الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / نحو تجديد الثورة

نحو تجديد الثورة

عمّار الأحمد

قد يكون من المفيد التذكير بأن ما يحدث في سورية، هو ثورة شعبية، أي أن
كتلتها الأكبر هي الطبقات المفقرة، وقد سدّت السياسات الليبرالية الجديدة للطبقة
المسيطرة كل منافذ الحياة أمامها، فكانت الثورة هي الخلاص لمشكلاتها. ولا تقلّل
هذه الفكرة، من أن هناك فئات طبقية ليست مفقرة، وقوى سياسية ليبرالية شاركت ولا
زالت تشارك بالثورة. ا

لمشكلة أن الطبقات الشعبية لم تعبر عن نفسها، وعن أهدافها كما يتطلب
واقعها، فبقيت تدور في فلك قوى سياسية ليبرالية وديموقراطية ولاحقاً إسلامية “تسلبطت”
عليها،ولا تمثلها، ولكن الثورة وبتتالي سنواتها أسقطتها تباعاً، بدءاً بهيئة التنسيق
ولاحقاً بالمجلس الوطني والآن يسقّط الائتلاف والوطني، وقد نال الأخوان المسلمين
في سوريا نصيباً كبيراً من النقد كذلك بسبب ممارساتهم الفئوية واللاوطنية، سواء
تعلق الأمر بالدعم المخصص من قبلهم لجماعات تخصهم، أو لاحتكارهم السلاح أو تخبئته،
أو بسبب خطهم السياسي الفاشل؛ خط التدخل العسكري الخارجي؛ إذن بقيت الثورة تفتقد
قيادة تمثلها. وبالتالي تكاثرت المشكلات أمامها، وأشدّها خطورةًت شكيل جبهة النصرة
ودولة القاعدة، وما يشبههما تحديداً، حيث لا ثورة شعبية، بل مجرد حرب طائفية في
البلاد، حربٍ ضد نظام “علوي”، ونظام “علوي” يقتل
“السنة”، وسنة لا يأخذون بمنهج الله، أي منهج النصرة، وبالتالي معركة
النصرة هي فقط من أجل الخلافة الإسلامية، وهي ضد كل الطوائف الأخرى، وضد السنة ممن
لا يخضعون لهم؛ هذه الظاهرة التي سُكت عنها طويلاً، بل وهناك من دافع عنها، وبرر
وجودها، ودعمه، وكان هذا التفكير أسوأ أشكال التحليل والمواقف، ويشوبه التباس في
فهم جبهة النصرة، وحتى في فهم طبيعة النظام، وبالتالي وبعد إحراز الشعب والجيش
الحر انتصارات كبيرة وتحرير مدن بأكملها، وقد شاركت –النصرة- في المعارك كذلك،
وقدمت بعض المساعدات، فإنها عملت على سرقتها، أي أنها تدخلت لتحرز أرضية تسمح لها ببناء
سلطتها، حيث أنشأت محاكمها وسجونها، وراحت تتفنن في تعذيب الناس، وباكتمال تحقق “دولتها”
الإلهية، بدأ الناس يتذمرون، فكانت عدة انتفاضات صغيرة في عدة مدن، تبدأ بإدلب
والرقة وحلب والغوطة الشرقية، ليظهر أن الشعب لا يقبل هكذا توجهات، وإن صَمت من
قبل فبسبب القتل والدمار، وتعالي سطوة تلك الكتائب، وتحديداً النصرة أو ما يشابهها.

إذا بدأ الشعب يرسل المؤشرات للمثقفين والمحللين والسياسيين، وبأن
الثورة في خطر ولا بد من تجديدها وإعادتها إلى الشعب من جديد، فهل هذا ممكن؟

لا شك أن الأمر ليس بهذه البساطة، فلا يزال النظام يتقن كل أساليب
إفشال الثورة، وقد تكون جبهة النصرة ذاتها واحدة من تلك الأشكال كما أشار كثير من
المحللين، حيث سمح لها، بالتشكل والتطور واحتلال أماكن، وبالتالي يدفعنا واقع
الثورة، إلى عدة استنتاجات ضرورية، تساعد في تجديدها وتمنع من الاستمرار في
تشويهها؛ يقع في رأس هذه القضايا:

تحديد الموقف من جبهة النصرة، وضرورة اتخاذ موقف وطني جامع، ومن كافة
القوى السياسية كما موقف الشعب الثائر، يرفض التنظيمات الجهادية، ويعمل على عزلها
وإخراجها من الثورة بأكملها ومن سورية كذلك، فهي تثير فقط إما الاقتتال الطائفي أو الاقتتال
القومي ضد الكرد، وتهتم بشكل رئيسي في إنشاء محاكم شرعية ومحاولة إقامة سلطة قروسطية،
وبالتالي تعمل حثيثاً على تشويه الثورة بالكامل، وإنقاذ النظام من إمكانية سقوطه.

إن ضعف النظام صار أكثر من
باد، وخاصة بعد خساراته المتتالية في كل سورية، بدءاً من حلب ودرعا وإدلب
والغوطة بدمشق، وتحققت كل تلك الانتصارات
المتجددة، بفعل تحالفات بسيطة عقدتها كتائب الجيش الحر وكتائب أخرى، وبالتالي وفي
الوقت الذي يقول الشعب بضرورة مجابهة النصرة، هناك ضرورة لتوحيد الكتائب في كل
سورية، من أجل إما حسم الصراع عسكرياً، وإما تأمين تحرير أوسع وأشمل، بما يحقق
ميزان قوى أكبر ولصالح الثورة عبر المفاوضات.

تشكل معركة الساحل، خطورة جدية على الثورة، في حال ارتكبت مذابح
طائفية من قبل جبهة النصرة بالتحديد، فحينها ستكون الثورة ثورة طائفية، وسيكون لدى
العالم ذريعة جدية، لدعم النظام في معركته ضد الإرهاب والمجموعات الجهادية، أو
التضييق على الثورة لتقبل بأية شروط تفرضها الدول الامبريالية لصالح الإمبريالية
الروسية؟!

يقع في الدرجة الثانية من الخطورة، مجموعات السرقة والنهب، المسماة
على الجيش الحر، وأغلب مجموعاتها من الذين أطلقهم النظام في عام 2011، وينوف عددهم
عن الستين ألفاً، وهؤلاء لا يفعلون سوى السرقة النهب وتشويه الثورة والتطييف،
والقيام بأقذر الأعمال، والعمل وفق الطلب، وبالتالي لا يمكن تجديد الثورة، دون
التخلص من العثرتين اللتين أشرت لهما.

وبموازاة ذلك، وباعتبار القوى السياسية أثبتت فشلاً كاسحاً، فإن
الثورة تتطلب قيادة جديدة، تتمتع بالمصداقية، والاستقلالية عن كافة القوى السياسية
وعن الدولة الخارجية، وتتبوأ هي بذاتها تمثيل الثورة، وطرح رؤاها، وبرنامجها؛ بما
يعيدها ثورة شعبية، وبالتالي يجب أن يلامس برنامجها حاجات الشعب الثائر، في النظام
الديموقراطي، وفي تحسين الوضع المعيشي للناس وأن الثورة لصالح كل السوريين، وليس
ثورة طائفة ضد طائفة، والرفض الواضح والدقيق لجبهة النصرة. هذه مفردات أولية
لبرنامج الثورة، لا يمكن لها أن تتغير وتجدد من ذاتها بغيره؛ فالشعب يريد حاجاته،
ويريد بناء سلطته، ويريد تمثيل ذاته، وكل ذلك، يتعارض مع العثرتين اللتين أشرت إليهما،
ويتعارض من القوى السياسية المكرسة.

لا ننطلق من الوعظ، ولا نرغب فيه، ولكن كل استمرارية للثورة دون إنجاز
هذه القضايا يصب في خانة تشويهها بالكامل، سيما وأن النظام في أسوأ حالاته، وحتى
مع الدعم الروسي والإيراني وحزب الله، وسواه، لم يعد قادراً على مواجهة الشعب.

المهمة الراهنة تكثيف الجهود من أجل تجديد الثورة والانطلاق نحو مرحلة
جديدة فيها، تسمح فعلاً بإسقاط النظام، لا أن تسلم الثورة لعملية تقاسم النفوذ
العالمي والإقليمي على سورية!.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *