صدى الشام- رانيا العربي/
ما يزال الموقف الأمريكي حيال ما يجري في سوريا يتأرجح سواء على مستوى الفعل أو حتى الخطط؛ القريبة منها والبعيدة، فعدما يتعلق الأمر بالخطوات المرتقبة نجد لدى الولايات المتحدة ما يوحي باحتمالات للقيام عمل عسكري ضد نظام الأسد، لكن سرعان ما يتّضح أن الحديث ما يزال أسير التباحث والدراسة ويخضع لحسابات عدة.
حان الوقت.. ولكن
وفي هذا السياق تناول الباحث كونور فريديرسدورف، احتمالات التدخل الأمريكي العسكري في سوريا، قائلاً إن الرئيس دونالد ترامب يكرّر وصفه لسلفه باراك أوباما بالمغفل بسبب موقفه مما يجري في سوريا. ورفض الكونغرس التصويت على منح تفويض لشن حرب في سوريا. ويقول فريديرسدوف في مجلة “ذا أتلانتيك” إن القوات المسلحة يقودها الآن قائد عام يفتقر إلى الخبرة والحكمة والثبات والدعم الشعبي لخوض حرب في بلد بعيد حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يؤدي إلى اشتعال نزاع إقليمي أو حتى حرب نووية.
ولكن حتى مع اشتباك القوات الأمريكية مع المرتزقة الروس على الأرض السورية، ثمة أصوات متنامية تحض ترامب على تكثيف الوجود الأمريكي ـ غير الشرعي هناك- والانتقال من قتال “داعش” إلى مواجهة نظام الأسد، ليس لاعتقادهم أن الضربة الصاروخية الرمزية التي شنها ترامب في نيسان الماضي قد منعت فعلياً بشار الأسد من استخدام الغازات السامة ضد شعبه، وإنما بسبب اعتقادهم أنه من غير المقبول عدم القيام بأي شيء.
ونُقل عن محررين في موقع بلومبرغ قولهم إنه “حان الوقت لرسم خط أحمر آخر…على ترامب أن يبلغ الأسد وداعميه الروس أن أي استخدام مثبت لأي سلاح كيمياوي، بما في ذلك الكلورين، سيتم الرد عليه بضربة انتقاميّة حتى أكبر من تلك التي حدثت في نيسان، ومن المؤكد أن الضربة لن توقف القتال في الغوطة الشرقية أو في أنحاء البلاد، لكن من شأنها أن توقف إحدى الوسائل التي يستخدمها الأسد لترويع مواطنيه”.
ومع ذلك، يبدو أن ذلك السياق هو قيد الدراسة الآن، ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين أمريكيين أن “إدارة ترامب تدرس عملاً عسكرياً جديداً ضد الحكومة السورية رداً على تقارير عن استخدام السلاح الكيميائي”، مما أثار احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية ثانية للأسد في أقل من سنة، وأضافت أن “ترامب طلب درس خيارات لمعاقبة حكومة الأسد عقب تقارير عن استخدامها الكلورين في هجمات بالغاز سبع مرات على الأقل هذه السنة، ومع احتمال استخدام مواد كيميائية أخرى في مناطق سيطرة المعارضة”.
الوجود العسكري
وفي الجانب الاستراتيجي تتّخذ خطط واشنطن إزاء سوريا الطابع ذاته من الغموض وعدم تطابق في ظل الدوافع المختلفة التي تسوقها لتبرير الوجود الأمريكي في سوريا.
ويشير الباحثان في معهد “الشرق الأوسط” تشارلز ليستر ووليم أف ويشستر، إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لديه خطط في سوريا بدون استراتيجيات حقيقية.
وجاء في المقال المنشور في مجلة “بوليتيكو” أن أمريكا ستبقى في سوريا لأمد طويل، ففي الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون يوم 18 كانون الثاني، رفع من رهانات بلاده في سوريا، وحدّد خمسة أهداف كبيرة، وهذه الأهداف هي: هزيمة تنظيم “داعش” والقاعدة، وحلّ المشاكل الحدوديّة السوريّة من خلال عمليّة تسوية تقودها الأمم المتحدة، والحد من التأثير الإيراني، والعودة الطوعية للاجئين، وتنظيف سوريا من أسلحة الدمار الشامل.
وتعبّر هذه الأهداف عن أهداف الإدارة السابقة لأوباما في سوريا، وبالنسبة للمسؤولين في الإدارة السابقة فإن استراتيجيها كانت مأساة بسبب فرص ضاعت وحالات إحباط وصفقات لم تتم وكوارث لم يتم منعها، ولكن هل يمكن لترامب أن يقدم شيئاً؟
ويعلّق الكاتبان على ما قاله تيلرسون أن هناك ضرورة للحفاظ على وجود عسكري هناك لمنع عودة نظام الأسد الديكتاتوري ومعاملته الشرسة لشعبه.
ورغم ما تحمله تصريحات من وضوح في الاستراتيجية وتجاوز الأفكار الداعية لفك العلاقة مع الحرب، إلا أن الأهداف التي قدّمها تيلرسون تظل غير واقعية، وكما فعل أوباما الذي طالب عام 2011 برحيل الأسد ورفض في الوقت نفسه الدعوات لمدخل متشدد، فإنه لا يوجد ما يشي بأن فريق ترامب بدأ أو حتى طوّر استراتيجية تتناسب مع الاستراتيجية الكبرى التي قدّم ملامحها وزير الخارجية، فهي لا تخطط لتوفير المصادر الضرورية لتحقيقها.
وبالنسبة للولايات المتحدة فمكافحة الإرهاب ستظل أولوية والهزائم التي تكبدها تنظيم “داعش” تعتبر إنجازات مهمة، ومثلما لعب الطيران الروسي دوراً حاسماً في حرف ميزان الحرب لصالح نظام الأسد كانت الحملة الجوية حاسمة في طرد تنظيم “داعش” من معاقله، ومنذ عام 2014 تدعم الولايات المتحدة مجموعة من الجماعات المحلية المعروفة بـ “قوات سوريا الديمقراطية” التي تسيطر عليها عُدداً وقيادةً المجموعات الكردية المعروفة بـ “وحدات حماية الشعب” وتسيطر على 25% من أراضي سوريا.
وعليه فالحفاظ على القوات الأمريكية لتدريب وتسليح القوات هذه يحقق الاستقرار في منطقة معروفة بثرواتها الزراعية والنفطية، بحسب كاتبي المقال، ومن خلال بناء الاستقرار في شمال- شرق سوريا تحاول أمريكا منع عودة تنظيم “داعش” من جديد وتعمل في الوقت نفسه على التعامل مع كل لاعب في سوريا.
تخبّط
ويلفت الكاتبان إلى وجود مشاكل تقف في وجه الخطط الأمريكية إذ أنّ تركيا التي ترى في “وحدات حماية الشعب” جناحاً لـ “حزب العمال الكردستاني” تعتبره تهديداً وجودياً لها، وكانت المخابرات الأمريكية قد عادت لوصف “وحدات حماية الشعب” بأنها فرع لـ”بي كا كا” التركي والذي تصنفه الولايات المتحدة كجماعة إرهابية، وعبّرت تركيا عن مخاوفها الأمنية – المفهومة- من خلال حملة قامت بهما في شمالي سوريا وطرحت أسئلة حول حيوية الاستراتيجية الأمريكية، ووضعت حليفين لواشنطن في مواجهة خطيرة، فـ “قوات سوريا الديمقراطية” تخوض حرباً شاملة مع دولة عضو في الناتو، والمستفيد من هذه المواجهة هو تنظيم القاعدة التي تكشف أبحاث الكاتبين عن زيادة عدد مقاتليه عن 15.000 شخص.
ويقول تيلرسون إن الولايات المتحدة تريد هزيمة هذا التهديد ولكن ليس لديها الاستراتيجية المناسبة. وفي الحقيقة قامت في منتصف عام 2017 بقطع الدعم عن فصائل المعارضة، واستغلّت الجماعات الجهادية هذا الضعف، وبعيداً عن الخطابات الرنانة الصادرة من واشنطن، فلم تقدّم الإدارة أية خطط ذات معنى لمواجهة تنظيم القاعدة في شمال غربي سوريا، أما الأهداف الأربعة الأخرى فهي تتحدث عن واقع البلاد منذ سبعة أعوام، وللحق فقد أشار تيلرسون إلى واقع مهم وهو أن بقاء الأسد في الحكم سيظل مصدراً لمشاكل البلاد!
ولكن ربطه بين رحيل القوات الأمريكية البالغ عددها 1.500 جندي يقترح أن بقاء النظام الذي يحكم بقايا دولة مرتهن بالوجود الأمريكي، وهذا ليس صحيحاً، فالأسد في وضع آمن لم يمر به منذ بداية الثورة، ويتساءل الكاتبان كيف يمكن لعدد قليل من القوات الأمريكية منع التأثير الإيراني. والموضوع الإيراني أمر تهتم به إدارة ترامب وهي محقة. وكذا أمن إسرائيل الحليف القريب لأمريكا والشريك الذي لا يمكن الإستغناء عنه؛ الأردن.
وتعتبر إيران من أكثر اللاعبين تأثيراً في سوريا، والسبب وجود أكثر من 150.000 مقاتل شيعي يأتمرون بأمرها، وتسيطر إيران على الكثير من القواعد العسكرية السورية وعدد من مصانع الصواريخ الباليستية.
خطط روسيّة
وقد أمّنت الاستثمارات الاقتصادية تأثيراً لا يمكن تجاهله، وتتبع إيران القواعد نفسها التي كتبتها أولاً للبنان وطبّقتها في العراق وستعطيها لسوريا، وعليه فالتهديد ضد إسرائيل جراء هذا سيكون الأكبر منذ عقود. وفي الوقت الذي يتركز فيه نظر العالم على شمال شرقي أو شمال غربي سوريا فإن الجبهة الأخطر ستكون هي الجنوب والذي قد يؤدي فيه الوجود العسكري لإيران و”حزب الله” إلى حرب مع إسرائيل، وساعدت الولايات المتحدة على التفاوض من أجل اتفاق خفض للتوتر يخفف بعض مظاهر القلق في الجنوب، إلا أن الشروط قدّمتها روسيا ولم تكن كافية وتبدو اليوم قد تآكلت. ورغم ترحيب واشنطن بمناطق خفض التوتر إلا أن ما لم تفهمه هي أنها مناطق صمّمتها روسيا كي تعطي النظام فرصة للتقدم وببطء واستعادة المناطق التي خسرها، وكانت الخارجية تعرف هذا منذ البداية حيث صممت خرائط في منتصف عام 2017 لكي تصور مكاسب النظام. وبالموافقة على خطط روسيّة فهي تقوم بدعم بقاء الأسد وتوسّع التأثير الإيراني وزيادة الخطر على إسرائيل وفتح الباب أمام تشريد السوريين.
وحتى بعد العملية التي قام بها ترامب العام الماضي لتطبيق خطه الأحمر حول الأسلحة الكيميائية واصل الأسد استخدام غاز الكلور، ورغم تأكيد النظام مقولة “الأسد أو نحرق البلد” واستمراره في تأكيده إلا أن الولايات المتحدة لم تفعل خلال السنوات السبع الماضية ما يحقق الهدف برحيل الأسد، وكلما واصلت أمريكا الحديث عن أهداف كبيرة دون توفير المصادر اللازمة لها لن يؤدي ذلك إلا لمزيد من التآكل في المصداقية الأمريكية.
ويختم الكاتبان بالقول: “عندما تؤدي علاقتنا المركزية مع قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي البلاد إلى حرب مع دولة عضو في الناتو فعلينا التفكير بجديّة حول استراتيجيتنا، وعندما تخرج إيران من النزاع بقدرة جديدة لإظهار القوة ضد حلفائنا إسرائيل والأردن فقد حان الوقت لإعادة تقييم الأولويات في سوريا والتساؤل إن كانت لدينا استراتيجية هناك”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث