صدى الشام /
لم تكن التصريحات الرسمية الروسية كافية لإقناع المحلليّن بجديّة الخطوات التي تتخذها موسكو على طريق الحل السياسي في سوريا، ففي الشكل بدا وأن مؤتمر سوتشي الذي عقد مؤخراً هو إحدى الطرق الموصلة إلى مفاوضات جنيف عبر تشكيل لجنة دستورية سوريّة، لكن هل ستجد هذه اللجنة طريقاً ممهدة للعمل؟ وهل كانت استضافة المؤتمر من قبل روسيا أساساً بهدف توجيه الحاضرين لاحقاً نحو جنيف؟
هذه التساؤلات كانت جزءاً من مقال كتبه الصحافي ليونيد بيرشيدسكي، في موقع “بلومبرغ” الأمريكي، وأشار فيه إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطمح إلى استمرار محادثات السلام حول سوريا إلى الأبد؛ حيث إنها السبيل الوحيد الذي يتيح لموسكو ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط.
طريق مسدود
ولفت الكاتب إلى رفض وفد المعارضة السورية المشاركة في محادثات سوتشي التي استضافتها روسيا الأسبوع الماضي؛ إذ امتنع أعضاء الوفد الذين جاؤوا من تركيا عن الحضور وعادوا إلى أنقرة.
ويرى كاتب المقال أن هذا الموقف يجسد اللعبة التي تمارسها روسيا في سوريا؛ فلا شك في أن روسيا لم ترغب فعلاً في حضور خصوم الأسد محادثات السلام، والواقع أن روسيا ليست مهتمة بتحقيق أية تسوية للصراع رغم أنها طرف في عملية السلام.
ويدعم الموقف الرسمي لروسيا وحدة الأراضي السورية والوصول إلى حل سياسي برعاية الأمم المتحدة لإنهاء الحرب في البلاد، وكان مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي استضافته روسيا مؤخراً يستهدف خدمة هذا الغرض، ولكن روسيا، بحسب كاتب المقال، كانت تدرك مسبقاً أن المفاوضين السوريين المعترف بهم من الأمم المتحدة لن يشاركوا في المؤتمر، كما بذل منظمو المؤتمر قصارى جهدهم لتخويف كل من أراد التحدث ضد بشار الأسد، ولكن يبدو أن الأمر لم ينجح تماماً حيث تمت مقاطعة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في افتتاح المؤتمر.
ويعتبِر كاتب المقال أن ما فعلته روسيا في مؤتمر سوتشي كان استعراضاً أمام مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا الذي كان قلقاً في البداية من محاولات روسيا وتركيا وإيران (الدول الثلاث المنظمة للمؤتمر) لوضع بديل للمحادثات الرسمية السورية في جنيف، وقرر مؤتمر سوتشي رسمياً إلغاء المحادثات حول الدستور الجديد لكي تقوم بذلك لجنة جديدة مقرها جنيف وتمثل جميع الأطراف، ويبدو أن دي ميستورا كان على الأقل راضياً عن ذلك وشكر الوفود والمنظمين لدعم عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة، ولم يكن في صالحه أن يرفض تأكيدات الجانب المؤيد للأسد بالانفتاح على الوساطة.
ويقول كاتب المقال: “ولكن دي ميستورا على الأرجح لن يتفاجأ إذا واجهت اللجنة الجديدة طريقاً مسدوداً منذ البداية؛ إذ إن الحكومة الروسية لم تستضف أنصار بشار الأسد لأنها ترغب في توجيههم إلى جنيف، وبدلاً من ذلك تريد روسيا التأكيد على أنهم حلفاء على الأمد الطويل”.
معقل روسيا الوحيد في الشرق الأوسط
ويشير المقال إلى مصادقة البرلمان الروسي على اتفاق مع نظام الأسد يسمح لروسيا بالحفاظ على قاعدتها الجوية في حميميم لمدة 49 عاماً على الأقل، مع إمكانية تمديدات لاحقة كل 25 عاماً، وكذلك الاتفاق المماثل لقاعدة طرطوس البحرية التي توسعت بشكل ملحوظ خلال سنوات الثورة السورية، وكان بوتين قد أعرب عن أسفه إزاء تحركاته السابقة لتقليص الوجود العسكري في الخارج، لاسيما أن القاعدتين السوريتين هما معقل روسيا الوحيد في الشرق الأوسط.
ويستبعد كاتب المقال أن يستمر بوتين في الحفاظ على تلك القواعد العسكرية في ظل الخطة التي اقترحتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن خلال اجتماع ممثلي هذه الدول مع المعارضة السورية في فيينا الأسبوع الماضي، وتقترح هذه الخطة نقل جزء كبير من سلطة الأسد إلى البرلمان والإدارات المحليّة، وبالطبع لن يؤيد اتفاقات الأسد مع الكرملين سوى الموالين للنظام، ولذلك فإن السبيل الوحيد للحفاظ على تلك الاتفاقات وبقاء الأسد في السلطة يتمثل في أن تظل سوريا مقسمة مع تدخل كل القوى الأجنبية في السيطرة العسكرية على مناطقها بحكم الأمر الواقع.
وعلى الرغم من ادعاءات المسؤولين الروس، بما في ذلك بوتين، بالسعي للوصول إلى حل سياسي، فإن ما يريدونه حقاً، بحسب كاتب المقال، هو استمرار المحادثات حول الدستور السوري لمدة 49 عاماً، ثم 25 عاماً أخرى.
لا بدائل مقبولة
ويشير الكاتب إلى أن موقف الولايات المتحدة في سوريا مختلف تماماً عن روسيا، إذ يوجد قرابة 2000 جندي أمريكي في سوريا، ومع أن الوجود الأمريكي في سوريا بات مفتوحاً ويركز على التهديد الإستراتيجي لإيران، فإن الولايات المتحدة لديها بالفعل قواعد عسكرية كافية في الشرق الأوسط، ومن شأن التوصل إلى حل سياسي في سوريا (وبخاصة من خلال الأمم المتحدة) أن يخفف من حدة هذه التهديدات، وربما يكون كافياً للولايات المتحدة أن تحتفظ بوجودها في العراق المجاور.
وبالمثل تتدخل تركيا في سوريا طالما أن الفوضى تخلق تهديداً لحدودها، ولكن لا يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعتقد بوجود حل سياسي دائم، كما أنه يشعر بالامتنان تجاه روسيا لموافقتها على تحركاته ضد الأكراد السوريين.
ويخلص الكاتب إلى أن التقسيم بحكم الأمر الواقع والصراع شبه المجمد (كما هو الحال في شرقي أوكرانيا حيث يموت كثيرون يومياً من دون عمل عسكري كبير) هو الخيار الوحيد القابل للتطبيق بالنسبة روسيا، وهو أيضاً الخيار الأفضل بالنسبة لإيران التي تمارس نفوذاً على الأسد، فضلاً عن أنه ثاني أفضل سيناريو مقبول لتركيا، وإزعاج لا داعي له بالنسبة للولايات المتحدة.
وطالما أن روسيا لا تعتقد أنها ستحصل على ضمانات غربيّة للحفاظ على قواعدها العسكرية إلى أجل غير مسمى في ظل أي اتفاق بديل، فإن كل البدائل الأخرى لن تكون مقبولة، الأمر الذي يجعل دي ميستورا في موقف لا يُحسد عليه، وسيكون مجبوراً على حضور المزيد من محادثات موسكو الهزلية التي يسعى فيها الجانب المؤيد للأسد إلى المماطلة في المحادثات.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث