المعاناة
من مزيد من المذابح الهمجية يوماً بعد يوم، وليس شهراً بعد شهر..
كانت
الثورة سلمية، ولم تجد دعماً حقيقياً خالصاً لوجه الله..
وحمل
الشعب السلام، وكان الثوار بلون واحد يطلبون الحرية والكرامة فحسب.. ولم تجد دعماً
أيضاً..
وتعدّدت
الألوان في صفوف الثوار.. واستمرت الوعود الكاذبة بالدعم والمواقف المخادعة والمراوغة
التي قد تصلح في عالم السياسات المنحرفة المعاصرة.. ولا تصلح للتعامل في عهد الثورات
الشعبية التغييرية..
الآن
بدأ قرع طبول التدخل العسكري.. المحدود حجما، والمحدود هدفا، مع تردّد هنا وهناك، ومراوغة
في كل مكان، فهل يأتي استجابة لطلب الشعب الثائر والثوار؟.. أو لا يعلم من يسأل هذا
السؤال أن صانعي قرار الحرب والتدخل في العالم لا يتحركون إلا بموازينهم ومعاييرهم
وفق مصالحهم ومطامعهم فقط؟.. فكيف يقول قائل جاهل أو ذو نية أخرى: الثوار يستعينون
بالعدو الأجنبي؟..
ربما
يفكر بعض الثوار تحت وطأة معاناة شعبهم بين أيديهم، بالدعاء المعروف: اللهم اضرب الظالمين
بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.. ولكن لا ريب أنهم -وفق مسار الثورة حتى الآن-
أوعى من أن يسلّموا رقاب أهلهم وأرض وطنهم لعدو أجنبي، إذا ما قرّر توجيه ضربة عسكرية
تأديبية لمستبدّ أرعن، ليس لأنه يقتّل الشعب، بل لأنّه تجاوز حدوداً أعلنها عدوّ الشعب
والوطن، وسمّيت خطوطا حمراء، ولكن لا يأبه من سمّاها أصلا بلون الدماء الزكية المسفوكة
على أرض الوطن، بل يتحرّك لترسيخ قضبان هيمنته الدولية “وهيبته!!” حول صغار
المستبدّين وكبارهم في أنحاء المعمورة.
. .
.
هذا
تدخل عسكري ملغوم يعرف شعب سورية الثائر الواعي أبعاده ولا يحتاج لمعلّم يبيّنها له.
هو تدخل
محدود قرره العدو الخارجي بنفسه وعلى انفراد.. مثلما قرر من قبل منع الدعم الحقيقي
عن الشعب الثائر.
ليس
الجواب عليه: الترحيب، وليس الجواب عليه الرفض، فلا الترحيب يأتي به ويغير أغراضه،
ولا الرفض يمنعه، إنما يعلم صانع القرار ويعلم الثوار، أنّ الجواب تعطيه هذه الثورة
الشعبية، فلها أهدافها، ومحورها الحاسم: تحرير إرادة شعب سورية من كل شكل من أشكال
الاستبداد والفساد داخل الوطن، ومن كل شكل من أشكال الهيمنة والوصاية والنفوذ الفاجر
من خارج الوطن.. ولن يتوقف مسار الثورة حتى يتحقق هذا الهدف بشقّيه وبجميع أبعاده،
ولن يتوقف العداء لشعب سورية من الداخل والخارج، الآن ولا في المستقبل المنظور، حتى
تنتصر الثورة انتصارا ناجزا، وتفرض واقعا جديدا، وتظهر قوة إرادة الشعب على طريق البناء،
وعلى طريق التعامل مع كل طرف خارجي أو داخلي، وفق ميزان قويم للمصالح المشروعة، لا
الأطماع غير المشروعة.. وهذا عل ما يبدو ما يجعل الثورة التي توصف باليتيمة مستهدفة
من الجميع، وهو بالذات ما يعطيها مكانة ثورة التغيير الجذري، المتميزة والمؤثرة..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث