صدى الشام- حسام الجبلاوي/
في حملة نزوح اعتبرت الأكبر، يستمر توافد آلاف العائلات من المحافظات الشرقية وريف حماه وحتى العراق إلى إدلب وذلك تزامناً مع الحملات العسكرية ضد تنظيم “داعش”، وخشية المدنيين من عمليات انتقامية قد تطالهم.
وفيما سيطر الهاجس الأمني والخوف من تسلل مقاتلين سابقين من التنظيم إلى إدلب، يعاني الواصلون من ظروف معيشية وصفت بأنها “غاية في السوء” مع إعلان المنظمات المدنية العاملة في المحافظة عجزها عن استيعاب هذه الأعداد ومساعدتها.
إجراءات وقائية
بداية موجات النزوح كانت قبل حوالي ثلاثة أشهر بالتزامن مع تسلل قرابة 300 عنصر من مقاتلي تنظيم “داعش” فروا من محافظة دير الزور إلى منطقة الرهجان شرقي محافظة حماة، وشنهم عمليات عسكرية ضد مناطق سيطرة المعارضة، وفي تلك الفترة “استغلت مئات الأسر وجود طرق برية عبر الصحراء للوصول إلى ريف حماه الشرقي، وطلبت السماح لها بالدخول إلى إدلب عبر حواجز تابعة لهيئة تحرير الشام” حسبما أفاد مصدر ميداني لـ “صدى الشام”.
وأضاف المصدر أنّ “الأسر القادمة ومعها بعض من مقاتلي التنظيم سلموا أنفسهم لحواجز الهيئة، ليتم نقل المشتبه بهم إلى أماكن آمنة للتحقيق معهم، في حين تمّ السماح للنساء والرجال والأطفال بالدخول”.
ووفق المصدر فإنّ هذا الطريق أغلق مؤخراً بشكل كامل بعد تقدم التنظيم وميليشيات النظام في ريف حماه الشرقي، وبقي الطريق الوحيد السالك للنازحين حالياً من المناطق الشرقية باتجاه إدلب وهو طريق أعزاز- عفرين -إدلب.
وفي سؤال عن الإجراءات الأمنية المتبعة لمنع تسلل مقاتلي التنظيم إلى المحافظة أكدّ المصدر أنّ “هيئة تحرير الشام” اعتمدت إجراءت أمنية مشددة، ووضعت عناصر مرافقة للحواجز للتعرف على المقاتلين المرافقين للأهالي، لاسيما مع وصول ما يقدر بألف عنصر جديد من مقاتلي داعش إلى ريف حماه واكتشاف خلايا مؤيدة للتنظيم داخل المحافظة حاولت تقديم الدعم لهم.
من جهته قال منسق عمل المنظمات والمهجرين في محافظة إدلب محمد جفا، إنّ ما يقدر بـ 800 نازح من المناطق الشرقية دخلوا إلى إدلب من جهة عقيربات وأبو دالي، فيما جاء القسم الأكبر عبر مناطق سيطرة الميليشيات الكردية (قسد) التي ابتزت الكثير منهم مالياً للسماح لهم بالمغادرة والوصول إلى عفرين ليدخلوا بعدها المناطق المحررة من دارة عزة.
ويؤكد جفا لـ “صدى الشام” أنّ التدقيق الأمني يبدأ من مناطق سيطرة “قسد” وصولاً إلى جرابلس حيث تم اعتقال مئات العناصر هناك من قبل “الشرطة الحرة” التي تتولى عمليات التحقيق والتأكد من هويات القادمين.
أرقام كبيرة
وفق إحصاءات وأرقام زوّدنا بها جفا، فقد وصل إلى إدلب خلال الشهرين الماضين ما يزيد عن 15000عائلة، أي ما يقدر بمئة ألف نازح تقريباً منهم 1200 عائلة من العراق استقر معظمهم في مناطق سلقين ودركوش وعزمارين وحارم.
ويضيف المنسق أن نازحي دير الزور استقروا في مدينة إدلب بمعدل 1700 عائلة، وفي سلقين 2900 عائلة، وفي الدانا 1240 عائلة، بينما لا يزال الباقي في مراكز استقبال مؤقتة يفصل فيها النساء عن الرجال، وتتسع لأعداد محدودة ومنها مخيم معارة الأخوان وميجناز.
ويؤكد جفا أن حركة النزوح مستمرة بمعدل 120 عائلة يومياً، متوقعاً أن تزيد الأعداد مستقبلاً لتتجاوز 250 ألف.
ولفت إلى أن المنظمات المعنية بالاستجابة الانسانية لم تستطع مواكبة الأعداد الهائلة الواصلة إلى المنطقة حيث اقتصر عملها على تأمين الطعام والشراب، و إقامة خيم كبيرة مؤقتة لا تتسع لأكثر من ألفي شخص، مضيفاً أن أبناء المناطق الشرقية قاموا بتشكيل مجلس محلي خاص بهم في إدلب لمساعدة بعضهم وتنسيق أمورهم.
تجربة شاقة
يروي فهد العباّدي، وهو شاب عشريني وصل إلى إدلب مع أسرته قادماً من دير الزور تفاصيل رحلته التي يصفها بالشاقة والطويلة والتي استمرت لنحو 15 يوم. ووفق العبادي فإن النازحين كانوا ينقسمون لمجموعات صغيرة تتنقل بين قرى دير الزور ليلاً خوفاً من القصف حيث يسلك النازحون خلالها طرقاً صعبة ووعرة للوصول إلى ما تبقى من المعابر النهرية لتبدأ بعدها مخاطر الوصول إلى الحسكة حيث الطرق مليئة بالألغام.
أربعة أيام استغرقها للخروج من دير الزور والوصول إلى أحد المخيمات القريبة من الحسكة، يستذكر العبّادي مصاعب عايشها مع أسرته. “في تلك الأثناء كنا نفتقد الماء ونركض خوفاً من الطيران والألغام، وعند وصولنا إلى المخيم تمت معاملتنا كالمجرمين، حينها لم نُمضي إلا ليلة واحدة واتفقنا مع أحد السماسرة المتواجدين هناك بكثرة لايصالنا إلى أعزاز”.
في مناطق سيطرة فصائل “الجيش الحر” كان الأمر أسهل نوعاً ما، لكن كان هناك معاناة تمثلت كما يقول الشاب “بشدّة التدقيق الأمني الذي شمل جميع الواصلين، حيث كانوا يتحققون من هويات الأفراد، وقد تم اعتقال العديد من الشبان الواصلين ممن ثبت عليهم القتال مع التنظيم”.
من سيّئ إلى أسوأ
يعاني القادمون من مناطق سيطرة التنظيم وفق الناشط الإغاثي ابراهيم الحسن من ارتفاع كبير في نسبة الأمراض وسوء التغذية. ويضيف الحسن أنّ عدداً من الواصلين كان مصاباً و بحاجة إلى عمليات جراحية خاصة ونقله إلى تركيا.
ورداً على سؤال حول قدرة المراكز الطبية على مساعدة هؤلاء والجهود التي تُقدم لهم حالياً أوضح الحسن أنّ محافظة ادلب تعاني بالأصل من قلة المستشفيات والمراكز، ومن الضغط الكبير عليها، ومع العمليات العسكرية الأخيرة لمليشيات النظام وتنظيم “داعش” على أطراف المحافظة جرى مؤخراً إفراغ منطقتي شمال شرقي حماة وجنوب شرقي إدلب تماماً من المراكز الطبية ومراكز الدفاع المدني وهو ما جعل الأمر أكثر سوءاً.
وتعاني المخيمات الكثيرة التي أصبحت مؤخراً منتشرة في إدلب من أوضاع إنسانية صعبة بسبب قدوم فصل الشتاء، وقلة المساعدات، وإنعدام مقومات الحياة الأساسية، بالإضافة إلى تزايد النازحين القادمين إلى المحافظة باستمرار.
ووفق بعض الناشطين العاملين في المجال الإغاثي فقد تم إطلاق العديد من المناشدات الانسانية مؤخراً بعد غرق عدد من مخيمات جسر الشغور وريف حلب الغربي نتيجة الأمطار وعجز الجمعيات المحلية عن تقديم المساعدات إلا أنّ جميع هذه المناشدات لم تلق آذاناً صاغية وهو ما يزيد من حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة أصلاً في المحافظة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث