الرئيسية / ترجمات / لماذا اعترفت إسرائيل بقصف المنشأة النوويّة في دير الزور؟

لماذا اعترفت إسرائيل بقصف المنشأة النوويّة في دير الزور؟

صدى الشام- شهرزاد الهاشمي/

لفترة طويلة بقي قيام إسرائيل بقصف ما قيل إنه “مفاعل نووي” سوري طيّ الكتمان، فمنذ تنفيذ تلك العملية ضد المنشأة الواقعة بالقرب من مدينة دير الزور في في السادس من أيلول 2007 لم يخرج أي تصريح يتبنّى الهجوم. وعلى هذا الأساس جاء الكشف عن الأمر مؤخراً ليثير التساؤل حول الأسباب والتوقيت، فمنذ عام 2013 نفّذت إسرائيل أكثر من مئة عمليّة استهدفت مواقع لميليشيا “حزب الله” دون الإعلان عنها بشكل رسمي، ما يعني أن رفع السريّة عن قصف “مفاعل” دير الزور أعدّ بدقة ليحقق هدفاً محدداً، خصوصاً أن الخبراء العسكريين الإسرائيليين كانوا قد أدرجوا تلك العمليّة ضمن ما يطلق عليه “مساحة الإنكار” وفور القيام بالعملية فرض جيش الاحتلال حظراً تاماً على الكشف عن حيثياتها.

 

“مساحة الإنكار”

ترى الصحفيّة سيريل لويس في تقرير بصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية أن الإسرائيليين سعوا من خلال التكتّم إلى أن يظلّ الغموض يكتنف طبيعة الهدف وهوية المعتدي، الأمر الذي دأبت عليه إسرائيل سعياً منها لإعطاء نظام بشار الأسد فرصة لعدم الردّ دون أن يخسر ماء وجهه.

ويبدو أن الأسد كان يفهم تلك الرسالة بشكل جيد، إذ اكتفى في عملية دير الزور باتهام سلاح الجو الإسرائيلي بضرب موقع غير ذي أهمية، مُطلقاً سيلاً من التهديدات المبهمة ضد إسرائيل.

ولم يُكشف النقاب عن سيناريو هذه الغارة إلا بشكل تدريجي من قبل الصحافة الأمريكية. أما نظيرتها الإسرائيلية فلم يَسمح لها الجيش بنشر تفاصيل هذه الغارة إلا مؤخراً، أي بعد أنّ قرراً رسميّاً صدر فعليّاً بالكشف عن الأمر.

وتضيف الصحفيّة في تقريرها أنّ مبدأ “مساحة الإنكار” أثبت جدواه في بعض الظروف، لكنه استُبعد في ظروف أخرى تبين أن الكشف فيها عن العمليات كان يخدم المصالح الإسرائيلية بشكل أفضل.

فمثلاً تنقل الكاتبة عن المحلل بمركز أبحاث “مجموعة الأزمات الدوليّة” عوفر زالزبيرغ قوله إن القادة الإسرائيليين دأبوا على مدى الأشهر القليلة الماضية على الكشف رسمياً عن مسؤوليتهم عن هجمات ضد “حزب الله” أو المواقع الإيرانيّة، مما يُعتبر “تعزيزاً لرسالة الردع الموجهة لهذين الكيانين” حسب تعبيره.

وتضيف أن الخبراء الإستراتيجيين ارتأوا اليوم أنّ الوقت قد حان للكشف عن قصف “مفاعل” دير الزور، استجابة أولاً لضغوط وسائل الإعلام الإسرائيلية التي ظلت تنتقد الحظر المفروض عليها بخصوص هذه العملية، وثانياً لأن الإسرائيليين لم يعودوا يخشون من إقدام النظام السوري على أي ردّ في ظل الضعف الذي يعاني منه جيشه.

لكن الرسالة الأهم من هذا الاعتراف موجّهة لإيران، وهذا ما كان واضحاً في حديث وزير الشؤون الإستراتيجية إسرائيل كاتز، حين قال: “هذه العملية الناجحة دليل على أن إسرائيل لن تسمح للدول التي تهدد وجودها بالحصول على أسلحة نووية”، وفي هذا ردّ على من يقولون إن قدرة إسرائيل الرادعة تتآكل، بحسب الكاتبة.

 

 

شكوك

لا يقتصر الكشف عن العمليّة على التبنّي وحسب، بل إن ما يكتنفها من تفاصيل استدعى التوقّف عند الكيفيّة التي تمّت بها، والأدوار التي لعبها كل طرف لإتمام العمليّة بالشكل المطلوب.

وفي مقال أعده الصحافيان يوسي ميلمان ودان رافيف، ونشره موقع مجلة “بوليتيكو” أورد الكاتبان معلومات استناداً إلى حديثهما مع عدد من وزراء الحكومة السابقين في دولة الاحتلال بمن فيهم رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، بالإضافة لقادة أمنيين وعسكريين وبعض الطيارين الذين شاركوا في الهجوم.

وعلى الرغم من رفع السريّة عن العمليّة بعد 11 عاماً من تنفيذها وإفساح المجال أمام الصحافة المحليّة للحديث عنها لأوّل مرة، فإنّ الجواسيس الإسرائيليين لا يزالون يعبّرون عن مرارة بسبب الفشل الاستخباراتي الأمريكي آنذاك.

وتساءل مدير الموساد السابق تامير باردو :”أين كان الأمريكيون؟ فقد كان الكوريون الشماليون هدفاً مهمّاً لهم ولا يُعرف إن كان الأسد هو من يدير المشروع أم الكوريّون الشماليوّن”. وعبّر الجاسوس السابق عن شكوكه فيما إن كان نظام الأسد سيحتفظ بالبلوتونيوم أم كان سيرسله لكوريا الشمالية حيث لم يكن الغرب يعرف عن وجود هذه المادة “وكان فشلاً أمريكيّاً ذريعاً”. وتثير أسئلته سؤالاً آخر: “إذا استطاع الكوريوّن الشماليون والسوريّون خداع واحدة من أقوى مؤسسات التجسّس في العالم وبالتأكيد في الشرق الأوسط ، فما هو الشيء الذي فات سي آي إيه؟” وقد يكون هذا صحيحاً بالنسبة لكوريا وإيران وأي مكان في العالم.

ويقول الكاتبان إنّ الهجوم الجوي الإسرائيلي الذي استهدف بناءً غير معروف في شمال شرقي سوريا نُفّذ في منتصف ليلة 5- 6 إيلول.

وأن تقوم بهجوم في عمق الأراضي السوريّة لم يكن سهلاً بحسب الكاتبين، إلا أن الأمريكيين والإسرائيليين سهّلوا مهمة طائرات أف -15 و أف-16 من خلال التشويش الالكتروني الذي أعمى الدفاعات الجويّة السوريّة، وقامت بإسقاط أطنان من المقذوفات، والتأكّد بطريقة عمليّة من تسوية البناء بالأرض. ويُشبه البناء السوري الذي دُمّر المُجمّع النووي الكوري في يونغ بيون، والذي يقوم بإنتاج البلوتونيوم للقنابل النووية. ويقول المسؤولون الاستخباراتيون الإسرائيليون إن المبنى دُمّر قبل أسابيع من بدء انتاج مواد مشعّة. ويعلّق الكاتبان أن دير الزور، كبرى المدن السورية في الشرق، وقعت ولمدة ثلاثة أعوام تحت سيطرة تنظيم “داعش”. ولو استمر المفاعل النووي بالعمل لوقعت المواد الحسّاسة مثل البلوتونيوم بيد هذه الجماعة.

ويقول الكاتبان إنّ “الوزراء والمسؤولين الإسرائيليين يشعرون بالفخر لتدمير المفاعل النووي السوري. وقد أخبرهما أولمرت الذي استقال لاحقاً بتهم فساد وقضى فترة 18 شهراً في السجن، أنّ تدمير المشروع النووي السوري هو من أهم القرارات في حياته. وقال مسؤول: “يستحقّ أولمرت نسبة القرار الجريء إليه”.

ويعلّق الكاتبان أنّ الكشف عن الهجوم يُظهر حرباً لإدّعاء الكفاءة بين أكبر مؤسستين أمنيتين كبيرتين في إسرائيل. ويقول شالوم درور، الذي عمل مديراً لأبحاث سوريا عام 2007 في الاستخبارات العسكرية (أمان) “أنّ الكشف عن المفاعل هو واحد من أعظم إنجازات الاستخبارات العسكرية، أمان”. إلا أنّ تامير باردو الذي كان نائباً للموساد في حينه (ومديراً لها ما بين 2011- 2015) يختلف مع هذه الرؤية حيث يقول إن “سوريا بنَتْ ولعدّة أعوام مفاعلاً نوويّاً تحت سمعنا وبصرنا ولم يُبنَ على الجانب المعتم في القمر، ولكن في جارة كنا نعتقد أننا نعرف عنها كل شيء”.

ويتذكر الجنرال غابي أشكنازي، أنه تلقى في وقته كرئيس لهيئة الأركان المشتركة عدداً من التقارير التي أرسلها الموساد وأمان عن الدول العربية، إلا أن أيّاً منها لم يذكر اسم “سوريا”، مضيفاً “كانت هناك شكوك لكنّ بدون أدلة” و”ضمن العمل الاستخباراتي كان هناك الكثير من الشكوك إلا أنّ المشروع النووي السوري لم يكن مهمّاً”.

وقال رام باراك، رئيس واحدة من عمليات الموساد “أيّ شخص يقول إنّ سوريا كانت تبني مفاعلاً نوويّاً لا يعرف شيئاً أو لا يقول الحقيقة، وعندما حصلنا على المعلومة كانت مفاجئة، فحتى ذلك الوقت كان التقييم متردّداً بين نعم أو لا وأنهم كانوا يخطّطون لبناء مفاعل نووي من خلال تخصيب اليورانيوم أو مفاعل ينتج البلوتونيوم. وباختصار لم نكن نعرف الوجهة التي يجب أن نركّز عليها”.

 

 

معلومات استخباراتيّة

ويرى الكاتبان أن عدم انتباه المخابرات الإسرائيليّة للمشروع السوري تزامن مع صدمة عانت منها الاستخبارات الإسرائيليّة بحدود عام 2003 حيث اعترف الزعيم الليبي معمر القذافي أن لديه برنامجاً نوويّاً. واكتشف المسؤولون الغربيّون أن ليبيا اشترت التكنولوجيا من مؤسّس المشروع النووي الباكستاني عبد القدير خان والذي حقّق ثروة من بيع وتهريب التكنولوجيا. وقد أبدى الجواسيس الإسرائيليون مخاوف من عدم اكتشاف نشاطات خان الذي يقولون إنّ هناك أدلّة قويّة على مساعدته إيران في مشروعها النووي، لكنهم لم يعرفوا أنه نجح في أماكن أخرى. وأخبر شاباي شافيت الذي عمل مديراً للموساد في التسعينيات، الكاتبين بمعرفة الاستخبارات الإسرائيلية بتجوال خان في الشرق الأوسط لبيع خبراته في التكنولوجيا النوويّة. لكنهم لم يكونوا يعرفون الكيفيّة التي قدم بها المهندس الباكستاني رزمة سريعة لبدء مشروع مفاعل، ويقول شافيت بهذا الخصوص “لو فهمنا لأوصيت باغتياله، وربما كان اغتيال شخص واحد من الأفعال التي غيرت التاريخ”. وبعد اكتشاف امتلاك القذافي مشروعاً متقدمّاً نوعاً ما، أمرت “أمان” بإخراج المعلومات التي جمعتها عن ليبيا وحفظت بدون تحليل. ووجدت الوكالة الأمنيّة أن خان قام بزيارات لمصر والسعودية وسوريا. ولم يكن لينجح مع دولتين حليفتين لأمريكا، ولهذا قامت الوكالة بالتركيز على سوريا التي وصل فيها بشار الأسد للسلطة في عام 2000 بعد وفاة والده. ورأت الاستخبارات الإسرائيلية فيه ديكتاتوراً غير مجرّب يمكن أن يندفع نحو أعمال متهوّرة أو مغامرات. ولهذا قرّرت “أمان” عدم التساهل معه خاصّة أن بلاده جارة لإسرائيل. ويقول الجنرال المتقاعد إيلي بن مائير : “كان عليَّ الشرح للعاملين معي لماذا يجب علينا الاهتمام بالأسد” خاصّة أن التركيز كان في ذلك الوقت على إيران والجماعة الوكيلة لها في لبنان “حزب الله”.

وقال بن مائير إنهم لاحظوا عدداً من التحرّكات مثل وصول شحنات من آسيا بدون أي هدف، وسألت إسرائيل المخابرات الأمريكيّة وغيرها من الوكالات “الصديقة” إن كانت قد لاحظت وصول مواد ذات طبيعة نوويّة إلى سوريا وكان الجواب سلبيّاً. وطلب باردو مع أشكنازي من رئيس الوزراء أرييل شارون ميزانيّة إضافيّة للتركيز على سوريا. وزادت أمان التي يعمل فيها 8200 من رصدها للاتصالات داخل سوريا. وعلى هذا الأساس بات إبراهيم عثمان، مدير لجنة الطاقة الذرية والرجل الذي يحمل كل أسرار النشاط السوري هدفاً للمراقبة.

وادّعت وسائل الإعلام في دولة الاحتلال أنّ عملاء الموساد قاموا بالدخول إلى الغرف التي أقام فيها عثمان في المدن الأوروبيّة مثل فيينا، وقرب مقرّ الوكالة الدوليّة للطاقة الذرية، وعثروا على مخزن من المعلومات التي خزنت في جهاز رقمي حيث تم سحب كل المعلومات وإرسالها للمخابر في إسرائيل. وتم وضع المعلومات على رفوف المخابر لعدة أيام قبل فك شيفرتها. ويقول بن باراك “دخل الضابط الإستخباراتي غرفتي وأراني صوراً” وابتسم قائلاً “أحياناً المعلومات بحاجة لحظّ”.

وكشفت الصور المأخوذة من عثمان وجود علماء كوريين في داخل الموقع الذي ينتج البلوتونيوم. وكانت الصور الدليل القاطع وأثبت صحة شكوك إسرائيل. وتمّ إعلام أولمرت بها والذي طلب من بوش تدمير المشروع، لكنّه قال “لا” متعلّلاً بوجود القوّات الأمريكية في العراق. إلا أن بوش لم يقلْ شيئاً عن غارة إسرائيليّة، وهو ما اعتبره أولمرت ضوءً أخضر وأصدر أوامره لأشكنازي كي يُحضّر للغارة.

شاهد أيضاً

ما الذي جرى في “مخيم الفردان” في ريف إدلب وماهي تهمة الفرنسي “عمر أومسين ” هل يستسلم ؟؟

شهدت الساعات الماضية اشتباكات بين قوات الأمن السورية ومقاتلين فرنسيين بعد تطويق مخيمهم بشمال غرب …

بلجيكا تحتجز فتاة قاصر سورية لمدّة يومين في مطار بروكسل الدولي

صدى الشام احتجزت السلطات البلجيكية، فتاة سورية قاصر تبلغ من العمر 17 عامًا، بعد وصولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *