صدى الشام بالتعاون مع الشبكة المرأة السورية/
لا يمكن حصر آثار “الحرب” على المرأة السوريّة بفقدان الزوج والابن والأخ ومكابدة العناء في غيابهم، ففي كثير من النماذج والحالات تحملت المرأة أعباءً بطوليةً شتى لتنقذ عائلتها من الضياع، وتحولت إلى معيلٍ وربّ أسرة، وإلى مربيةٍ متفانية وطبيبةٍ نفسية تقوم بدور الأب والأم في آن معاً.
في شوارع دمشق، نساء كثيرات أصبحن جزءاً من المشهد اليومي للأرصفة، يفترشن أمامهنَّ بسطات ليحصلن على ما يَسدُّ الرمق، يبعن أوراق العنب وبعض الخضار والفاكهة الموسمية والمنتجات المنزلية.
المرأة معيل
أم أحمد، توفي زوجها بقذيفةٍ في إحدى مناطق الغوطة، فنزحت وأطفالها الثلاثة إلى ضواحي العاصمة، وأُجبرت على العمل في مجالات شتى كتنظيف البيوت وإعالة المرضى والمسنّين لتقاوم الفقر والضياع وتُمكِّن أطفالها من مواصلة التعليم، وهي اليوم تبيع الألبان والأجبان على إحدى الأرصفة تحت حرارة الشمس، تتحدث عن واقع حالها بأسى “كان لنا مزرعة للأبقار قبل أن تفتك بنا الحرب وتشردنا، منذ عامٍ ونصف وأنا أزاول عملي هذا، أشتري الحليب وأصنع منه منتجات متنوعة، وكل يوم صباحاً أحضر إلى هنا لأعرض بضاعتي وقبل حلول الظهيرة أكون قد بعت ما لدي، فقد أصبح عندي زبائن كثر يحبون منتجاتي، أحياناً أحضر إلى هنا مساءً، عندما نكون بحاجةٍ إلى نفقاتٍ إضافية، لأزيد من دخلي، فليس لدي معيل غير الله، بعد أن رحل زوجي ولا أعلم شيئاً عن مصير إخوتي”.
أم حسام، نازحة، تقيم في مدينة جرمانا، تذهب يومياً وأولادها الأربعة إلى الفرن، فيشتري كل واحدٍ منهم أربع ربطاتٍ من الخبز، لتباع في الشارع. تقول: “زوجي مفقود منذ ثلاثة أعوام، وأنا نازحة وغريبة عن هذا المكان، أُربي أربعة أطفال في ظروف معيشية قاهرة، لذا لجأت إلى هذا العمل. نشتري كل يوم 20 ربطة، سعر الواحدة 50 ليرة، فأبيعها على الرصيف بسعر 100 ليرة للربطة، فأكسب بذلك 1000 ليرة، وأحياناً أعمل على بسطة خبز أخرى، يأتي صاحبها بأربعين ربطة، فأحظى ببضع نقود كنسبة ربحٍ لقاء عملي معه، وهكذا أتغلب على الفقر بمشقة وأعيل عائلتي”.
الحاجة أم الاختراع
لم تعجز المرأة السورية عن فتح آفاقٍ جديدةٍ للعمل، فكلما عاندتها الظروف وسدّت أمامها الطرق وجدت منافذ أخرى للعيش وابتكرت مصادر رزقٍ جديدة لتتصدى للفقر وتقاوم العقبات وتواصل الحياة بشغفٍ وإصرار.
أم محمود، أصيب زوجها بالشلل جراء قصفٍ للطيران على إحدى المناطق المشتعلة، ليلازم البيت طريح الفراش، فأصبحت المعيل الوحيد له ولأولادها الأربعة مستعينة بالعمل في “بسطة” على أحد الأرصفة، تتحدث أم محمود عن مأساتها بمراراة: “بعد إصابة زوجي نزحنا مع أطفالنا إلى ضواحي دمشق لنواجه واقعاً جديداً من المعاناة، ولم يكن لدينا أي سندٍ أو معيل، وبالطبع لن أرضى بأن يتسرَّب أولادي من المدرسة ويتحولوا إلى العمل، كما فعل الكثير من الأهالي بأطفالهم، فكنت المنقذ الوحيد لعائلتي”، تتابع أم محمود: “بدأت أعمل في شطف الأدراج، وتعاقدت مع 6 بنايات، فكنت أشطف أدراج بناية كل يوم، لكن الدخل لم يكن كافياً فتحولت إلى العمل كبائعةٍ على الرصيف، في الشتاء كنت أبيع منسوجاتي الصوفية التي أحيكها بيدي (شالات- قفازات- قبعات- جوارب) وبعض الاكسسوارات اليدوية، وفي مطلع الصيف كنت اشتري الفول والبازيلاء الخضراء، فأقشِّرها بمساعدة أطفالي، وأضع حبوبها في أكياس المؤونة لأبيعها على بسطتي مع منتجاتٍ منزليةٍ أخرى ما زلت أبيعها حتى اليوم كالزيتون والمخللات والخل ورب البندورة والتين المجفف وغيرها، أما في أيام العطل المدرسية فأذهب إلى عملي الآخر في شطف الأدراج بصحبة أطفالي.
المرأة سند الرجل
تسببت حملات السوق إلى الخدمة العسكرية بـ “شلّ” حركة الشباب والرجال السوريين في مناطق النظام، ودفعهم إلى التواري عن الأنظار، وامام هذا الواقع لعبت المرأة دوراً هاماً في مساعدتهم ودعمهم وتخفيف معاناتهم، فوقع على عاتقها مسؤوليات جديدة فكانت سنداً قوياً لهم.
“ن” المرأة السورية التي اختارت التعريف عن نفسها بهذه الطريقة، طُرِد زوجها من وظيفته لإنه رفض الالتحاق بالخدمة الاحتياطية، واضطر للبقاء في بيته كي لا يقع في قبضة عناصر الحواجز، فتحملت الزوجة مسؤولية إعالة الأسرة، وبدأت تعمل في ورشة للخياطة صباحاً ومن ثم وجدت عملاً مسائياً في محل لبيع الألبسة، وبذلك استطاعت أن تنتشل زوجها وأولادها من تلك المحنة، وكي ينسى زوجها مرارة فقدانه لعمله، وجدت له عملاً منزلياً في التطريز وصف الخرز لصالح ورشة الخياطة.
ولـ “أم سعيد” حالةٌ مشابهة، فبعد أن عَلِم زوجها أنه مطلوب للخدمة الاحتياطية، توارى عن الأنظار خوفاً من مُخبِري الحي الذين قد يوقعون به، وبذلك فَقَد عمله في سوق الهال، لذا فقد باعت سوارها الذهبي الوحيد واشترت معدات لصنع المناقيش وخبز الصاج واستأجرت محلاً صغيراً بالقرب من إحدى المدارس.
تتحدث عن طبيعة عملها فتقول: “كل يوم يقوم زوجي بعجن الطحين في البيت صباحاً ومساء فأصطحب العجين إلى المحل لأصنع المناقيش وأبيعها للطلاب أثناء عودتهم من المدرسة، كما أتعاقد مع بعض المطاعم الشعبية فأبيعهم خبز الصاج الذي أخبزه في المساء إلى جانب المناقيس وبعض الطلبات الخاصة التي يطلبها زبائني، وهكذا أتعاون مع زوجي على تدبير لقمة العيش وتأمين حياة كريمة لأطفالنا”.
أما “س” فهي تعمل في سوبر ماركت، كان قد افتتحه خطيبها الذي وقع في فخ إحدى الحواجز وسيق إلى الجيش، عندما ذهبت لزيارته الأولى في مركز تجمع الجنود في منطقة الدريج، لتصطحب له بعض الثياب والحاجات الضرورية، لم تجد رجلاً يرافقها إلى هناك، فعائلته تقيم في محافظة أخرى، وأبوه رجل مسن، أما أصدقاؤه فكانوا يخشون من مصيرٍ مشابه نتيجةً لكثرة الحواجز في الطريق إلى هناك، لذا استعانت بصديقتها للذهاب إليه فخاضتا مغامرة شجاعة في طريق مليء بالخطر والمخاوف ومكان مرعب هو حكر على الرجال.
بعد كسر حاجز الخوف أصبحتا تذهبان إليه كل يومين حتى تم نقله إلى حلب. في غيابه أكملت ما بدأه وصارت تعمل في السوبر ماركت كي لا يضيع مصدر رزقه الوحيد.
سبع سنوات من الثورة والمرأة السورية تقدم صوراً ناصعةً من التفاني والإيثار، تقف بوجه الظروف لتنقذ من حولها وتدافع عن وجودهم، تتحدى المستحيل لتفتح نوافذ جديدة للأمل والحياة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث