صدى الشام _ جلال بكور/
باتت القوات المنخرطة في عملية “غصن الزيتون” على أبواب مدينة عفرين بعد قرابة شهرين على انطلاقها في ظلّ التصريحات المستمرة من قيادات ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية التي تنفي هذا التقدّم، وتؤكد يومياً على صدّ الهجمات وتكبيد المهاجمين من “الجيش السوري الحر” والجيش التركي، خسائر بأرقام فلكية أحياناً!
لم يساند تلك الميليشيا الانفصالية لا قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ولا الدولة دائمة العضويّة في مجلس الأمن روسيا، ولا حتى نظام الأسد الذي لم يعُد قادراً في الأصل على حماية نفسه لولا تدخّل روسيا والعالم بأسره لحمايته وغضّ النظر عن الجرائم والفظائع التي يرتكبها بحقّ الشعب السوري.
فهل أطمأنّت ميليشيا “وحدات حماية الشعب الكردية” للوعود الأمريكيّة الروسيّة بحمايتها من أية عمليّة تركيّة؟ أم أنهم جزء من مخطّط دولي يتلاعب بالأحلام والطموحات ويستغل حقوق المكوّن الكردي السوري؟ أم أن روسيا وأمريكا أرادتا تفكيك القوّة الكردية التي تم إنشاؤها خلال المعارك ضد “داعش”، لذلك لم تعترضا على العملية التركية؟
المنطق السياسي يقول إنه لكل دولة الحقّ في التفكير بمصالحها والعمل عليها وعلى حفظ أمنها القومي، وهو منطق مخالف تماماً للمنطق الإنساني وحقوق الإنسان، وهذا يعني أن الضحيّة الأكبر هم أهالي عفرين المدنيوّن الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الصراع القائم على المصالح، وهو ما يعني خيانة الميليشيا لحقوق المكوّن الكردي من خلال إقحامهم في صراع مصالح الدول الكبرى كما فعل تماماً نظام الأسد بالشعب السوري عندما سعى إلى تدويل الوضع في سوريا بهدف تضييع الحقوق.
لكن الفارق بين النظام وميليشيا الوحدات الكردية أنّ الأول ما يزال ضامناً- على الأقل إلى الآن- مسألة وجوده في حكم سوريا، إذ إنّ القاصي والداني يسعى إلى تثبيته، لكن ما هي المكاسب التي حصلت عليها الميليشيا الكردية من خلال اصطفافها مع التحالف أولًا ثم روسياً وأخيراً النظام؟!.
في طرفة عين أخلَتْ الميليشيات أحياء حلب الشرقية مباشرة للنظام بحجّة أنه حليف مؤقت، وذلك بعد مشاحنات طويلة مع النظام وتبادل للاتّهامات بالخيانة والعمالة، فكسب النظام بقيّة أحياء حلب دون قتال، والأكثر من ذلك أنه طلب من الميليشيا تسليم سلاحها الثقيل مقابل دخوله إلى عفرين، وهو دخول لم يحصل ومن دخل هم مقاتلون من ميليشيات صغيرة، أي أن استعطاف النظام أدى إلى خسارة أكبر.
لم تمنع روسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية العمليّة التركيّة في عفرين ومحيطها وذلك على الرغم من أنهما تعتبران الميليشيا الكردية شريكاً في الحرب ضد الإرهاب المتمثل في “داعش”، فكيف سمحوا لتركيا بضرب ذلك الشريك؟! هذا يؤكد أنّ الدولتين السابقتين لن تتحالفا مع ميليشيا الوحدات الكردية إلا في إطار مصالحهما وليس مصالح الميليشيا أو مصالح وحقوق المكوّن الكردي السوري.
واشنطن لديها سياسة تريد من خلالها استمرار الصراع في المنطقة وربما أرادت إدخال تركيا في مستنقع عفرين، إلا أن الظاهر حتى الآن هو نجاح تركيا في تلك العملية عن طريق التقدم وقلة الخسائر، والخاسر هو الميليشيا الكردية التي لم تقدر على الصمود، وقد بدا ذلك منذ أول أيام المعركة عندما باشرت بطلب المساعدة من النظام وغيّرت خطابها من “نظام البعث” إلى “الدولة السوريّة”.
روسيا أيضاً لديها الكثير من الملفات مع تركيا ولن تدخل في نزاع مع الأتراك من أجل ملف صغير بالنسبة إليها، وبعيد عن مصالحها كثيراً، لذلك كان انسحابها من المنطقة قبل الإعلان رسميّاً عن العملية تحت مسمى “غصن الزيتون”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث