الرئيسية / سياسي / سياسة / حوارات / الكاتب جابر بكر: أدب الثورة لم يستطع مجاراة تضحيات السوريين

الكاتب جابر بكر: أدب الثورة لم يستطع مجاراة تضحيات السوريين

صدى الشام _ حاوره- مصطفى محمد/

أصدر الكاتب والباحث السوري جابر بكر، مؤخراً عمله الأدبي الأول بعنوان “601- المحاكمات الإلهية”، والذي يتوزع على ثلاثة فصول توثق عن طريق ما ترويه شخصيات حقيقية جانباً من الجرائم التي يرتكبها نظام الأسد في مكان يفترض به أن يكون “مشفى”، لا أن يكون مكاناً للموت.

وبكر المولود في العام 1981، كان قد تعرّض للاعتقال والمحاكمة بتهمة “الحط من شعور الأمة” من قبل نظام الأسد، وله تجربته في العمل الصحفي مع وسائل إعلام عدة، كما أنه باحث في مؤسسة “سمير قصير”.

“صدى الشام” حاورت جابر بكر حول روايته الأولى، التي تعتبر نتاج عمل توثيقي استمر على مدار ثلاث سنوات، وكان بطلها شاب سوري وصل أمستردام بعد أن عاش تجربة اعتقال في المعتقلات السورية، من بينها ما يسمى “مشفى 601”.

يقول بكر على لسان بطل الرواية، “سيأتي يوماً أخبركم قصتي الكاملة واعتقالي واغتصابي، وكل ما عبرت به من تجارب ومآسٍ، سأخبركم عن خسارتي لطفلي الصغير، وطلاقي وهروبي من بلادي، ومن بلاد فيها ولدي وحبسي هنا لنفسي في شمال الأرض بعيداً عن كل من يعرفني، لا خوفاً منهم إنما خوفاً عليهم من حكايتي”.

 

وإلى نص الحوار الكامل:

 

– لماذا اخترت المشفى العسكري “601” الواقع غربي دمشق مسرحاً لروايتك الأولى، وما هي الرسائل التي أردت إيصالها من ذلك؟

لم اختر المشفى بل هو من اختارني، أنا عامل في مجال حقوق الإنسان أساساً، وواصلت عملي بعد وصولي أوروبا، أي بعد وصولي إلى فرنسا في العام 2013.

في أوروبا تفتق ذهني عن فرضية صحفية استقصائية حول استخدام النظام السوري للانتهاكات الجنسية كوسيلة للتعذيب، وخلال عملي على هذا الملف قابلت معتقلين سابقين لدى النظام صادف أن مروا في هذا المشفى.

كان بذهني من قبل أن هذا المشفى سيء للغاية، لكن كانت المفارقة هي أن هذا المكان الذي يفترض به أن يكون محطة علاجية، لم يكن أكثر من مسرح لعمليات القتل المنظم.

المشفى معروف باسم الشهيد يوسف العظمة، وبعد جمع كل التفاصيل التي توفرت لي عنه خلال عمل متواصل استمر قرابة تسعة أشهر من التصوير واللقاءات، ومثل هذه المدة للبحث أيضاً، صارت المواد التوثيقية المتوفرة لي كافية لكتابة رواية تعتبر وثيقة حقيقية.

 

– المفارقة هي في تحويل مكان من المفترض أن تكون مهمته مساعدة المرضى إلى مكان للقتل، ومن هنا جاء الشق الأول من العنوان، ماذا عن الشق الثاني “المحاكمات الإلهية” من أين جاء؟

هي الكلمة التي يرددها السجان دائماً من بينهم شخصية “أبو شاكوش”، كان أبو شاكوش يقيم محاكمات إلهية، أي عندما يحقق مع شخص كان يفترض بأن هذا الشخص مذنب بطريقة ما، وكانوا يقول له “حكمت عليك المحكمة الإلهية بالقتل” وهو يضربه حتى الموت بأساليب متعددة.

في الرواية مررت على هذه الأساليب بطريقة بعيدة عن جلد أنفسنا أو مجتمعنا، أي كان الهدف التركيز على حجم الكارثة بدون الخوض عميقاً في كل هذه التفاصيل البشعة، بمعنى آخر عندما تُعرض على الإعلام مواد فيها صور دماء وأشلاء فإن الجمهور أو المتلقي يحاول أن لا يشاهدها، لذلك عليك اختيار صورة لترميز الحقيقة البشعة.

بمعنى آخر، لا أستطيع أن أحكي عن مشهد يوثق إعدام 8 أشخاص بقضيب معدني، ولك أن تتخيل بشاعة هذا المشهد، وبالمقابل لا تستطيع إلا أن تحكي ما يجري، لكن بطريقة أدبية مهذبة نوعاً ما.

 

– هل أردت من خلال هذه الرواية التوثيق أم ماذا؟

ما أردته من خلال الرواية كان جواباً لسؤال كان يراودني دائماً، أنا من مواليد ثمانينيات القرن الماضي، ونحن أبناء هذا الجيل لدينا حلقة ضائعة ممتدة من العام 1976 إلى 1985، وهي مرحلة انتفاضة الإخوان وأحداث حماة والحراك الوطني الذي جرى في تلك الفترة.

ما صُدّر لنا من تلك الفترة أن الإخوان فقط هم من تحركوا في تلك الفترة، بينما الحقيقة تشير إلى أنه إلى جانب الإخوان كان هناك من يقود الحراك، حيث كانت البلاد تشهد إضرابات متواصلة، وكانت هناك نشاطات أيضاً لتيارات مدنية.

أي ما سمعناه لاحقاً لم يكن ذلك المشهد الذي نُقل لنا في المدارس، من حديث عن أداة للصهيونية أي الإخوان، رغم اختلافي فكرياً مع الإخوان ومع كل الجماعات الإسلامية الأخرى بكل ما تعنيه كلمة اختلاف من معنى، لكن لا يجوز تزوير التاريخ مهما كان هذا التاريخ بشعاً.

إذاً، فقداننا لهذه الحلقة دفعني لأن أوثق الأحداث التي نعيشها منذ عام 2011، ولو كنت قادراً على الكتابة عن كل التفاصيل التي نعيشها الآن لفعلت، وليس فقط عن 601، وقد أكتب لاحقاً عن تفاصيل أخرى سواء عبر الرواية أو من خلال الأفلام الوثائقية عن التغيير الديمغرافي الآن الذي يجري في سوريا، أي علينا حفظ كل تفاصيل هذه المرحلة من خلال تكريسها وتسجيلها لكن بطريقة الرسالة لأنفسنا وللعالم.

يومياً لدينا تقارير عن حقوق الإنسان نقرأها ومن ثم نضعها جانباً، بينما العمل الأدبي ومن خلال ما عرفناه كان الأكثر فاعلية في التوثيق، وعلى سبيل المثال لا الحصر، للآن نشاهد أفلاماً عن الحرب العالمية الثانية لماذا، لأن الحرب تأدبت أي دخلت عالم الأدب، بالتالي هذه رسالتنا الأوضح لنخبر العالم بحقيقة الذي يجري في سوريا، وهذا هو السبب الرئيس الذي دفعني لكتابة الرواية.

 

 

– إلى أي مدى أثرت تجربتك الشخصية السابقة بالمعتقل على سير الرواية، أو على جودة العمل الأدبي؟

اعتقلت في الفترة الممتدة بين آذار 2002 ونيسان 2004، بتهمة غبية جداً متعلقة بـ “الحط من نفسية الأمة”، كانت تجربة السجن تجربة غنية، دخلت السجن وعمري 20 عاماً، في السجن هناك عالم مختلف تماماً عن العالم الخارجي، زنازين تحت الأرض وتعذيب وخوازيق بقارورات البيرة، 40 سجينًا يعيشون في زنزانة بطول وعرض 2 متر بطريقة مهينة ومذلة، وكل ذلك كرّس لدي صورة، ولذلك أنا اليوم مثلاً قادر على التمييز بين الحقيقة التي يقولها الشهود وبين التهويل، إذاً تجربتي ساعدتني على التوثيق بدقة، لأن المعتقلات تتشابه وإن بفوارق بسيطة.

داخل السجن تعرفت على كثير من الأشخاص والقصص، منهم من قضوا تحت التعذيب، ومنهم من ما زالوا في المعتقل، وكثير من هؤلاء أثروا في شخصيتي، وتعلمت منهم الكثير من التفاصيل.

عندما دخلت السجن كنت طالباً في كلية الهندسة فرع هندسة الميكانيك، وعندما خرجت عملت بمجال الصحافة بعد أن تعلمتها داخل السجن، تعلمت أن أكتب على علب السجائر الفارغة.

 

– ما هي أكثر اللحظات التي ما زالت عالقة في ذاكرتك عن تلك التجربة؟

كثيرة هي المشاهد، غير أن أكثرها تأثيراً في فرع فلسطين مكان اعتقالي، هي صرخة ذلك الشاب الصغير أثناء التحقيق التي سمعتها بحكم قرب زنزانتي من مكاتب التحقيق، التي صرخها بعد أن تم تعذيبه بإرغامه على الجلوس فوق زجاجة البيرة الفارغة، كأن تلك الصرخة التي سكت بعدها سمعها كل العالم!

 

– على ذكر الكتابة، من منظورك هل يخدم تبني قضية ما في العمل الأدبي هذا النص ويرتقي به، أم العكس؟ أي هل تتحول القضية إلى عبء على النص، بالتالي هل كانت قضية المعتقلين ميزة لروايتك أم العكس؟

لا أخفيك سراً أن قضية المعتقلين هي عبء نفسي أكثر منها أدبي، بالنسبة لي كنت دائم التفكير بطريقة تطويع النص لخدمة قضية المعتقلين بشكل أفضل.

إن قضية المعتقلين قضية كبيرة وشائكة إلى درجة لا يمكن تخيلها، نتحدث عن نصف مليون سوري داخل المعتقلات، وكل واحد من بين هؤلاء هو رواية بحد ذاتها، لكن هل هي عبء على النص؟ بتصوري من الممكن أن تكون عبء على النص بالمعنى الأدبي الرائج والمعاصر.

بمعنى آخر، إن المطلوب اليوم أدب سهل وممتع فيه شيء من الخيال، لا أن تقرأ رواية عن حقائق بشعة من تعذيب وقتل، فغالباً القارئ لن يحبب هذا النوع.

 

– قرأنا من قبل روايات وقصص تحكي ما يجري بعض الفظائع التي ترتكب داخل السجون، من القوقعة إلى غيرها من أدب السجون، وهنا نسأل ماذا أضافت “601- المحاكمات الإلهية” إلى هذا النوع من الأدب؟

قرأت رواية القوقعة في وقت متأخر في العام 2014، وكنت حينها بصدد إجراء حوار إعلامي مع الأستاذ مصطفى خليفة كاتب العمل، وأثناء القراءة لم أكن غريباً على أحداث الرواية، وكذلك قرأت أعمال أدب سجون أخرى، والمشكلة أنه غالباً ما يكون نَفَس النص هو التأنيب للأشخاص في الخارج. أي دائماً ما يحمّل الكاتب مسؤولية ما يجري داخل السجن إلى من هم في خارجه، أي أن الكتّاب يقولون للمجتمع أنكم كنتم تعيشون حياتكم الطبيعية من دون أن تلتفتوا لنا، وهذا تراه بوضوح عند قراءتك على سبيل المثال رواية القوقعة، لأنك ستشعر بالذنب حتماً.

بالتالي ما حاولت العمل عليه في الرواية هو الابتعاد عن هذا، أي لم أحمّل المجتمع مسؤولية ما يجري، المجتمع اليوم حاول التغيير، وانتفض بما يكفي.

الرواية ومن خلال الفصول الثلاثة حاولت أن تنقل الحياة خارج السجن وداخله وصولاً إلى المشفى المحطة الأخيرة، بحيث تصل الرسالة التالية التي تقول أن كل السوريين داخل معتقل، ولو كانوا قادرين على التنقل فيما بين المحافظات.

عملياً نحن في سجن كبير، مغلق الحدود من دول الجوار والبحر، لكن عندما انتفض السوريون، تحول هذا المكان إلى بركان سيخرج تجربة مريرة عمرها نصف قرن، أي التجربة مع البعث.

 

 

 

– سبق وصرحت لوسائل إعلام بأن المستهدف من روايتك هو العالم العربي بالدرجة الأولى ومن ثم الجمهور الغربي، لماذا ركزت على الجمهور العربي أكثر من الغربي، علماً بأن العالم العربي لربما يدرك تماماً حقيقة ما يجري في سوريا، بالتالي أما كان من الأجدى التوجه للقارئ الغربي، وترجمة هذه الرواية إلى لغات أخرى؟

في العام 2013 وصلت فرنسا، وصادفت الكثير من العرب وخصوصاً من شمالي إفريقيا، وغالباً كان نقاشي معهم مبني على تصورهم المغلوط لما يجري، أي كانوا يتهمونا كمعارضة بأننا نكذب أو نزور الحقائق، أي من قبيل أن النظام لا يقتل شعبه، وإنما يقاتل الإرهاب، وحين يتعمق النقاش كان الحديث يتحول إلى زاوية أخرى، إلى الممانعة وأن الأسد يقف ضد إسرائيل وهو ممانع لمشاريعها.

إذاً هذا الآخر العربي لا يعرف من هم آل الأسد، ولا يعرف أيضاً حقيقة ما يجري في سوريا، وفوق كل ذلك يحملك مسؤولية ما جرى.

وبكل أسف أقول إن هؤلاء هم كثرة، وأضف عليهم الجمهور الأوروبي الذي يصنفك ضمن خيارين إما مع النظام أو مع تنظيم “داعش”.

 

– على من تقع مسؤولية ذلك؟

المسؤولية تقع على عاتق الإعلام أولاً، الإعلام الغربي والعربي أيضاَ موجه لرسائل محددة تخص مسائل محددة، على سبيل المثال خلال الحملة الأخيرة التي تعرضت لها حلب قبل انسحاب المعارضة عنها، لم تكتب الصحف الهولندية كلمة واحدة عن حملات القصف الوحشية ولم تأتِ على ذكر حلب. لماذا؟ لأن هذه الصحف أو الإعلام عموماً يتلقى أوامر محددة لأسباب لدى من يوجه هذه الوسائل.

ثانياً، باعتقادي أن المثقفين السوريين وخصوصاً في أوروبا يتحملون جانباً كبيراً من المسؤولية، ماذا عملوا لغاية الآن؟ للأسف لا شيء.

كان من الأجدى أن نخاطب الجميع بلغتهم، ومن هنا الرواية بصدد الترجمة إلى لغات عدة منها الهولندية لأن بطل الرواية الحقيقي يعيش هناك، ولاحقاً إلى الفرنسية والإنجليزية.

 

– ختاماً، هل كان الأدب الثوري السوري بحجم المأساة، ولماذا؟

هناك محاولات بأن يكون هناك أدب ثوري في سوريا، لكنها محاولات متواضعة بكل أسف قياساً بالمأساة التي نعيشها وبهذا الشتات الهائل في سوريا.

كل ما كتب وكل ما سيكتب فيما بعد سيبقى ضئيلاً أمام التضحيات التي قدمها الشعب السوري، نتحدث عن مليون شخص في عداد الضحايا، عن ملايين من المهجرين، نتحدث عن أرقام وكأنها أرقام عادية بسيطة.
نتحدث عن بلد ممزق من الداخل، لذلك ما كتب وما سيكتب سيبقى بسيطاً قياساً بالملحمة السورية.

شاهد أيضاً

العقيد خالد المطلق

العقيد خالد المطلق لـ”صدى الشام”: عدم نشر بنود اتفاق إدلب يوحي بنوايا مبيتة

رأى المحلل الاستراتيجي، العقيد خالد المطلق، أن لدى الروس تصور واضح لمستقبل اتفاق إدلب، محذرا …

الكاتب والإعلامي السوري أحمد الهواس

أحمد الهواس لـ”صدى الشام”: أفخاخ كثيرة أمام تنفيذ اتفاق “سوتشي” حول إدلب

عد الكاتب والإعلامي السوري، الدكتور أحمد الهواس، أي اتفاق توقعه روسيا في سوريا بأنه “اتفاق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *