خمسة أعوام مرّت على استقرار الشاعرة السورية رشا عمران في القاهرة، بعد أن غاصت بلادها في وحل لا يعلم أحد من ينقذها منه، وخلال هذه السنوات أصدرت ديوانين، «بانوراما الموت والوحشة» و «التي سكنت البيت قبلي». في الديوان الأخير تبتعد رشا عمران تماماً من السياق السياسي العربي وتتجاهل الوضع السوري لتحكي عن الوحدة، وحدتها في شقة في وسط القاهرة، على رغم ما يحيطها به الأصدقاء من مشاعر دافئة، غير أنها اخترعت هذه الوحدة، أو بالأحرى اخترعت إحساسها بالوحدة لتكتب عنها، لتجرب الكتابة عن حالة حاولت كثيراً أن تكتب عنها. ولأنها تؤمن أنه ليس بالضرورة أن تعيش الحالة لتكتب عنها، يكفي أن تقحم نفسك داخلها لتتلبسك بعض الوقت وتمنحك بعضاً من روحها فتكتب وكأنك من العارفين بها.
هنا حوار معها.
> أصدرت ستة دواوين فقط خلال رحلة طويلة مع الشعر… هل تعتبرين نفسك مقلة؟
– لا أعتبر نفسي مقلة، ولا أفكر أساساً بهذا الأمر. أكتب حين أمتلئ بالرغبة في الكتابة. ليس لديّ طقس يومي في هذا الصدد، ولست من الذين يجلسون يومياً وفي أذهانهم إنجاز قصيدة. لا أنتظر ما يسمى الوحي أيضاً. لا أؤمن بوجود وحي للشاعر. هناك ما أسميه حالة دفق شعوري وعاطفي، إن دخلتُ فيها فأنا أعرف أنني سأكتب. أعيش حالياً هذا الدفق، ولذلك ربما أكتب أكثر من المعتاد. أنا في خمسينيتي، السن الحرجة للمرأة، حيث تتضخم المشاعر وتتوهج، هذا التوهج هو حافزي للكتابة.
> علاقتك بوالدك لافتة وأقصد هنا تأثرك به كشاعر ورفضك أن تنشري شعرك في حياته ولذلك كان عليك الانتظار حتى رحيله لتصدري ديوانك الأول… ما سبب هذه الرهبة؟
– والدي كان شاعراً معروفاً في وقته، واستلم رئاسة تحرير أكثر من دورية ثقافية. شعرياً؛ كنتُ أحبه بما يوازي محبتي له كوالد، وهو رحل من دون أن يعرف أنني أكتب. كنت أخشى رأيه وأخاف مِن تقييمه، خصوصاً أنني منذ بدأت أكتب كتبت قصيدة النثر لا التفعيلة التي كان يكتبها هو. كنت أخشى أن يعتبر كتابتي مجرد هذر، وكنت أيضاً أخشى أن أرسل إلى أي دورية ثقافية نصاً لي فيتم نشره من دون النظر إلى قيمته وإنما لأنني ابنة محمد عمران. لم أكن مخطئة. نشرتُ أول ديوان لي بعد رحيله بسنة ونصف السنة، وهو أكثر ديوان لي تمّ الاحتفاء به، لأنني ابنة محمد عمران، مع أنه أقل دواويني أهمية. الديوان الأول حيث صدى الآخرين الذين قرأت لهم وأحببتهم موجود داخل نصي.
> في «التي سكنت البيت قبلي» ابتعدتِ تماماً من الواقع السياسي اليومي في منطقتنا العربية المأزومة وتناولتِ مفهوم الوحدة الإنساني والعام… هل ذلك رغبة في التخفف من أثقال الواقع أم أن الشاعر ليس عليه أن يكتب عن الواقعي والآني؟
– لم أتخفف من أثقال الواقع، إن كنتَ تقصد الواقع السياسي، فالوحدة التي أنا فيها هي نتيجته، نحن بالعموم نعيش بتأثير ارتكاس الواقع اليومي علينا! الموت الذي يصل إليّ من شاشات الكومبيوتر والتلفزيون والموبايل، الموت الذي يحيطني مِن الاتجاهات كافة، هو ما ينمي إحساس الوحدة داخلي، ويزيد في عزلتي النفسية واغترابي الذهني عن العالم. العزلة التي أكتب عنها هي الواقع وهي اليومي. أنا تقريباً أكتب يومياتي. الراهن السياسي ليس موضوعاً للشعر، لم أره يوماً هكذا. هذه وظيفة الصورة والإعلام لا وظيفة الشعر، ولا الإبداع عموماً. الإبداع ينقل النتائج النفسية للراهن السياسي على المبدع، ما يتركه من أثر سلبي أو إيجابي، الشعر تحديداً وبعض الفنون الأخرى، الموسيقى والتشكيل والرقص، لا يمكنها أن تتحول إلى تقرير صحافي ينقل الحدث، ربما يستطيع السرد ذلك والمسرح والسينما. على رغم أنني شخصياً لا أحبذ نقل الواقع في أي عمل إبداعي.
> هل تنشغلين بالقارئ، أم تكتبين للكتابة وحدها بغض النظر عما إذا كان ثمة قارئ ينتظر؟
– لحظة الكتابة لا أفكر بأي شيء غير النص واللغة التي أكتبه بها، وأحياناً ثمة قارئ شخصي أكتب ليقرأ. قارئ واحد، أفكر فيه وأنا أكتب. لكن بمجرد نشر النص على صفحتي على فايسبوك أو في أي موقع ثقافي أو صحيفة مطبوعة، فإنني حتماً أفكر بالقارئ المتلقي، بعدد من القراء، بعدد كبير منهم. ما من شاعر إلا ويرغب في أن يكون نصه مقروءاً من عدد كبير من القراء. ما من شاعر إلا وينشغل بقرائه، إلا ويفكر بتأثير ما يكتب عليهم، إلا ويتمنى أن يتناقل نصه الآلاف. ما مِن شاعر متواضع بما يختص بنصه. التواضع هنا ينتج نصاً متواضعاً. وأنا منشغلة بكتابة نصي أكون منشغلة أيضاً بكيف سيظهر هذا النص، منشغلة بكل كلمة فيه، لولا ثقتي أن هناك قراءً لنصي لن أنشغل بتفاصيل النص الصغيرة، وجود القارئ يحولني إلى حرفية تريد لمنتجها أن يظهر على أبهى صورة كي يحظى بالإعجاب، أتعامل مع نصي حين أنهي كتابته كتعامل الحرفي مع مادته، أحذف بعض الكلمات أو السطور، أغير بعض الكلمات قبل أن أقول أنه بات جاهزاً للنشر.
> كيف سينتهي الصراع في سورية، في رأيك؟
– لا أعرف، ولا أظن أن أحداً يعرف ذلك غير لاعبي السياسة الكبار في العالم، أقصد الدول الكبرى واستخباراتها، مَن أوصل سورية إلى خرابها الحالي، من حوّل أجمل الثورات في التاريخ البشري إلى حرب قذرة قضت على أصغر حلم بالتغيير. لا أعرف فعلاً كيف ستنتهي الحرب وما هي النتائج.
> هل الاشتغال بالسياسة يستهلك الشاعر؟
– الاشتغال بالسياسية يستهلك أي شيء وكل شيء. للسياسة ناسُها. البراغماتية أول أصول السياسة والشاعر لا يمكن أن يكون براغماتياً. لا يمكن براغماتي أن يكتب شعراً صادقاً. هناك شعراء ناضلوا ضد أنظمة الاستبداد في الماضي والحاضر ووقفوا مع الثورات ضد هذه الأنظمة. هذا شيء والاشتغال بالسياسة شيء آخر. هذا موقف أخلاقي لا يجوز للشاعر محايدته أو تجاهله. لا يجوز للشاعر أصلاً أن يكون رمادي الموقف في حوادث الزمن التاريخية. عليه أن يتخذ موقفاً ما. لا يمكن أن يبقى على الحياد. شاعر على الحياد السياسي والأخلاقي سينتج نصاً محايداً. الموقف الذي يتخذه الشاعر، معارضاً كان أو مؤيداً، يحاسبه عليه الزمن، إن كان موقفه محقاً أم لا. الزمن سيطوي الشعراء الحياديين.
> بعد هذه الرحلة الطويلة، ماذا حققت قصيدة النثر العربية؟
– هي حاضرة بقوة في كل مكان، حتى لتكاد تظن أنه لا يوجد في الشعر العربي الحديث سوى قصيدة النثر. أظن أن سؤال قصيدة النثر بات بحد ذاته تقليدياً، وانتهى تماماً مع بداية 2011. ما كان يجب أن يكون ربيعاً عربياً، غيّر كل شيء. قد تكون مجرد ملاحظة غير دقيقة ولكنني فكرتُ فيها. كثرٌ من كتاب قصيدة التفعيلة ومن بقي من كتاب قصيدة العمود هم بلا أي موقف معلن، وقسم منهم أيّد الطغاة، وبعض الشباب الذين كانوا منحازين إلى قصيدة التفعيلة غيّروا نحو النثر أو على الأقل كتبوا النوعين معاً. هؤلاء ليست مصادفة أنهم جميعاً ضد الطغاة ومع التغيير.
> أيهما يتبع الآخر: السياسي أم الثقافي؟
– في المنطق الأخلاقي على السياسي أن يتبع الثقافي. الثقافي هو ما يحدد هوية المجتمع ويمنحه ملامحه وصفاته، لكن في بلادنا التي لم تعرف سوى الهزائم، تمّت هزيمة الثقافي منذ زمن طويل لصالح السياسي والديني والاقتصادي والمصلحي. بات الثقافي هامشياً ووحيداً إلا ما ارتبط منه بالأنظمة الحاكمة، ظهر وبدا وارتفع ولكن على حوامل الانحطاط والتفاهة.
> بعد الخمسين… بم تشعرين كأنثى وكشاعرة؟
– على رغم أن هذه السن حرجة للمرأة إلا أنني أعتبر نفسي في أفضل مراحل حياتي العمرية والنفسية. على رغم كل الظروف المحيطة والمحبطة، أظن أنني كأنثى في أجمل أوقاتي. نضجت الأنثى التي بي واحتفظت بقلب مراهق ومتمرد وقلق، قلب مر عليه الكثير وما زال مصراً على الخفقان بقوة. شعرياً أيضاً منحتني خمسينيتي فرصة التأمل بأحوال الأنثى ومتغيراتها النفسية والهرمونية، هذه المتغيرات مع ظرفي الشخصي كامرأة تعيش وحيدة خارج بلدها، كانت فرصة للتأمل في العزلة النفسية لامرأة ضمن هذه الظروف، عن هذه العزلة الغريبة والقاسية والمخاتلة والطيبة والغنية والقلقة كتبتُ. كتبتُ عزلتي الشعرية الشخصية وعزلة النساء الخمسينيات أينما كانوا.
> ما الجديد عندك؟
– أستعد لإنهاء ديوان جديد مختلف، ربما سيظهر في نهاية 2018.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث