صحيفة الحياة/
كيف يمكن أن يؤدي تصرف إنساني بسيط إلى كارثة؟ تساؤل يحتمل أجوبة كثيرة طرحها المسلسل التلفزيوني الدرامي التشويقي «30 يوم» الذي تقاسم بطولته كل من آسر ياسين وباسل خياط، بمشاركة نجلاء بدر وإنجي المقدم ووليد فواز وسلوى محمد علي ونورهان، وضيوف الشرف أحمد عزمي وياسر علي ماهر وعماد رشاد ومحمد فراج وتأليف مصطفى جمال هاشم وإخراج حسام علي.
المسلسل الذي يعرض الآن على عدد من الشاشات بعد عرضه الأول في رمضان، تدور حبكته حول «طارق حلمي»، وهو طبيب نفسي شاب متزوج من «تغريد»، ولديهما ابنة رضيعة، وفي عيد مولد الابنة الأول، يحضر إلى عيادة «طارق» مريض يدعى «توفيق» يشرح للطبيب تجربة يرغب بتنفيذها، تتلخص في أنه سيختار شخصاً يدعوه «المُختار»، ويقحمه في دوامة من الأحداث الخطرة والأزمات المُدمرة للنفس على مدار ثلاثين يوماً يرصد فيها تصرفاته وتغيراتها تحت هذه الضغوط العصبية والنفسية الرهيبة، وفي نهاية حديثه يكشف أن «المختار» هو «طارق» الذي يدخل في متاهة من الكوارث والأحداث الفارقة في حياته لثلاثين يوماً، محاولاً الإجابة في شكل عملي على تساؤل «توفيق»: كيف تقتل إنساناً ويبقى حياً على قيد الحياة؟
وعمد مؤلف المسلسل في ثاني تجاربه مع التأليف- إذ شارك عام 2014 في كتابة «كلام على ورق» لهيفاء وهبي- على أن لا تحتوي الحلقات على جانب تشويقي فقط، بل على قدر الرغبة في أن يتفاعل المشاهد مع شخصيات العمل، ويشعر بأنه جزء من الحكاية. وجاءت الأحداث مشوقة على رغم ابتعاد كثير منها عن الواقع وتعارضها معه ومع المنطق، وظهورها كما لو كانت «فيلماً هندياً»، وهو ما تجلى في مشاهد القتل في أماكن ومكاتب مليئة بالعمال والموظفين ورجال الأمن الذين ظهروا وكأنهم يستمتعون بمشاهدة فيلم سينمائي مشوق شاركوا في صنع تفاصيله وحبكته. كما طغت شخصية «توفيق» القاتل المحترف على كل الشخصيات، وفي مقدمها الطبيب النفسي الذي ظهر في كثير من المواقف كما لو أنه أصيب بالعجز أو الشلل، وكان بإمكان السيناريو أن يجعله أكثر قدرة على إيجاد حلول عملية، على اعتبار أنه أمام حالة نفسية، ولا تكون المشكلة ونهايتها أو حلها في يد «توفيق». وظهرت للجمهور أربعة خيارات أولها أن يكون «طارق» و «توفيق» شخصية واحدة، وثانيها انتقام «توفيق» من «طارق»، وثالثها أن يكون «عبدالوهاب» متفقاً مع «توفيق»، وآخرها أن يكون «طارق» مجنوناً ويتهيأ له كل ما يحدث. وجعلت الحبكة الجيدة النتائج كلها قريبة من بعضها البعض، وغازلت خيال الجمهور، ومثلما شكلت ضغوطاً نفسية كبيرة على المشاركين فيه، حدث الأمر ذاته مع قطاع عريض من الجمهور، واحتوى المسلسل على مشاهد عنف وقتل، ما جعل القائمين عليه ينبهون بأنه لا ينصح بمشاهدته لمن هم دون 16 عاماً.
وأتقن غالبية الممثلين المشاركين فيه أدوارهم، وفي مقدمتهم آسر ياسين الذي جسد شخصية الطبيب النفسي الذي يجد نفسه يخرج من مأزق ليقع في آخر من دون أن يعرف السبب، ووضح عليه في شكل جيد كم الضغوط التي تعرض إليها طوال الأحداث، سواء في ما يتعلق بماضيه وهفواته وعلاقته بأسرته وزوجتيه وأصدقائه المقربين منه. وتقمّص باسل خياط شخصية «توفيق» الذي كان يعمل في الحراسات الخاصة قبل أن يتم عزله من عمله، ببراعة وإبهار عبر استخدام أدوات أضافت أبعاداً خاصة للشخصية، منها ضحكته ونبرة صوته وحركاته وقدرته على العزف وعشقه لموسيقى الجاز، وتصرفاته التي تفاوتت بين الشر والغرور والبرود والجنون، ومن دون شك يرجع تفوق باسل في تقمص الشخصية إلى السيناريو الذي منحه كل خيوط التصرف في الأحداث من حيث المساحة والتحرك بحرية. كما أجادت نجلاء بدر بجدارة تقمص شخصية الممثلة الشهيرة «صافي» التي تتزوج من الطبيب النفسي، وتدخل في دائرة واسعة من الاضطرابات والتفاصيل الصعبة، في ما يتعلق بزواجها السري، وإنجابها طفلة تتخلى عنها من أجل نجوميتها، ثم انحسار الأضواء عنها عقب تسريب فيديو جنسي لها، وحرصها على استعادة الابنة، ودخولها في دائرة الإدمان. وتناول العمل عدداً من المشكلات والقضايا الشائكة التي كانت سبباً وراء مقتل أصدقاء الطبيب الستة بعدما سعوا إلى إنشاء مستشفى خاص، ومنهم طبيبة النساء والتوليد التي تقوم بعمليات إجهاض قذرة، والمحامي الذي يطوع القانون لخدمة أهدافه ومصالح موكليه، والمحاسب الذي يمثل أحد أعمدة غسيل الأموال في الدولة، والصحافي الذي يستغل علاقاته للإيقاع ببعض الناس لحساب آخرين، ورجل الأعمال الذي يمثل همزة الوصل بين رجال الأعمال ومن يقومون بعملية غسيل الأموال، والطبيب الذي يتاجر في الأعضاء البشرية.
واللافت أن جهة الإنتاج استعانت باختصاصي في العلاج النفسي لشرح الأبعاد السيكولوجية للشخصيات، ليصل كل فنان إلى طبيعة الدور بحرفية شديدة، وتعد هذه خطوة مهمة في طرح القضايا وفقاً للتطور العلمي، وظهرت في صورة جيدة قدرات المخرج حسام علي في الإمساك بخيوط وتفاصيل السيناريو ومختلف الشخصيات سواء الرئيسة أو الثانوية، وهو ما ترجمه في صورة جيدة، ونجح في ضبط الإيقاع الخاص بالعمل مع مسؤولي التوليف والتصوير والديكور والموسيقى التصويرية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث