الرئيسية / رأي / متى ستصمت المدافع ؟
الرائد ياسر عبد الرحيم

متى ستصمت المدافع ؟

ياسر عبد الرحيم/

قد يختلف مفهوم الحرب بالنسبة للكثير من المحللين و السياسيين من ناحية الأسباب القريبة والبعيدة لنشوئها،  أما بالنسبة للعسكرين فهو مبدأ واحد لا يتجزأ،  فمنذ أن تحول مسار الثورة السورية من السلمية إلى العسكرة بهدف حماية المدنيين أخذنا على عاتقنا تحرير أرضنا و أهلنا من تسلط وجبروت نظام الأسد الذي حكم سورية بالنار والحديد لأكثر من 50 عام.

وعلينا أن نعترف بعد مرور كل هذه المدة أن النظام قد دفعنا لفتح جبهات كثيرة ضد مجموعة من الأعداء التقليدين والجدد، لنجد أنفسنا نحارب إرهاب الدولة أولاً ومن ثم العديد من الجبهات مع التنظيمات المتطرفة والإنفصالية الذي كان له الدور الأبرز في تأسيسها وتعزيزها تارةً ودعمها وإعطائها الشرعية تارةً أخرى مثل تنظيم حزب الله الإرهابي والميلشيات الطائفية الإيرانية والأفغانية بالإضافة إلى  تنظيم “ب ي د” الإرهابي الذي شارك مع نظام الأسد بحصار المدنيين في حلب ومنع إدخال المساعدات الإنسانية في ذلك الحين، كما أن هناك الكثير من الإثباتات الموثقة  التي توضح طبيعة العلاقة و التنسيق  العالي بين قوات “ب ي د” وعلي مملوك الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للجناح العسكري الثاني لتنظيم “ب ك ك” على الأراضي السورية في العام 2012.

وتجلت هذه الحقيقة بشكل واضح مع طلب قوات “ب ي د” من قوات نظام الأسد  الدخول إلى عفرين لمواجهة فصائل الجيش الحر وقوات الجيش التركي معاً مع إقتراب إعلان النصر وتحقيق جميع الأهداف الإستراتجية لمعركة غصن الزيتون، ولكن إن كانت الحاضنة الشعبية في عفرين مستعدة لإستقبال قوات نظام الأسد على سبيل المثال كما يروج إعلام “ب ي د” وإن كنا نشكك في ذلك، فماذا ستفعل قوات الأخيرة في منبج التي كانت إحدى أهم حواضن الثورة السورية  في منطقة غرب الفرات؟

عندما رسمنا الخطوط التكتيكية لبدأ معركة غصن الزيتون مع شريكنا الإستراتجي تركيا،  كان من أهم أولوياتنا  الحاضنة الشعبية في المنطقة ومدى استجابتها لمعركة قد باتت ضرورية وملحة، فلم يكن من العادي أبداً أن نسكت على جرائم التغيير الديمغرافي الممنهجة بحق آلاف العرب والتركمان عبر تهجيرهم من بيوتهم ومدنهم ومصادرة أملاكهم وتهديدهم تحت وطأة السلاح والقتل إن عادوا لديارهم كما حصل في تل رفعت وعين العرب والرقة، ولن ننسى جرائم الإعتقال التعسفي بحق النشطاء السياسيين والمدنيين الكورد وتعذيبهم في المعتقلات السرية بمدينة عفرين وعين العرب وجرائم تجنيد الأطفال ودفعهم بإتجاه الجبهات للموت المحتم، واللعب بعدها على الوتر العاطفي أمام الحاضنة الإجتماعية وتهييجها، وتحويل الصراع إلى بذور حرب أهلية، بالإضافة إلى تدريب مئات النساء على العمليات الإنتحارية وتعزيز هذا الفكر المتطرف لديهنَّ، كما أن  تهريب وزراعة المخدرات التي تعتبر أحد مصادر التمويل الأساسية للتنظيم الإنفصالي الذي حول مناطق سيطرتهم  إلى بؤرة حقيقية للإرهاب والفساد الأخلاقي الذي وصلت إنعكاساته إلى جميع المناطق المجاورة مع غياب السطة القوية المركزية التي تمنع هذه الإنتهاكات.

وبذلك نستطيع أن نشبه هذا التنظيم الإنفصالي بنظام الأسد من ناحية فرض السلطة بالقوة والإرهاب المنظم، وحزب الله الإرهابي من ناحية غياب الأخلاق وزراعة وتهريب المخدرات وترهيب المدنيين بالقوة.

كما أن الكارثة الكبرى التي يسعى لها هذا التنظيم والتي سنمنعها بقوة السلاح وقدرة المدافع هو “تقسيم سورية”، ذلك الحلم الذي لن يراه عبد الله أوجلان وأتباعه أبداً.

لم يكن أمامنا الكثير من الخيارات ولكننا نعلم جيداً طبيعة الحراك الميداني ونعلم أننا سنواجه إرتدادات هذه المعركة علينا بالنسبة للتيارات المتعاطفة مع تنظيم “ب ي د” لهدف قومي فقط، ومعظمهم من المقيمين في العواصم الأوروبية ولديهم ارتباطاتهم وأجنداتهم، ولكننا نراهن أنهم جميعاً يعلمون لدرجة اليقين أن الجيش السوري الحر حريص على حماية المدنيين الأكراد والعرب والتركمان المقيمين في المنطقة وقد أثبتنا ذلك في الكثير من المعارك التي خضناها في السابق، ويعلمون أيضاً أننا لا نقاتل أكراد سورية بل نقاتل تنظيم إنفصالي مصنف إرهابياً لدى معظم دول العالم ولديه قيادات أجنبية تأخذ أوامرها من جبال قنديل في إيران وتنسيق عالي مع نظام الأسد في دمشق، ومتهم بإرتكاب أبشع جرائم الحرب والتغيير الديمغرافي والإعتقال التعسفي التي وثقتها منظمات دولية كمنظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش، ضد جميع السوريين على إختلاف إنتمائتهم وقومياتهم.
وهنا علينا جميعاً سياسيين وعسكريين أن نقف لنسأل جميع القيادات السورية  الكوردية شركائنا على طاولة المفاوضات و المحافل الدولية، عن موقفهم الذي لا يقبل الشك من هذا التنظيم، فهل هم يدعمون تنظيم “ب ي د” أم لا؟ وماذا عن إتفاقية دهوك مع هذا التنظيم ومضمونها؟ هل هم شركاء معنا في طرد الإرهاب من المنطقة، وسيكونون عون لنا في السلم الأهلي بين جميع المكونات؟ وهل سيقفون إلى جانبنا لنساعد أهلنا في عفرين ومنبج على إختيار قيادتهم المحلية بأنفسهم أم سيكونون طرفاً في تأجيج صراع عربي كردي نحن لا نريده ولا نتمناه؟.

لم يعد اللون الرمادي يجدي نفعاً  على الإطلاق، فنحن نتذكر جيداً عشرات البيانات الصحفية التي أطلقها المجلس الوطني الكردي ضد “ب ي د” وإتهامه بإعتقال القيادات الكردية السورية والإنتهاكات الإنسانية، فتارةً يقولون إنه تنظيم فيه من العرب والأكراد وبعض الأقليات الأخرى ولا يمثل أكراد سورية، وتارةً أخرى يعززون الصراع بشكل قومي وتعاطف واضح مع “ب ي د” وتبدأ الإدنات بشكل غير واقعي يطرح الكثير من التساؤولات والشكوك، ولعلنا يجب أن نطالب قيادتنا السورية الكردية شركائنا في الوطن أن يقدموا إدانة واضحة للمجازر التي يرتكبها الطيران الروسي وقوات النظام  في إدلب والغوطة الشرقية، واستخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي في سراقب لنشعر فعلاً أنهم معنا في المشروع الوطني الجامع.

معركتنا أخلاقية بالدرجة الأولى، ليست فقط بالميدان أو على الجبهات بل مستمرة أيضاً على طاولة المفاوضات وبقوة، وفي كل مكان نريد من خلاله الوصول لحل شامل يضمن وحدة  الأراضي السورية، منعاً لأي بوادر تقسيم ستكلف أصحابها ثمناً باهضاً.

نحن في سورية البلد الذي وصل حيز المليون شهيد و مئات آلاف المعتقلين والمهجرين والمعذبين، لم نكافح ونضحي بكل ما نملك كي نقبل ونرضخ  لتنظيمات عابرة للحدود لتنفذ على على أراضينا أجندات خارجية إنفصالية هدفها تقسيم سورية وتطبيق أنظمة ديكتاتورية جديدة، وإستعمال المدنيين كسلاح في الحرب بهدف قومي قد يؤدي  لصراع عربي – كوردي ، تركماني – كوردي لطالما حذرنا منه وسنبقى نحذر منه، لأننا لا نتمناه ولا نريده لأهلنا أبداً.

وأخيراً نقول لأهلنا جميع مكونات الشعب السوري وعلى رأسهم أهلنا الكورد الذين لطالما هُمشوا و عانوا من قهر وظلم نظام الأسد أن تتحلى بأعلى درجات الوعي السياسي والفكري والسعي جاهدين لتخفيض مستوى الحساسيات بين المكونات، ومنع جميع التنظيمات المتطرفة والإنفصالية من تنفيذ أجنداتها على الأراضي السورية، نحن شركائكم وسنبقى شركائكم بالوطن وفي مستقبل سورية ويجب علينا أن نقاطع أهدافنا مع بعض لنصل لمفهوم وطني واحد  هو طرد جميع التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود والقضاء على جميع أشكال الإرهاب المنظم، لنصل معاً لسورية الدولة القوية الواحدة الموحدة الديمقراطية التي تضمن لجميع مكونات الشعب السوري حقوقهم تحت سقف القانون ضمن عملية الإنتقال السياسي التي نصت عليها جميع القوانين الدولية في جنيف وآستانا ، عندها فقط و بتماسك جميع المكونات سنعمل جميعاً حتى تصمت المدافع.

الرائد ياسر عبد الرحيم: ضابط منشق عن كلية المدفعية، قائد عسكري في غرفة العمليات المشتركة “غصن الزيتون”

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *