الرئيسية / رأي / الضربة العسكرية المحتملة.. حدودها ونطاقها

الضربة العسكرية المحتملة.. حدودها ونطاقها

حمزة المصطفى

بعد مرحلة من الجمود السياسي والميداني خلال الأشهر
السابقة، دخلت الثورة السوريّة مرحلة جديدة على صعيد الحراك الدولي والإقليمي
المصاحب لها. فقد استيقظ العالم صبحية يوم الاربعاء 21 أب/ اغسطس 2013، على مجزرة
مروعة في غوطتي دمشق راح ضحيتها مئات المدنيين وألاف المصابين بينهم أطفال ونساء. وذلك بعد أن استخدمت قوات
النظام السلاح الكيماوي، لتصبح هذه المجزرة نقطة تحول مفصلية في الثورة السوريّة،
خاصة مع توقعات شبه مؤكدة على توجه الولايات المتحدة للقيام بعمل عسكري ضد النظام.

لا تتسع سطور هذا المقال للإجابة عن الأسئلة التي
يطرحها البعض في الخارج والداخل وهي: لماذا استخدم النظام السلاح الكيماوي في هذا
التوقيت بوجود لجنة المراقبين الأممية؟ هل قام النظام بخطأ غير محسوب وبسلوك غير
عقلاني؟ هل خُدع دوليًا أم أخطأ التقديرات؟

يمكن القول
أن الإجابة تكمن في الأسئلة ذاتها، لقد قام الأسد ومنذ بداية الثورة بتصعيد
مستويات العنف بشكل تدريجي ليختبر ردة فعل المجتمع الدوليّ، وقد انتهى به الأمر
إلى استخدام الغازات السامة في عدة مواقع ولكن بشكل محدود. وعندما وجد النظام
ميلاً دوليًا لعدم معاقبته زاد الجرعة الاختبارية إلى مستوى أحرج الجميع بما فيهم
حلفائه ( روسيا، وإيران). يضاف إلى ذلك مجموعة من المتغيرات الداخلية، والتي نعتقد
أنها شكلت دافعًا للجوء النظام إلى هذا السلاح وهي:

أولاً: الهجوم على الساحل: كان للهجوم الذي شنتة
كتائب جهادية واخرى معارضة على قرى الساحل وقعه الكبير على النظام، لجهة اهتزاز
ثقة مؤيدية به. لقد أظهر هذا الهجوم النظام بمظهر العاجز عن تأمين حماية كافية لمناطق
قاعدته الشعبيّة، والتي حرص منذ بداية الثورة بأن لا تتأثر بالعمليات العسكريّة. ويجب
أن لاننسى كيف أن كثيرين من أنصاره طالبوا باستخدام الكمياوي وبدون رحمة لصد هذه
الهجمات، والقضاء بشكل كامل على هذه المخاطر. وبرأينا أن النظام لجأ إلى هذا
السلاح
خارج مناطق
مؤيديه
لإعادة الثقة لهؤلاء بقدرته على
حمايتهم وبأن ثقتهم بانتصاره يجب أن تكون مطلقة.

ثانيًا: فشل استراتيجيته في الغوطة: وهو في اعتقادنا العامل الأهم. لقد نظر النظام
إلى الغوطتين، لاسيما الغوطة الشرقية على أنها اكبر تهديد له لقربها من العاصمة
دمشق. نجح النظام قبل عدة أشهر في فرض حصار مطبق على الغوطة. وقد كانت توقعات
الأسد بأن شهور الحصار ستقلب القاعدة الشعبية على المقاتلين هناك، لكن هذه
الاستراتيجية فشلت بعد نجاح الثورة في الهجوم على منطقة المطاحن بالقرب من مطار
دمشق الدوليّ، وفك الحصار جزئيًا عن الغوطة. تزامن ذلك مع تدفق جزئي للسلاح اشرفت
السعوديّة على إيصاله للكتائب العاملة هناك، لاسيما لواء الإسلام. وعندما بدأ
المشهد بالتغير لجهة عودة المعارك على طريق المطار، والزحف باتجاه دمشق. أراد
النظام إيصال رسالة للثوار بأن الاقتراب من دمشق سيكون له ثمن كبير هو الكيماوي،
كما أراد النظام توجيه الرسالة ذاتها للسعودية بأن خطتها في المنطقة الجنوبية
ودمشق سيكون مصيرها الفشل.

بالمحصلة، لم يكن النظام ليجرأ على استخدام الكيماوي
لولا أن حساباته كانت تستبعد أن تتورط إدارة أوباما في عمل عسكريّ ضده في ظل
الغطاء السياسيّ الذي توفره روسيا ضمن المؤسسات الدوليّة، كما راهن النظام أيضًا
على استجابة الحكومات الغربية لرأيها العام بعدم التدخل عسكريًا في سوريا، والذي
يطالب بعدم التدخل عسكريًا في سوريا حتى لو استخدم النظام هذا السلاح. ومن يراقب
خطاب الخارجية السورية مؤخرًا يلاحظ التركيز الكبير على مفردات الرأي العام الغربي
المعارض للتدخل.

بالعودة إلى الموقف الأميركي، فقد حاولت إدارة
أوباما في الساعات الأولى للضربة التهرب من مسؤولياتها، واعلنت عدم وجود تأكيدات
بأن السلاح الكيماوي استخدم في الغوطة، لكن المعطيات الإعلامية والمرئية والمصادرالاستخباراتية
الواضحة أجبرت إدارة أوباما على الاهتمام بالقضية، فكان اتصال وزير خارجيتها جون
كيري بنظيره المعلم، والطلب منه السماح الفوري لفريق المراقبين بالتوجه للغوطة من
أجل معاينة الضربة أحد ادوات احتواء الازمة.

ولكن مع الصدى الإعلامي والسياسي الواسع للمجزرة
المروعة، وأمام صور الأطفال الموتى، والعدد الكبير للضحايا وجدت الإدارة الأميركية
نفسها محرجة جدًا، بشكل لا يمكن احتواءه بالبيانات، أو بالإعلان عن إجراءات ووعود
بتسليح المعارضة لم تؤد مفعولها في ميزان الصراع الداخلي حتى الآن.

كانت فرنسا أول دولة تدعو إلى ” استخدام
القوة” لردع النظام السوري، ما لبثت أن تبعتها بريطانيا، واستراليا، وتركيا،
وعدد من الدول العربية كالسعودية وقطر. وبمقدار ما شكلت هذه المواقف إحراجًا
متزايد لأوباما شكلت فرصة له لتشكيل تحالف دوليّ عريض، خارج مجلس الأمن يسمح له
بردع النظام ومعاقبته على استخدام هذه الأسلحة، ويسمح له بالتأكيد على مصداقية
بلاده ومكانتها كقوى عظمى مازالت تعتبر مركز السياسة الدولية الرئيس في العالم.

انطلاقًا مما سبق، أصبحت الضربة شبة مؤكدة إن لم نقل
حتمية، ولم تؤثر عقبات وجدت في طريقها، كتصويت مجلس العموم البريطاني ضدها وخروج
بريطانيا رسميا من المشاركة فيها، في تراجع الإدارة الأميركية عن تنفيذها.
فالإدارة الأميركية أعلنت بوضوح أن الضربة العسكرية التي تنوي توجيهها لنظام الأسد
ليس هدفها إسقاط النظام، وبأنها ستكون متعقلة ومحدودة النطاق والزمان، ولا تشمل
حظرًا جويًا أو تدخلاً برياً، وبأنها فقط عقابية رادعة ضد استخدام هذا النوع من
السلاح في الصراع. وقد سعت الإدارة الأميركية إلى توضيح هذا التوجه لحلفاء النظام
كإيران التي زارها جيفري فيلتمان 26 آب/ أغسطس 2013 لإبلاغ قياداتها بمحدودية
الضربة حتى لا تفكر في توسيع نطاق الصراع وإطالته. فعلت ذات الأمر مع روسيا عندما
أكد أوباما أن حل الصراع السوري يكون سياسيًا على أساس اتفاق جنيف وبالتعاون مع
موسكو.

لاشك أن الضربة العسكريّة المحتملة على محدوديتها
ستحدث تغييرات هامة في الصراع السوريّ، وهذا يتطلب من كتائب الجيش الحر على اختلاف
توجهاتها أن تستفيد من الواقع الجديد لتحقيق مكتسبات عسكرية سريعة بالاستفادة من
الوهن الذي قد يحصل في منظومة التحكم والسيطرة للنظام، وهي فرصة أيضًا للائتلاف
الوطني لفتح قنوات تواصل سياسي مع مختلف دول العالم لضمان انخراطها بلعب دور فاعل
للتخفيف من مأساة السوريين والتي وصفت بأنها مأساة العصر.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *