مرهف دويدري
منذ زمن طويل قرأت رواية مصارع الثيران للكاتب التركي مظفر أوزغو، وهي
رواية تبحث في فكرة صناعة البطل القومي، وهي فكرة ليست بالغريبة عن أذهان الشعوب،
فهنالك من يقول أن شكسبير هو كاتب لا وجود له، وأن من كان يكتب هو فرانسيس بيكون، أو
كريستوفر مارلو، إلا أن الإنكليز يصرون على أن شكسبير هو تاريخ انكلترا المسرحي، وكذلك
غوته في ألمانيا، وسرفانتس في إسبانيا ..
إذن لكل أمة عظيم تفتخر به سواء
أكان حقيقة أم صناعة، و مهما كانت هذه الامم متقدمة في مجالات الصناعة، والتجارة،
والمال. إلا أنه لا بد من وجود شخصية عظيمة تدل على حضارة هذه الأمة أو قوتها، فقد
كان في الزمن الغابر لكل قبيلة شاعر، وقوة القبيلة من قوة الشاعر في إيهام الآخر بقوة
هذه القبيلة، ومديح نسب القبيلة.
في 9 آب توفي الشاعر الكبير سليمان العيسى عن عمر يناهز 92 عام قضاها في
حديقة الشعر الخضراء، حيث استطاع أن يطوع الكلمات البسيطة إلى قصائد للطفولة
حفظناها عن ظهر قلب بدون أدنى إشكالية، وذهبنا، وأقصد جيلنا الذي درس قصائده
الجميلة، إلى ذكر اسمه في نهاية القصيدة، وكأن اسمه جزء لا يتجزأ من القصيدة، كان هذا
نوع من ارتباط الشاعر وتفاعله مع المتلقي – الطفل – الذي لا يمكن الكذب عليه أبداً..
سليمان العيسى مناضل من زمن الفكر القومي، فهو من مؤسسي حزب البعث، إلا أنه
لم يكن في قياداته- على الأقل في عهد الأسدين- و ربما مقولته الشهيرة خير دليل على
هذا الانفصال الروحي بينه و بين الحزب الذي حلم به، حيث قال: ( عندما كان البعث
حلماً كنت معه، وعندما تحول الى حزب تركته ) وأعتقد أن موقفه من الحرب على العراق،
وإرسال قوات سورية إلى حفر الباطن كان كفيلاً بنفيه إلى اليمن لفترة طويلة ليدرّس
هناك، علماً انه كان قد تجاوز سن التدريس..
في موقف لافت لبعض المثقفين السوريين ممن كانوا يعتاشون على خيرات النظام
الأسدي، وأصبحوا بقدرة قادر معارضين، وبعد وفاة الرجل بدؤوا بنهش لحمه، وبمطالبته
بموقف واضح من الثورة على أساس طائفي، لا على أساس سياسي؛ فالرجل رحمه الله من
لواء اسكندرون الذي سلخ عن سورية عام 1939، وهو علوي، واعتبر هؤلاء أن سليمان
العيسى فرض علينا في مناهجنا الابتدائية فقط لأنه علوي وبعثي، فراحوا يطالبونه
بموقف، وقد تخطى عتبة التسعين من العمر، وهو يعاني في مرض عضال. أضف إلى ذلك أن آخر
قصيدة كتبها في عام 2009. أنا لا أفهم هذا التصنيف الغريب، هل طلب من زكريا تامر
موقف واضح ببيان واضح عن موقفه من الثورة أو أنه لا إثم عليه بسبب طائفته ؟؟ إلى
هذا الحد تدخلت السياسة في الإبداع، حتى أن أحد الأشخاص ذهب بلعناته الى بدر شاكر
السياب على أساس طائفي، والمتنبي كذلك.. و كأن المطلوب من المتنبي أن يصرح ببيان
يؤيد فيه الثورة السورية التي كانت ستحدث بعد وفاته بألف عام!.
أما شخص آخر فقد اعتبر أن من يترحم
على سليمان العيسى هو من منتجات طلائع البعث، وأن سليمان العيسى لم يكتب قصيدة في
حياته، وإنما كلام فارغ أجبرنا عليه لأنه بعثي، علماً أن من قال هذا كان يكتب في
صحافة النظام مقالات محفوفاً بتوصيات أكثر من توصيات النشر لقصائد سليمان العيسى
بكثير، ومبرره الربط بين سليمان العيسى وأدونيس صاحب المواقف الغبية، إلا أن أدونيس
صرح علانية، و سليمان ربما لا يعرف ما يجري خارج جدارن جمجمته، بسبب مرضه الطويل..
والجدير بالذكر أن سليمان العيسى لم يكن بعيداً عن استبداد النظام الأسدي،
فعلاوة عن تهجيره بشكل أشبه ما يكون بالقسري إلى اليمن إبان موقفه الرافض للحرب
على العراق عام 1991، فقد تم حذف قصائده من المناهج المدرسية واستبدالها بنصوص
جوفاء خالية من الإبداع، ومن يتتبع هبوط الذائقة الأدبية للأطفال بعد تغيير المناهج
المدرسية، سيدرك كم كان سليمان العيسى قامة أدبية لا يمكن التطاول عليها.
حقاً نحن أمة مبدعة بقتل عظمائها، وتفتيت تراثها على أساس طائفي غبي، الهدف
منه النيل من ثقافة أمة، وأعتقد أن لا فرق بين شاعر و شاعر إلا في الإبداع، ولا
فرق بين ثائر وثائر إلا بالصدق، و حب الأمة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث