الرئيسية / Uncategorized / صبري موسى روائي الواقع والفانتازيا

صبري موسى روائي الواقع والفانتازيا

صحيفة الحياة/

قدم بعض الروائيين مفهوماً نوعياً للكتابة، فتعاطوا معها باعتبارها حلقات جمالية تسعى دائماً صوب الإدهاش، وبدا كل نص عندهم ارتحالاً نحو عالم جديد؛ وابتعدوا عن كتابة الحفر في المكان الواحد دائماً. هؤلاء الكتاب أبناء التنويعات الرؤيوية والجمالية، والانتقال بين فضاءات مكانية وزمانية مختلفة تصلح إطاراً لسرد مغاير دوماً، كان في طليعتهم الروائي المصري صبري موسى، الذي رحل عن عالمنا صباح اول من أمس، والذي تقابلك له ثلاث روايات فارقة، هي «فساد الأمكنة»، «حادث النصف متر»، «السيد من حقل السبانخ»، وتبدو فيها الإحالة على المكان بوصفه بنية دالة قادرة على تأدية وظيفة داخل المسار الروائي للنصوص. تنطلق «فساد الأمكنة» من المكان الغرائبي الذي لم يكن نبتاً فانتازياً، لكنها زاوية النظر المختلفة من كاتب مغامر لمكان متعين (منطقة جبل الدرهيب قرب الحدود المصرية السودانية)، فينفذ من خلاله إلى الأبنية الفكرية والروحية التي تشكل الفضاء المكاني، متجاوزاً الأبنية المادية، ومبلوراً إياها في آن، ليصبح المكان هنا مسروداً عنه وبه في آن. إنه اصطياد اللحظات الغاربة من عمر أمكنة خربة نخر فيها السوس، وبدا كل شيء فيها قابلاً للمحو، مقبلاً على الموات.

يغاير صبري موسى المكان المألوف في السردية المستقرة، مفككاً ارتباط الرواية بالمدينة، متخذاً من الصحراء الممسوسة بالمصائر المتشابكة، فضاء مركزياً لروايته، «فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية. ولكنهم في الصحراء قلة، والخطايا الصغيرة تصبح واضحة تطارد من يرتكبها، ويصبح ضبابها على النفس أشد كثافة وثقلاَ، بينما تحتاج دروب الحياة في الصحراء إلى بصيرة صافية نفاذة لتجنب أخطارها. إن الفضائل تمنحهم قدرة على الصفاء، فيمتلكون حساً غريزياً مشبعاً بالطمأنينة، يضيء في عقل البدوي حين يضيع منه الطريق في رمال الصحراء الساخنة الناعمة فيهتدي في طريقه، وتجعل قلبه يدق له إنذاراً بالخطر وهو نائم في ليل الصحراء السحري حينما يقترب من جسده عقرب أو ثعبان».

ومن ثم تبدو «فساد الأمكنة» كشفاً عن المصير الإنساني المعقّد والمقموع، وتصبح التعرية لذوات الشخوص المركزيين، كشفاً عن المخبوء داخل سيكولوجية بشر مؤرقين، ومضطربين في آن. فبطله المركزي (نيكولا) القادم من مدينة روسية صغيرة إلى حضن الجبل، لا يتوانى عن التواطؤ ضد المكان الذي أحبّه، فيسطو على خيراته، ويتواطأ مع حاشية السلطان، ومع «الخواجة أنطون» في استغلال المكان واستخراج معادنه ونهب ثرواته. وهذا السقوط يتوازى معه سقوط آخر يتمثل في علاقته بابنته (إيليا)، لتتسع دوائر الفساد، وتتكاثر في أمكنة وسياقات وعوالم مختلفة، وشخوص متعددين، يحملون السمات الفنية المميزة للبناء المدهش للشخصية الروائية لدى صبري موسى، حيث لا نصبح أمام الأبنية التقليدية الثلاث: الجسدي والنفسي والاجتماعي، ولكننا نصبح هنا أمام تلمس رهيف لجدل الشخصية مع المكان، وعلاقة التكوين النفسي للشخوص بمحيطهم الاجتماعي، فضلاً عن التشابكات القائمة بين الشخوص وبنى الزمن المتداخلة، والكاشفة عن جملة من الهواجس والإخفاقات التي تسكن الروح.

تقدم لغة صبري موسى العوالم الداخلية لشخوصه، بلا تزيد، ولا افتعال، من قبيل: «كان دائماً يحلم مع كل منهن بحب نادر وتفاهم يبلغ حدّ الكمال، لدرجة أن يكون بإمكانهما التحليق معاً في سماء الأمكنة كلها. التحليق الدائم، وليس الانزواء في براثن دفء مكان واحد وأمنه وراحته». وحين يرصد العالم الخارجي بفضاءاته المأزومة وأمكنته التي زكَمت رائحة فسادها الأنوف، فإنه لا يرصد الأمكنة المتعينة فحسب، بل يرصد الشقوق الروحية، والهواجس التي تسكن المكان. وفي «حادث النصف متر»، يبدو العنوان قريباً من الروح الشعبية، وخارجاً من رحم الاكتناز والتكثيف الشديدين، فيحيل على سرد منتج، لا يتوقف عن الاطراد، والنمو، مشبع بأسئلة لا نهائية عن ذلك الحادث، وتوصيفه، ومدى قدرته على تغيير حيوات شخوصه، الذين يعدون مجلى لواقع اجتماعي متعثر، مسكون بالتناقضات الفادحة، فثمة بطلان مركزيان (أحمد وحبيبته) يلتقيان في لحظة عابرة من زمن متحرك، أداته المكانية هنا الأتوبيس (الباص)، الذي يصبح موعداً قدرياً، فيتجاذب جسداهما بلا اتفاق، ويقرر أحمد أن يجد فتاته الجديدة بعد أن ابتلعتها المدينة، وحينما يجدها يمطرها بوابل من الحماقات والهواجس، ويستغرقان في الماضي الذي لم يزل مسيطراً عليهما، وحينما يعتقد أنه قد قبل حكايتها مع رجل أحبته واستشهد في الحرب، في إشارة سياسية عابرة ودالة في آن، يجد نفسه مدفوعاً إلى التفكير في أمرهما. تكبر المأساة داخله بعد أن يمارسا الحب، فيستدعي إرثه الشرقي، ويبدأ في مراوغتها، استناداً إلى ميراث القمع الذكوري الذي يجعله يغفر لنفسه ما فعل، ولا ينسى ما فعلته. حتى يحضر مصطفى الممثل لتلك الشخصية الحافزة أو المحركة التي تدفع بالسرد الراكد إلى الأمام، ويتقدم للزواج منها، ويحمل الخبر إلى أحمد الذي يندهش من معرفة مصطفى لما جرى. إن النص هنا مفتوح على وحدات ثلاث (أحمد/ مصطفى/ الفتاة)، كما أننا لسنا بإزاء الصراع الكلاسيكي الشهير بين رجلين أياً ما كانت صفاتهما حول امرأة جميلة، لكننا أمام استجلاء لأنساق فكرية ومعرفية داخل المجتمع المصري، ومساءلة للذهنية القامعة للآخر، والمقموعة من تراثها أيضاً.

وفي «السيد من حقل السبانخ» بدا صبري موسى مدركاً لذلك الجدل الخلاق بين الفن والعالم، واعياً باشتراطات النوع الروائي الذي يكتب في إطاره، فيحتفظ للرواية بكثافتها الشعورية وبنائها الجمالي، ويتقدم بما يمكن أن يسمى رواية الخيال العلمي خطوة واثقة صوب التعبيد لكتابة مغايرة ومختلفة في الآن نفسه، لم تنس للفن إدهاشه وفنيته، وقد أخذت من العلم مغامرته وصرامته، فوضعت قدماً في المعرفة وأخرى في التخييل، وبدت استجابة جمالية لمغامرة شكلية وموضوعاتية جديدة.

إن هذه المشاهد السردية التي تمنح متلقيها إمكانية بصرية ضافية في روايات صبري موسى، لا تكشف فحسب عن توظيف دال للمشهدية البصرية في نصوصه الإبداعية، لكنها تتصل بالأساس بمشروعه الإبداعي من زاويتين، الزاوية الأولى تتعلق بجملة الأفلام التي كتب لها موسى السيناريو، والتي تحوي فيلمين على الأقل عن عملين مائزين للمبدع المصري الفذ يحيى حقي، وهما «البوسطجي»، و «قنديل أم هاشم»، ولا يخلو الأمر من دلالة بارزة هنا تتصل بالوعي بالثقافة الوطنية وتكويناتها الخلاقة، كما كتب عدداً آخر من سيناريوات الأفلام السينمائية، منها فيلم «قاهر الظلام» الذي يحكي عن المفكر التنويري الرائد طه حسين. أما الزاوية الثانية فتتصل بتلك العين التي تصبح مثل عدسة الكاميرا، والتي تمثل إحدى الآليات الأساسية في مشروعه الإبداعي، حيث يحكي لنا ما يرصده وفق زاوية النظر التي تخصه، من هنا سنرى كتبه في أدب الرحلة، ومنها «في البحيرات»، «في الصحراء».

يرحل صبري موسى تاركاً لنا حكاياته التي تتجدد بتجدد القراءة والتأويل. يرحل تاركاً ندوباً في الروح، معرياً فساد الأمكنة، وبؤسها، محتفياً بعفوية الأشياء ونضارتها، ومقدماً مفهوماً يختص بالتجريب المستمر الذي يتعاطى مع الرواية بوصفها روحاً مؤرقة بالتجديد والأفكار والكشف المستمر عن حيوية العالم وخسته أيضاً.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *