صدى الشام- عمار الحلبي/
اضطر اللاجئ السوري في تركيا عبد الله القاسم، المُنحدر من ريف إدلب، إلى دفع مبلغ 250 ليرة تركية (70 دولارًا) إلى سمسار سوري حتّى يتمكّن من تحديث بياناته في بطاقة الحماية المؤقّتة “الكيملك”.
دفع عبد الله، المبلغ لتفادي الوقوف في طوابير الانتظار والذي قد يمتد لأيام في شعبة “بيازيد” للأجانب بمدينة اسطنبول حيث يتجمهر مئات السوريين صباح كل يوم لاستخراج البطاقة أو تجديدها أو تحديث بياناتها كالعنوان والحالة الاجتماعية وعدد الأولاد ورقم الهاتف وغيرها.
بعد أن خاض هذه التجربة، خلُص عبد الله إلى أن السبب الرئيس في هذا الازدحام الكبير ليس الضغط الكبير على الشعبة بل وجود السماسرة الذين يدخلون بين اللاجئين، ويقومون بإعطائهم معلومات مغلوطة مبالغاً فيها حول تحديث هذه البيانات، ما يدفع اللاجئ إلى محاولة تجاوز المصاعب المفترضة ودفع المبلغ، وذلك على الرغم من أن عملية تحديث البيانات تحتاج أوراقاً محدّدة وفترة انتظار طبيعية كحال أي مؤسّسة تعمل في مجال اللاجئين، وهي متاحة أمام الجميع وليست بحاجة لأي سمسرة أو معقّب معاملات خاص أو ما شابه.
أساس للتعاطي
لم تكن هذه المؤسّسة التركية (شعبة الأجانب) تشهد أي نوعٍ من السمسرة أو الوسطاء على الرغم من أن اللاجئين السوريين ليسوا الأوائل من نوعهم في تركيا، إذ سبقهم العراقيون وجنسيات أخرى.
يبدو الوضع في شعبة “بيازيد” طبيعياً، ولكن على الأرصفة أمام المبنى ثمّة عشرات السماسرة ينتظرون إقناع اللاجئين بتسيير أمورهم كونهم على معرفة بموظّف ما أو محامٍ تركي أو أيٍّ من العلاقات التي تسهّل معاملات اللاجئ.
ولو نظرنا أبعد من هذه المؤسّسة فيمكن أن نعمم الصورة لنلاحظ شيوع نمط من “الاستغلال” لظروف اللاجئين حتى باتت العلاقات الاجتماعية السورية – السورية في تركيا قائمة على ملمح ثابت، وهو السمسرة والوساطة مقابل أي شيء يريد أن ينجزه الآخر، حتّى تلك الأمور التي لا تحتاج إلى أي جهد إضافي قام البعض من السوريين بإدخال الوساطة “المدفوعة” عليها.
وعليه فإن استصدار “الكيملك” بحد ذاته لم ينجُ من السماسرة، علماً أنه كان يتمّ استخراج هذه البطاقة بسهولة من أقرب فرع شرطة ولا تستغرق أكثر من أسابيع، حيث يتم التوجّه إلى القسم مع عقد الآجار للمنزل وصور شخصية وجواز سفر ويتم التقديم والانتظار لحين الحصول عليها، ثم أصبحت لاحقاً تُمنح من شعبة الأجانب بذات الإجراءات مع وجود بعض الازدحام بسبب كثرة السوريين الساعين للحصول عليها.
ومن متابعة يوميّة لمواقع التواصل الاجتماعي يمكن ملاحظة كيف تغص بعددٍ كبير من الإعلانات عن وجود أشخاص يتكفّلون باستخراج “الكيملك” مقابل بضع مئات من الليرات التركية.
الإقامات
تشهد مدينة اسطنبول التركية تواجداً كثيفاً للمكاتب السورية الخاصة بتسيير معاملات استخراج أو تجديد الإقامة السياحية.
عملية إصدار هذه الإقامة لا تحتاج إلى أية وساطة أو سمسرة، فيكفي أن تقوم بحجز موعد إلكتروني بعمليّة لا تستغرق خمس دقائق، ثم تحضير جواز السفر، وصور شخصية، والرقم الضريبي Vergi numarası الذي يُمنح مجاناً من الدائرة الضريبية، ونسخة عن حساب البنك، وعقد إيجار المنزل الموجود عليه العنوان، ثم بعد ذلك يتوجّه الشخص إلى وفق موعده المحدد لمقابلة الإقامة ويدفع رسوماً قدرها “460 ليرة تركية” ليحصل على الإقامة بعد فترة تتراوح بين أسبوع وثلاثة أسابيع، أي أن العملية كاملةً مع رسوم الوثائق والتصوير والإقامة لا تتعدّى 600 ليرة تركية.
رغم بساطة هذه الإجراءات كما تبدو فإن عدنان، الشاب السوري المقيم في مدينة اسطنبول، دفع مبلغ 1800 ليرة لاستخراج هذه الإقامة عبر مكتب سوري متخصّص بهذا المجال.
بدأت قصّة عدنان بدخوله تركيا في عام 2015. لم يكن يعرف الكثير عن إجراءات الحصول على إقامة سياحية، وعندما سأل أحد المكاتب المتخصّصة بهذا الأمر قال له إن الأمر غاية في التعقيد ويحتاج إلى أشهرٍ متواصلة من العمل والجهد المستمرّين ثم أبلغه أن المكتب يتكفّل بكل هذه الاجراءات لقاء دفع مبلغ 1800 ليرة تركية.
لم يجد عدنان أمامه حلّاً آخر سوى دفع المبلغ، فهو لم يجد حينها من يرشده ووقع ضحية ذلك المكتب، كما يقول، ويضيف أن معظم المكاتب التي تخاطب السوريين عبر الإعلانات الورقية ووسائل التواصل الاجتماعي هي بالأصل “كاذبة وتحاول الحصول على أموال دون أن تعمل، وتستغل حاجة السوريين”، معتبراً أنه لا يوجد أي حاجة لوجودها لأن الإجراءات سهلة وواضحة وهو ما اتّضح معه عندما قام بتجديد إقامته بنفسه في العام التالي.
مهام تعجيزيّة
يصف مراجعو القنصلية السورية في اسطنبول بأنها “أكبر وكر للسمسرة والرشوة والوساطة في كل تركيا”، فكل خطوة فيها تتطلّب من الشخص أن يدفع رشى ومبالغ مادية للحصول على حقّه، عبر سماسرة سورييّن متعاملين مع موظّفي قنصلية النظام.
تبدأ العملية بصعوبة الحصول على حجز في القنصلية لإتمام المعاملة، ولدى محاولتنا في “صدى الشام” الحجز الكترونياً عبر موقع القنصلية على الإنترنت صادفنا عبارة “الصفحة غير متاحة حالياً حاول لاحقاً” أكثر من مرة، وبعد عشرات المحاولات التي استمرّت على مدار أسبوع كامل، تمكّنا من فتح الصفحة وحجز موعد، ولكن بعد الحجز طلب منا التطبيق رقم الموعد الذي تم إرساله عبر البريد الالكتروني لإتمام العملية، ولكن لم يكن هناك أي رقم في البريد رغم المحاولات المتكرّرة.
هذه المشكلة يعاني منها معظم السوريين، لذلك فإن الحل الوحيد يتمثّل في اللجوء إلى السماسرة السوريين “المختصين” بحجز الموعد في القنصلية.
ووفقاً لما أبلغنا أحد السماسرة السوريين والذي فضل عدم ذكر اسمه، فإن تكلفة حجز الموعد لجواز السفر هي 300 دولار أمريكي، وتصديق الجواز 250 ليرة تركية، وتصديق بقية الوثائق 250 ليرة، وكذلك الحال بالنسبة لتسجيل واقعات الزواج والولادات الجديدة والتصديق القنصلي وعمل وكالة عدلية.
في القنصلية لا ينتهي الأمر هنا، فالصعود إلى المبنى الرئيس في الطابق الثالث يحتاج أيضاً إلى دفع أموال، وفي حال كان السوري يملك صوراً شخصية فإن المسؤولين في القنصلية يتذرّعون بأنّها غير صالحة ويجبرونه على أن يأخذ صور في مكتب التصوير المتاخم للقنصلية بمبلغ 20 ليرة عن ست صورٍ، علماً أن هذه الصور تكلّف 12 ليرة في الحالات الطبيعية.
بضع كلمات تركيّة
في ليلة رأس السنة الحالية، اضطر غياث الحمود لنقل شقيقه إلى مستشفى “أيوب” الحكومي التركي بسبب وعكة صحّية تعرّض لها، لا يجيد غياث ولا حتى شقيقه المريض اللغة التركية، ما اضطره للاستعانة بأحد معارفه السوريين الذين يجيدونها.
يقول غياث: “فوجئت بأنّه لا يجيد التركية بل بضعة كلمات تخوّله تدبّر نفسه، وفي نهاية المطاف تمكّن من مساعدتنا في التفاهم مع الأطباء، وكذلك في الصيدلية حيث كُنّا نريد شراء الدواء”.
ولم يقف الأمر هنا بالنسبة لغياث، فبعد الانتهاء طلب منه صديقه السوري مبلغ 150 ليرة تركية لقاء خدمات الترجمة، قائلاً: “لو لم أرافقكم وأقوم بالترجمة بينكم وبين الأطباء لما تمكّنتم من التفاهم معهم ومعرفة الخلل الطبي والمرض ونوعية العلاج وكيفية التنقّل داخل المستشفى لإجراء الفحوص والتحاليل والأمور الروتينية الأخرى داخل المستشفى”.
دفع غياث المبلغ بعد أن وقع في صدمة وفقاً لما ذكره لـ “صدى الشام”، وأضاف: “المشفى كان قريباً من منزله ولم أقم بتعطيله عن أي عمل لذلك كنت أتوقّع أنّني سأتلقّى مساعدة بسيطة من ابن بلدي لكنّني فوجئت بأنّه كان يريد العمل وكسب المال لقاء ما يترجمه”، مشيراً إلى أنه لو كان يعرف بذلك لطلب المساعدة من أحد أصدقائه الأتراك الذين ينحدرون من ديار بكر، ويعملون معه وهم قادرون على تحدّث العربية والتركية بطلاقة.
في مستشفى “الحسكي” الذي يقع قرب محطّة الحسكي في محلّة الفاتح، يتجمهر عدد كبير من السوريين والعرب عموماً، ويُعتبر هذا المستشفى الأكثر شعبية بالنسبة للعرب بسبب وقوعه في منطقة تتجمّع بها معظم الجاليات العربية فضلاً عن السكن والصيدليات والمطاعم والمحلّات العربية، وفي داخل المستشفى يتواجد عدد من السماسرة لمساعدة العرب على الترجمة وتسيير أمور المرضى، وهنا تظهر المفارقة بما أن المستشفى ذاته وظّف أشخاصاً بشكل رسمي يتحدّثون العربية لمساعدة المرضى العرب ولا يوجد أي داعٍ للوسطاء والمترجمين!
علاقات وفرص عمل
يُعتبر الحصول على فرصة عمل في تركيا من أول الأشياء التي ينبغي على السوري القيام بها بعد وصوله إلى البلاد، فالحياة في تركيا قاسية جدّاً من الناحية الاقتصادية، وتحتاج وجود دخل مستمر حتّى يتمكّن الإنسان – سواء كان ابن البلد أو الأجنبي- من العيش، إذ لا فرص حياة كريمة لمن لا يعمل لساعاتٍ طويلة في هذه البلد.
وانطلاقاً من هذا الواقع، انتشر عدد كبير من الشبكات من السوريين تتألف من أشخاص قاموا بتشكيل ما يشبه “مكاتب متنقّلة” هدفها اصطياد السوريين القادمين حديثاً والذين يبحثون عن فرصة عملٍ جديدة في البلاد ليتمكّنوا من العيش فيها.
تستغلّ هذه الشبكات علاقتها ومعرفتها بأرباب عمل سوريين أو أتراك في المصانع والمطاعم وغيرها من الفعاليات الاقتصادية، ولا تقوم بأي شيء سوى أن ترسل اللاجئ الجديد إلى رب عمل يحتاج إلى عمّال جدد، ولكن بمقابل مادي.
محمّد عثمان، هو شاب سوري تمكّن من الدخول إلى تركيا أواخر عام 2017، ونزل عند أحد أصدقائه في منطقة “أسنيورت” في اسطنبول، والتي تعج بأعدادٍ هائلة من السوريين، وفور وصوله تعرّف إلى سوري يقيم هنا منذ عدّة سنوات، والذي أبلغه بأنّه جاهز لتأمين فرصة عمل له براتبٍ جيّد في مصنع بلاستيك يملكه شخص تركي بالمنطقة الصناعية بأسنيورت، ولكن السمسار أراد الحصول على نسبة 30% من راتبه أول ثلاثة أشهر لتوفير فرصة العمل له.
يشير عثمان إلى أنّه السمسار لم يجهد نفسه إطلاقاً بهذا الموضوع فكل ما في الأمر أنّه يعرف بأن هذا المصنع بحاجة لعمّال، وبدأ بالسمسرة ليحصّل مكسباً مادياً مقابل تأمين عامل، لافتاً إلى انّه رفض الفكرة كونه شعر بوجود نوعٍ من الاستغلال لحاجته، وذهب للبحث عن فرصة عمل بنفسه وفعلاً وجدها لاحقاً.
مهنة
بات جانب لا بأس به من العلاقات بين السوريين في تركيا، تختزله فكرة السمسرة، فالوساطة المالية دخلت كلّ قطاعات الحياة؛ منها ما هو يحتاج لوساطة ومنها ما لا يحتاج.
وأصبح معتاداً أن تجد لاجئاً سورياً له وجود أقدم من غيره في تركيا ويعرف بالتالي بلغتها وخباياها، وهو يستفيد من قلة خبرة وحيلة السوري الجديد الذي لا يعرف عن البلاد أيّ شيء ليقوم بتسيير أموره.
ومع الوقت أصبح هناك سوريون ليس لديهم أي عمل تخصصي في تركيا، بل إن مهنتهم هي استغلال معرفتهم بهذا البلد لكسب المال من أبناء جلدتهم من القادمين الجدد خصوصاً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث