صدى الشام- عدنان علي/
في زحمة التطورات السوريّة، ثمة ظاهرة لافتة تتمثل في توجّه كثير من الفنانين السوريّين نحو العمل السياسي، على ضفتي النظام والمعارضة، وهي ظاهرة فسّرها البعض بأنها رغبة من الفنانين باستثمار شهرتهم، وتحقيق إنجازات شخصيّة أو لحساب ولاة أمرهم، بينما رأى آخرون أنها ناتجة عن حالة الخواء السياسي بشكل عام في المجتمع السوري المغيّب عن العمل في الحقل العام منذ عقود خلت.
والواقع انه منذ بداية الثورة في سورية ربيع عام 2011 حاول النظام استغلال الحضور الشعبي للفنانين لإدماجهم في ماكينته الدعائية تحت دعوى حب الوطن (الذي يتعرض لمؤامرة خارجيّة كبرى) ما يستدعي أن يحتشد الجميع للدفاع عنه (عن النظام) وفي مقدمة هؤلاء الفنانون الذين يرتبط مصدر رزقهم بشكل عام بالولاء لهذا النظام، وحتى من حاول منهم النأي بنفسه، أو التزام الصمت، كانت وسائل إعلام النظام تلاحقه ليعلن رأيه، حيث ساد آنذاك منطق: من ليس معنا (وبالفم الملآن) فهو ضدنا، ولم يتردد النظام في معاقبة أي فنان وبطريقة فجة على كل موقف لا ينسجم تماماً مع رؤيته وروايته، كما حصل مع الفنان جلال الطويل الذي اعتُقل وأهين وأجبر على الظهور في التلفزيون ليقدم الولاء للقيادة علناً، ومع رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي جرى الاعتداء عليه بالضرب وتكسير أصابعه وسط دمشق.
وفي المقابل، انبرى لفيف من الفنانين للظهور المتوالي على وسائل الإعلام للتعبير عن تأييدهم الأعمى للنظام، ولم يتردد بعضهم في تخوين زملائهم ممن كانت لهم وجهة نظر أخرى، بل جرى بشكل رسمي فصل العديد من الفنانين من نقابتهم، على يد نقيب الفنانين السوريين زهير رمضان، بدعوى “مساهمتهم في سفك دماء السوريين عبر تأييد المعارضة المسلحة أو الدعوة للتدخل العسكري في سوريا”، كما برز آخرون كثر إلى جانب رمضان ممّن يَظهرون على وسائل الاعلام للتعبير عن وقوفهم مع النظام وضد الثورة مثل الفنان المعروف دريد لحام ورغدة وسلاف فواخرجي وعارف الطويل وزهير عبد الكريم وغيرهم.
أما زهير رمضان، فقد واصل اندفاعه في موالاة النظام منخرطاً أكثر في النشاط السياسي، حيث ترشح لعضوية مجلس الشعب في دورته الأخيرة مع ثلاثة فنانين آخرين هم الممثل عارف الطويل، ابن خالة جلال، والممثل توفيق اسكندر، إضافة إلى المخرج نجدت أنزور الذي عُيّن نائباً لرئيس المجلس، وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ البرلمان السوري، وربما البرلمانات العربية، أن يكون كل هذا العدد من الفنانين تحت قبة البرلمان دفعة واحدة.
تجارب متباينة
ومنذ الأشهر الأولى للثورة السورية في ربيع 2011 ، لاحظنا اندفاعاً من بعض الفنانين للانخراط في الشأن العام، وشارك بعضهم في التجمعات الأولى التي عقدت في دمشق آنذاك مثل مؤتمر سمير أميس، الذي مثّل أول محاولة بعد الثورة للمعارضة تحت سقف النظام، ومن بينهم الفنان عباس النوري والمخرج مأمون البني والممثل سعد لوستان والسيناريست فؤاد حميرة والممثلة لويز عبد الكريم والممثلة الراحلة فدوى سليمان والكاتبة ريم فليحان، لكنها محاولة سرعان ما أجهضت، لأن النظام لم يكن ليحتمل أية معارضة له، ولو كانت تحت مراقبته وفي متناول يديه.
ثم طرأ تغيير على هذه المشاركات التي كانت تعتبر في حينه بمثابة استجابة من الفنانين لحراك غير معروف لهم وللمجتمع السوري ككل، قبل أن تنحسر بالنسبة للبعض بعد مواجهة التخوين والتهديد، مثل انكفاء عباس النوري، أو تتطور ويضطر أصحابها لمغادرة البلاد، وإشهار معارضتهم من خارجها، أمثال العديد ممن ذكرناهم سابقاً، فضلاً عن آخرين مثل المطربة أصالة نصري والفنانين مي سكاف وفارس الحلو ويارا صبري وعبد الحكيم قطيفان ومحمد عمر اوسو ومحمد آل رشي وكندة علوش وليلى عوض، إضافة للفنانة نسيمة ظاهر.
ومن الذين تطور دورهم حال خروجهم من البلاد، الفنان جمال سليمان الذي بات عضواً فاعلاً في إحدى منصات المعارضة المعروفة بـ “منصة القاهرة”، وهو يشارك بفاعلية في جولات التفاوض بين النظام والمعارضة، وبالمقابل أُدرج اسم الممثل زهير درويش في قائمة الأسماء المطروحة للمشاركة في تعديل الدستور السوري بناء على توصيات مؤتمر سوتشي الذي عقد أخيراً برعاية روسية، وذلك بعد مشاركته في هذا المؤتمر ضمن وفد النظام، رفقة مع الفنانة غادة بشور والتي كانت مشاركتها محط تندر واستهزاء في أوساط المعارضة والموالاة على السواء.

دوافع
تقول الفنانة نسيمة ظاهر في تفسير هذا الجنوح المتزايد من جانب الفنانين للمشاركة في الحقل السياسي بالرغم من عدم أهليّة معظمهم لذلك، إنه “يعبر عن إفلاس شعبي، وبحث عن الأضواء، حيث باتوا يبحثون عن الشهرة في مكان آخر بعد أن فقدوا جمهورهم”.
وعبّرت الظاهر في حديثها مع “صدى الشام” عن خيبة أملها من الحال الذي آل إليه كثير من الفنانين، مضيفة ” كنا ندّعي أننا أصحاب رسالة ولكن عندما تعرّينا فقدنا تلك الشعلة التي كنا نغش بها الناس وبدأنا نبحث عن تنفيعة جديدة”. واعتبرت أن السياسة اليوم هي مجرّد “سبّوبة” كما تصفها، طالما أن “لكل شخص معلم يشاوره”.
ومضت تقول ” في قلبي قهر ووجع شديدان بعد أن زالت الغشاوة وظهرنا بأحجامنا الطبيعية”، ورغم أن الوضع الراهن كشف عن هشاشة لدى كل فئات المجتمع، الا أن الصدمة بالفنانين كانت أكبر كما تقول الظاهر، ذلك أن ” أدعياء الفكر والثقافة هم الكارثة الكبرى لأنهم أفقدوا البشر ثقتهم بالكلمة”.
وترى الفنانة الظاهر أنه عندما يتحول الفنان إلى العمل بالسياسة ربما “يعتقد أن شعبيته ستسمح له بالاستمرار بالضحك على الناس”، مشيرة الى أن الإنسان في سوريا “غير مهيأ لخوض غمار أي نشاط جمعي خارج السرب، فما بالك بالفنان الذي همه جمع المال!”، وترى أن خلط المال بالمواقف أفسد الأخيرة وجعلها بلا وزن، “تعوّدنا على التنفيعات لذلك بات أي أحد يمكنه القيام بأي عمل اذا وجد من يدعمه، فضاعت الكفاءات وبرز الجهل وسيطر الخوف”.
نتيجة لا بد منها
لكن الظاهر تشير من جهة أخرى إلى حالة القمع والخوف التي أصابت الفنان السوري كما غيره من أفراد المجتمع، خاصة في بداية الثورة ، وما زالت الحالة سارية حتى الآن بدرجات مختلفة خاصة بالنسبة لمن هم في الداخل السوري، حيث أن “لدى الفنان ألف رقيب بداخله يكبله ويعرف أن كلمة ولو كانت تلميحاً ستقوده إلى أقبية الخوف والموت”.
وتلفت أخيراً الى أن معظم الفنانين الذين انحازوا للثورة يجدون أنفسهم اليوم بلا عمل، لكن “علينا أن ندفع ثمن خيارنا، وأنا شخصياً رغم كل شيء، راضية عما وصلت إليه من حاجة في بعض الأحيان اعتبرها تاجاً على رأسي” .
تجدر الإشارة إلى أن العديد من الفنانين فقدوا حياتهم في ظل الحرب الدائرة حالياً في سوريا سواء جراء القصف العشوائي مثل الفنانتين سوزان سلمان ومرح زيتون، أو القصف الذي تدور حوله شبهات الاغتيال مثل الفنان الكوميدي الشهير ياسين بقوش، بينما قتل الفنان أحمد رافع المؤيد بشدة للنظام والمشارك في فاعليات قمع الحراك الشعبي آنذاك بعد تعرضه للخطف على أيدي مجموعات مناوئة للنظام، فيما قتل فهد نجار المعروف بعضلاته وبنيته الرياضية، خلال مشاركته في القتال إلى جانب قوات النظام.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث