إذا كان لنا أن نعرف
السلم الأهلي كما أنفهمه , فإننانميل للقول أنه ببساطة وباختصار هو إستبعاد العنف
من اللوحة التي ترسم علاقة القوى المشكلة لمجتمع ما ببعضها البعض , ولا نقصد
بالعنف , شكله المادي فقط , بل نعني به أيضا أوجهه الأخرى , الثقافية والدينية
والاقتصادية والقيمية و…و…
ولعله من البدهي
القول ,أن الاشتغال على السلم الأهلي يتطلب أول ما يتطلب , فهم القوى المكونة
للمجتمع , وآليات تعبيرها , وحواملها , وجذورها الثقافية والتاريخية والاقتصادية
ومطامحها , وفهمها لصيغة وجودها المستقبلية , وفهمها ايضا لصيغ وجود القوى الاخرى التاريخية
والمستقبلية .
لايمكن الجزم بأي
الطرق يمكن البدء لارساء ثقافة السلم الاهلي
في مجتمع ما , فقد يكون الانطلاق من الفرد او الأسرة أو أي من التصنيفات
الاجتماعية المحددة لهذا المجتمع , هو صحيح وخاطئ بنفس الوقت , ولعله من المناسب ,
وخصوصا في المجتمعات التي تحتوي على كم كبير من مفجرات السلم الأهلي , أن يتم
الاشتغال على مستويات متعددة , وربما في حقول اخرى يبدو للوهلة الاولى ان لاعلاقة
وثيقة للسلم الاهلي بها .
إن غياب العنف في
مجتمع ما خلال فترة ما , لايعني معافاة هذا المجتمع على صعيد السلم الأهلي , ولا
يخفى على أحد أن الأمن الذي وسم المجتمع السوري في مرحلة ماقبل الثورة , والذي
تشدق به الكثيرون , لم يكن إلا قشرة هشة فرضها القمع الشديد , وتحطمت عند أول
انهيار لسلطة القمع تلك , كما أنه لايخفى على أحد أن السلم الأهلي هو نتاج معافاة
المجتمع على صعد متعددة بدءا من السياسي مرورا بالاقتصادي و..و…وانتهاء
بالقانوني والحقوقي , ومن هنا تأتي صعوبة وتعقيد
مهمة المشتغلين عليه , فهم دائما في مهب رياح اي انفلات لمفجرات الصراع المتعددة ,
وهم دائما معرضون لخسارة جزء كبير مما تم بناؤه , ان لم تكن خسارته كاملا .
لا نظن أن مجتمعا
يتصف بالتعقيد الذي يتصف به المجتمع السوري , هذا المجتمع الذي تضافرت عوامل
التاريخ والجغرافيا والاقتصاد لتصنع منه لوحة بالغة التشابك والتعقيد , أضيف لها
بعد الثورة , عامل بالغ الخطورة والذي يتجلى باشتغال النظام اولا والمصالح الدولية
ثانيا عليه , وأقصد بذلك العنف البالغ
والمتعمد والممنهج .
لا نظن أن بنية
اجتماعية ما , كانت قادرة على التماسك , فيما لو تعرضت لحجم وطبيعة وصيغ العنف
الذي مورس على المجتمع السوري , مهما كانت درجة معافاته على كافة الصعد , فما بالك
بمجتمع فرغ من أهم مقومات تماسكه على مدى عقود , وتم وبمنهجية عالية تحطيم كل ما
من شأنه أن يحصن هذه البنية المجتمعية في أزمة ما .
إن الاشتغال على
السلم الأهلي في سورية , وبعد كل ماجرى , يبدو أقرب للمستحيل , سيما أن نهر الدم ,
لايزال يجري وبغزارة , وأن القوى التي لاتزال مصالحها ترتكز على هدم السلم الأهلي
, لاتزال فاعلة وحاضرة في صميم المشهد السوري , ومع هذا فإن هذه المهمة التي تكاد
تلاصق المستحيل ضمن معطيات اللوحة الحالية , هي مهمة يجب العمل عليها وبإلحاح ودأب
.
إن العمل على تكريس
فهم أن السلم الأهلي في المجتمع السوري هو حاجة ملحة للجميع وهو مصلحة حقيقية
ومصيرية للشعب السوري , وليس ترفا ثقافيا أو معرفيا أو أخلاقيا , وليس منة من أحد
على أحد ولا هو دين من أحد على أحد , إن هذا الفهم , إضافة إلى وعي الثمن الباهظ الذي
سيدفعه السوريون جميعا في حال تم تغييب السلم الأهلي في المرحلة القادمة , يشكل
الأساس الذي يجب البناء عليه لإنشاء سلم أهلي قابل للحياة والصمود .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث