الرئيسية / سياسي / سياسة / التصعيد بين “الأسد” والأكراد .. واقع أم ضجيج؟

التصعيد بين “الأسد” والأكراد .. واقع أم ضجيج؟

صدى الشام- عمار الحلبي/

على الرغم من عدم تصادم الطرفين عسكرياً أو حتى سياسياً طيلة عمر الثورة السورية، ورغم تحالفهما في كثير من المناسبات والمحطات المفصلية ضد المعارضة السورية، إلّا أن توتّراً غير متوقع أصاب مؤخّراً العلاقة بين نظام الأسد والقوى الكردية في سوريا.

وكان لافتاً أن التوتر بين الجانبين أفضى إلى عمليات اعتقال ووعيد بما هو أكثر، وذلك وسط توقّعات بامتداد الخلاف من التصريحات إلى المعارك المباشرة.

وجاء هذا الصدام عقب تصريحات تخوينية تبادلها الطرفان اللذان باتا يسيطران على  جزء كبير من الأراضي السورية خصوصاً عقب الحملة على تنظيم “داعش” بمشاركة قوى دولية.

منذ البداية

لا يمكن لأحد أن يتجاهل ما عاناه الأكراد -بوصفهم جزءاً من الشعب السوري- في ظل نظام البعث، فقد تعرضوا للتهميش والإقصاء، وبعد وصول الأسد الأب إلى الحكم عاشوا الحرمان من أبسط الحقوق بما في ذلك “الجنسية السورية”، فضلاً عن مظاهر الاحتفال بأعيادهم الخاصة، وفي عام 2004 حرّك النظام آلته العسكرية لقمع تمرّد للأكرد شمالي شرقي سوريا ما أسفر عن مقتل وتشريد عددٍ كبير منهم.

بعد اندلاع الثورة السورية، خرجت مُدنٌ تضمّ المكوّن الكردي بتظاهراتٍ مناهضة لنظام الأسد، حالها كحال بقية القرى والبلدات والمدن السورية،  فواجهتها قوات النظام بذات الطريقة القمعية.

وعقب تحوّل الاحتجاجات السلمية إلى مسلّحة، أسّس الأكراد كياناً خاصاً بهم وهو “حزب الاتحاد الديمقراطي” وذراعه العسكرية، ثم أسّسوا ميليشيا مدعومة من الولايات المُتّحدة سُمّيت بـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وتعرّف نفسها على أنها تحالف عربي كردي، غير أن “وحدات حماية الشعب الكردية” تشكّل العمود الفقري لهذه القوات.

لم تخض هذه الميليشيا أي معركة ضد نظام الأسد، بل كان هدفها طرد تنظيم “داعش” من شمالي شرقي سوريا، لتكون هذه المناطق في مرحلة لاحقة نواة لكيانها الانفصالي، كما خاضت الميليشيا ذاتها معارك ضد “الجيش السوري الحر” وفصائل المعارضة المختلفة ولا سيما في مدينة حلب خلال هجوم النظام عليها في مثل هذه الأيام قبل عام، كما هاجمت “قسد” المعارضة في ريف حلب الشمالي ولا سيما في تل رفعت، وسيطرت على عدد من بلدات الريف الشمالي ومطار منّغ العسكري، والذي سلّمته الميليشيا للقوات الروسية.

معركة كلاميّة

قبل فترة قصيرة اتهم بشار الأسد “قوات سوريا الديمقراطية بالخيانة، قائلاً في تصريحات له: “إن كل من يعمل تحت قيادة أي بلد أجنبي في بلده وضد جيشه وضد شعبه هو خائن، بكل بساطة، بغض النظر عن التسمية، هذا هو تقييمنا لتلك المجموعات التي تعمل لصالح الأمريكيين”.

وبعد هذا الوصف مباشرةً جاء الرد من “قوات سوريا الديمقراطية” التي اعتبرت أن: “نظام الأسد هو من فتح أبواب سوريا على مصراعيها أمام جحافل الإرهاب الأجنبي، التي جاءت من كل أصقاع الأرض”، وأضافت في بيانٍ لها أن “النظام هو بالذات الذي أطلق كل الإرهابيين من سجونه ليوغلوا في دماء السوريين بمختلف تشعباتهم”، واعتبرت أن “الأسد وما تبقى من نظام حكمه، هم آخر من يحق لهم الحديث عن الخيانة وتجلياتها”، محمّلةً إياه المسؤولية المباشرة عن إطلاق يد الفصائل الطائفية في البلاد والتي عاثت فساداً في نسيج سوريا أرضاً وشعباً” بحسب البيان.

في اليوم التالي مباشرة، خرج نائب وزير خارجية النظام فيصل المقداد ليتّهم “قسد” بأنّهم “داعش الجديد”، مُهدّداً بأنّهم “سيواجهون مصيراً مشابهاً لمصير تنظيم داعش وغيرها من تنظيمات إرهابية”.

وقال المقداد في لقاءٍ مع قناة “العالم” الإيرانية: “هناك داعش آخر قد يسمى قسد وهو اختصار لقوات سوريا الديمقراطية، ويحاول الأمريكان دعمها ضد إرادة الشعب السوري، وهم في خدمة الولايات المتحدة الأمريكية وخدمة المخططات الغربية ضد شعب سوريا وضد الدولة السورية”.

وأضاف أن “من يعمل على تفتيت الدولة السورية، ويضع شروطاً على إعادة دمج المناطق السورية ببعضها ليس بسوري ولا يمكن الوثوق به”، داعياً من وصفهم بـ “العاملين تحت إدارة أمريكية” للتراجع الآن لكي يكونوا جزءاً لا يتجزأ من الجمهورية العربية السورية، وإلا فإن مصيرهم سيكون نفس مصير داعش وجبهة النصرة والمجموعات الإرهابية المسلحة، حسب تعبيره.

وتابع: “من يحمل السلاح ضد الدولة هو إرهابي، هذا هو ما نفكر به وهذا هو القانون الإنساني الدولي وهذا هو القانون الدولي”.

خلاف أم فقاعات؟

بينما كانت التصريحات على أشدّها بين الطرفين (والتي تطوّرت لاحقاً إلى حملات اعتقال) كان هناك اتفاقات تجري من تحت الطاولة بين ذات الطرفين، وهو ما أثار الشكوك حول خلافاتهما.

يقول مازن الأحمد، وهو مواطن صحافي يعيش في محافظة الحسكة لـ “صدى الشام”: “إن حالة توتّر كبيرة شهدتها المحافظة بين قوات النظام والوحدات الكردية، وذلك بشكلٍ متزامن مع التصريحات بين الجانبين”.

وأشار إلى أن التوتّر تركّز في مدينتي الحسكة والقامشلي تحديداً، حيث تتواجد مربّعات النظام وأفرعه الأمنية بشكلٍ كثيف منذ بدء الثورة السورية، ولم تقم الوحدات الكردية بأي ردّة فعل على وجودها.

وبحسب مصادر إعلامية فإن الوحدات الكردية اعتقلت عدّة عناصر من مرتّبات “الهجّانة” التابعة للنظام شمالي مدينة الحسكة، وذلك خلال مرور هؤلاء العناصر وتفتيش هوياتهم والتأكّد من أنّهم عناصر في جيش النظام.

ومن جهتها قامت قوات النظام باعتقال ثلاثة عناصر من الوحدات الكردية دون معرفة مصير المعتقلين من الجهتين حتّى الآن.

وسادت محافظة الحسكة أجواء من التوتّر بسبب هذه التصريحات، إلى درجة كانت تشير لاقتراب صدامٍ عسكري بين الطرفين، غير أن الأحمد لفت إلى حصول تهدئة بعد أيامٍ من التصريحات، دون الكشف عن مصير المعتقلين سواء من جهة النظام أو الوحدات الكردية.

وقال شهود عيان لـ “صدى الشام” إن أجهزة الأمن في وحدات حماية الشعب الكردية المعروفة باسم “آسايش” كثّفت من دورياتها في معظم مناطق سيطرتها لتكون جاهزة لأي ردّ من النظام، حيث جالت دوريات بشكلٍ كثيف في مدن “تل أبيض، منبج، رأس العين، الدرباسية، القامشلي، القحطانية والحسكة”.

وفي وقتٍ كانت هذه الاعتقالات على أشدّها في منطقة الجزيرة السورية، تناقل ناشطون معلوماتٍ عن اتفاق بين “وحدات حماية الشعب الكردية” وقوات النظام، وذلك لتسليم الأحياء الخاضعة لسيطرة الوحدات إلى النظام في مدينة حلب.

ويبلغ عدد الأحياء التي تسيطر عليها الوحدات في حلب نحو 11 حيّاً بما فيهم أحياء “الشيخ مقصود، الأشرفية، بستان الباشا، مساكن عين التل، الحيدرية، السكن الشبابي، بعيدين، الشيخ خضر، عين التل، الهلّك الفوقاني، الهلّك التحتاني، الشيخ فارس”، وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً تُظهر رفع علم النظام على مدارس ومراكز صحّية ومنشآتٍ أخرى في أحياءٍ تسيطر عليها الوحدات الكردية في مدينة حلب.

وفي وقتٍ لم تصدر فيه أي تصريحات عن الطرفين، كتب عمر رحمون – وهو من مثّل النظام في اتفاق تهجير أهالي حلب قبل نحو عام- تدوينة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر” قال فيها إن هناك “اتفاقاً يقضي بتسليم القوات الكردية لجميع المؤسسات الحكومية والمدارس في مناطق الشيخ مقصود والأشرفية والهلك وبعيدين وبستان الباشا للحكومة، وسيتم رفع الأعلام السورية والسماح للأهالي بالعودة إلى منازلهم ابتداءً من الخميس الفائت وستُفتح الطرقات”.

سيناريوهات

هل تصطدم قوات النظام مع “وحدات حماية الشعب” عسكرياً؟ طرحت “صدى الشام” هذا التساؤل على المحلّل العسكري العميد الركن أحمد رحّال، فاستبعد بشكلٍ مُطلق هذا السيناريو، وقال رحال: “من المستحيل حدوث صدام بين الطرفين، لأنهما عبيد ولا يستطيعوا أن يأخذوا قراراً كهذا” حسب وصفه، ولفت إلى أن من أسماه بـ “الأسياد” وحدهم من يأخذون القرار، في إشارةٍ إلى الولايات المُتّحدة التي تدعم الوحدات، وروسيا التي تدعم نظام بشار الأسد.

وأضاف رحّال “من الممكن أن يحدث صدام عسكري بينهما في حال قرّرت الولايات المتّحدة وروسيا أن تفلتا الحبل لكلا الطرفين، وهذا الأمر لا يتم إلا بتنسيق روسي أمريكي”، واعتبر أن تصريحات النظام المُستمرّة والتي يُطلقها بين الحين والأخرى بأنّه سوف يسترجع كل شبر من الأراضي السورية ليست إلّا تصريحات معنوية أمام وسائل الإعلام، واصفاً كلام النظام بهذا الصدد بأنّه “غير قابل للصرف وغير منطقي”.

وأوضح رحّال ان النظام يدرك تماماً أن أية معركة سيخوضها على الأرض لن يفوز بها إلّا إذا تلقّى دعماً روسيّاً مباشراً، “وليس لديه الجرأة لإرسال طائراته الحربية من تلقاء نفسه لقتال الوحدات الكردية لأنّها ستتساقط واحدة تلو الأخرى”، مُستنداً إلى حادثة إسقاط طائرة حربية تابعة للنظام في ريف الرقّة، عندما تقدّمت لتقصف مواقع لتنظيم “داعش” ضمن مناطق نفوذ الوحدات حيث تم إسقاط الطائرة مُباشرةً، وأشار في هذا الصدد إلى أنه من المنطقي أن يقوم الأمريكان بالدفاع عن حليفهم سياسياً وعسكرياً وميدانياً، واستطرد: “حتّى لو افترضنا قيام النظام بشن حملة بريّة فإنّه سوف يخسر هذه المعركة حتماً لأن “وحدات حماية الشعب الكردية” أقوى من ميليشياته بكثير من الناحية العسكرية” وفق رأي رحال، لافتاً إلى أنَّ كلا الطرفان غير جاهز للدخول في معركة كهذه، فالوحدات الكردية غير قادرة على خوض هذه المعركة لأنّه تخاطب جمهورها بأنّه تركّز جهودها على مقاتلة التنظيمات الإرهابية، ومن جهةٍ أخرى فإن النظام غير جاهز لمحاربة الأكراد، بسبب وجود مصالح كبيرة له تتمثل بوجود قوّاته في الحسكة والقامشلي وعامودا، وهو يحاول تصدير فكرة أنّه يبسط سيادته على جميع هذه المناطق، وفي حال دخوله بمعركة ضد الأكراد فإنه سوف يخسر هذا الوجود، حسب قول الرحّال الذي أشار إلى وجود مصالح مشتركة بين الطرفين.

وفيما يخص مستقبل المناطق التي تسيطر عليه وحدات حماية الشعب الكردية، أشار رحّال إلى أنّ هذه المناطق متروكة للحلّ النهائي، مُستبعداً أن يكون هناك رغبة في التقسيم وإنّما فدرلة وحكم ذاتي.

ورقة العشائر بيد النظام

يملك النظام قاعدة شعبية في مناطق الإدارة الذاتية، قوامها القوميات العربية والمسيحية وغيرها، وهذه المكّونات تُعتبر ورقة رابحة للنظام الذي كان قد تركها حتّى اتضاح موقف الوحدات الكردية ومدى حدّة تصريحاتهم.

وفي هذا الصدد تشير مصادر مطلعة في محافظة الحسكة لـ “صدى الشام”” إلى أنَّ النظام حتّى قبل التصريحات والتصعيد مع الوحدات الكردية مؤخّراً، كان على تواصلٍ مباشر مع قيادات دينية وعشائرية موجودة في مناطق الإدارة الذاتية ولها وجودها الكبير وتأثيرها على شريحة كبيرة من الشعب.

ولفتت المصادر إلى أن النظام قادر على “تحريك هذه الورقة الرابحة في الوقت المناسب”، مشيرة إلى أنّه استغلَّ الاضطهاد الكبير الذي تعرّضت له القبائل العربية في شمالي شرقي سوريا وتحديداً نتيجة الممارسات القمعية لوحدات حماية الشعب الكردية، حتى باتت هذه المكوّنات على أتمّ الاستعداد للتنسيق مع النظام ضدّ هدف مشترك وهو الوحدات الكردية”.

وأكدت المصادر وجود عدد كبير من قادة العشائر المؤثّرين في العاصمة السورية دمشق، والذين يُستخدمون كوسطاء لتحريك العشائر في مناطق الإدارة الذاتية لصالح النظام، وبذلك يكسب معركته دون خوض حرب مباشرة إذا أراد.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

قرار أممي ينهي العزلة عن دمشق ويفتح مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي

أنهى مجلس الأمن الدولي واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً حين صوّت بأغلبية 14 دولة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *