الرئيسية / سياسي / سياسة / الحلّ برعاية روسيّة .. مماطلة في جنيف للوصول إلى سوتشي

الحلّ برعاية روسيّة .. مماطلة في جنيف للوصول إلى سوتشي

صدى الشام _ عدنان علي/

كما سابقاتها، انتهت المرحلة الأولى من الجولة الثامنة لمفاوضات جنيف دون نتائج محددة، على أن تُستأنف المرحلة الثانية في الخامس عشر من الشهر الجاري، وكان الأبرز في هذه الجولة تسليم المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا وثيقة قديمة معدلة لوفدي النظام والمعارضة تتعلق بشكل سوريا في المستقبل، على أن يتم في الأيام المقبلة مناقشة قضيتي الدستور والانتخابات، مع تجاهل قضية الانتقال السياسي التي تلحّ عليها المعارضة ويتجاهلها النظام والمبعوث الدولي.

وترافقت المفاوضات مع تصعيد ميداني لقوات النظام في الغوطة الشرقية حيث تحاول إبعاد مقاتلي المعارضة عن إدارة المركبات العسكرية في حرستا، إضافة إلى سعيها للوصول إلى مطار أبو الظهور جنوبي شرقي إدلب عبر فتح أكثر من معركة في ريف حلب الجنوبي وريف حماة الشرقي.

المسار البديل

بات من الواضح أن المماطلة هي التكتيك الذي يتبعه النظام بالتنسيق مع روسيا في جنيف سواء عبر الامتناع عن الحضور كما حصل في بداية الجولة الأخيرة، ومن ثم الامتناع عن حضور المرحلة الثانية من المفاوضات، أو في التهرب من بحث القضايا الجدية المتعلقة بالانتقال السياسي أو حتى البنود التي تطرحها روسيا عبر دي ميستورا والمتعلقة بالدستور والانتخابات، وذلك بهدف الوصول إلى حالة من الاستعصاء على هذا المسار تستدعي التفكير في مسار بديل، وهو مسار جاهز وتعمل عليه روسيا علناً، والمتمثل في مسار سوتشي الذي أعلنت المعارضة أنها لن تسير فيه، لكنّه إعلان يرى مراقبون أنه لا يمكن التعويل عليه كثيراً بالنظر إلى مواقف سابقة تراجعت فيها المعارضة عن مواقف معلنة من قبلها مثل مفاوضات أستانا التي قالت بداية أنها لن تحضرها، ثم ما لبثت أن انخرطت فيها تحت ضغوط الدول الحليفة لها، وهي الدول ذاتها المنخرطة حالياً في مسار سوتشي، وتحديداً تركيا والسعودية.

وإمعانًا في المماطلة رفض وفد نظام الأسد إجراء أية مفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة، ما اضطر المبعوث الدولي ومساعده رمزي رمزي إلى التنقل المستمر بين غرفتي النظام والمعارضة لإجراء مفاوضات غير مباشرة.

وكشف سفير نظام الأسد لدى روسيا، رياض حداد، عن الهدف الحقيقي لهذه المماطلة حين صرح لوكالة “سبوتنيك”  الروسية بأن مؤتمر “الحوار الوطني السوري” الذي تخطط موسكو لعقده في سوتشي سيكون “نقطة تحول في الملف السوري” مشيراً إلى أن هناك “عمل هائل لتحضيره، لذلك كلنا نعول على نتائج هذا الاجتماع”، في إشارة الى أن وفد النظام يماطل في جنيف ريثما يحين موعد مؤتمر سوتشي الذي لم يُحدد موعده بعد، والذي تأجل أكثر من مرة بسبب رفض المعارضة الانخراط فيه، ومطالبة الولايات المتحدة جميع الأطراف الالتزام بمرجعية المفاوضات المتمثلة في قرارات مجلس الأمن والمفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف.

تعديلات شكليّة

وفي تصريحاته المتتالية، أوضح دي ميستورا أن قضية “الرئاسة” (الانتقال السياسي ودور بشار الأسد) لم تطرح بعد خلال المفاوضات التي ستركز على صياغة “دستور جديد” وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، إضافة إلى 12 مبدأ أساسيًا تضمنتها الوثيقة التي وزعت على الجانبين.

وتعتبر الوثيقة نسخة معدلة عن وثيقة سابقة كان دي ميستورا قدمها للجانبين في آذار الماضي تتضمن بعض العناصر الجديدة مثل استخدامه مصطلح “الإدارات المحلية” بدلاً من اللامركزية، والعنصر الثاني هو إخراج مسمى الأقليات والإثنيات من الأكراد والتركمان والسريان الآشوريين، إضافة إلى طرح إمكانية استخدام اسم سوريا بدلاً من تسمية الجمهورية العربية السورية المعتمدة حتى الآن.

وقد سلم وفد المعارضة المبعوث الدولي رداً على وثيقته من 12 بنداً أيضاً تضمّن بعض التعديلات غير الجوهرية، بينما ينتظر تسلم ردّ من وفد النظام، والذي من غير المرجح أن يتضمن اعتراضات رئيسة على الوثيقة التي تُعتبر مبادئ عامة قد تحظى بقدر من التوافق بين وفدي النظام والمعارضة.

وتؤكد وثيقة دي ميستورا على “احترام والتزام كامل لسيادة واستقلال وسلامة ووحدة أراضي (الجمهورية العربية السورية) -الدولة السورية من حيث الأرض والشعب، وفي هذا الصدد، لا يمكن التنازل عن أي جزء من أجزاء الأراضي الوطنية، ويلتزم الشعب السوري بصفة كاملة باستعادة مرتفعات الجولان السورية المحتلة باستخدام الأساليب القانونية ووفقاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي”.

وفي رد المعارضة جرى استخدام كلمة سوريا بدل الخيارين اللذين وضعهما دي ميستورا، أي الدولة السورية والجمهورية العربية السورية، فيما يبدو أنها محاولة لاسترضاء المكونات الأخرى مثل الأكراد، التي تعترض على حصر اسم سورية بالعرب.

 

غير طائفية أم علمانية؟

وتتفق الوثيقة والرد على اعتبار سوريا دولة ديمقراطية غير طائفية، مع تجنب استخدام مصطلح “العلمانية” باعتبار أن مصطلح “غير الطائفي” منصوص عليه في قرار مجلس الأمن 2254 بينما مصطلح “علماني” غير منصوص عليه في الدستور السوري، والذي يحمل السمات العلمانية والدينية سواء بسواء، بحسب الحاشية الواردة في وثيقة دي ميستورا، والتي أكدت أن تحديد هذه المسألة يرجع إلى الجانب السوري وحده.

وبينما تتحدث وثيقة دي ميستورا عن “التزام الدولة بالوحدة الوطنية، والسلام الاجتماعي، والتنمية الشاملة والمتوازنة وفق التمثيل العادل في الإدارة المحلية”، يشير رد المعارضة صراحة إلى “اللامركزية الإدارية على أساس التنمية الشاملة والمتوازنة” وهو مصطلح لا يرقى إلى النظام الفيدرالي الذي تطالب به بعض الفئات مثل الأكراد، لكنه يشكل خطوة باتجاه توسيع السلطات المحلية للمحافظات وإعطائها قدراً أكبر من الصلاحيات بعيداً عن المركز.

وتتفق الوثيقتان على أن الشعب السوري وحده يملك حق تقرير مستقبل بلاده بالوسائل الديمقراطية، ومن خلال صناديق الاقتراع، واختيار النظام السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي الخاص به ومن دون الضغوط أو التدخلات الخارجية.

تحديد أدوار

وتؤكد الوثيقة والرد على “تحسين أداء الدولة والمؤسسات الحكومية، مع إجراء الإصلاحات عندما يلزم الأمر”، وبشأن الجيش والمؤسسات الأمنية تتحدث وثيقة دي ميستورا عن “إقامة جيش وطني قوي، وموحد، ومتّسم بالكفاءة يضطلع بواجباته بموجب الدستور، وتُحدد مهام الجيش في “حماية الحدود الوطنية، وحماية الشعب من التهديدات الخارجية والإرهاب، في ظل وجود أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية للمحافظة على الأمن القومي وفق سيادة القانون، والعمل بموجب الدستور، واحترام حقوق الإنسان، ويكون استخدام القوة حقاً حصرياً للمؤسسات الحكومية المعنية والمختصة”. ويضيف رد المعارضة في هذه النقطة عبارة أن يلتزم الجيش بالحياد السياسي، وضرورة “إعادة هيكلة وتشكيل المؤسسات الأمنية بحيث تكون مهمتها الحصرية صيانة الأمن الوطني وأمن المواطن، وتخضع للقانون وفق معايير احترام الحريات الأساسية وحقوق الإنسان وعدم تدخلها في حياة المواطنات والمواطنين اليومية، وحصر حق حيازة السلاح بأيدي مؤسسات الدولة المختصة”.

وتتحدث وثيقة دي ميستورا عن “احترام القيمة العالية للمجتمع السوري والهوية الوطنية، وتاريخ التنوع والمساهمات والقيم التي جلبتها كافة الأديان، والحضارات، والتقاليد إلى سوريا، بما في ذلك التعايش بين مختلف مكونات المجتمع، إلى جانب حماية الثقافة الوطنية، وتراث الأمة، وثقافتها المتنوعة”، بينما يذكر رد المعارضة صراحة ضرورة ضمان “الحقوق القومية للمكونات كافة من عرب وكرد وتركمان وسريان آشوريين وغيرهم بثقافاتهم ولغاتهم على أنها لغات وثقافات وطنية تمثل خلاصة تاريخ سوريا وحضارتها واعتبار القضية الكردية جزءاً من القضية السورية” مع تشديد على “إلغاء جميع السياسات التمييزية والاستثنائية التي مورست بحق الأكراد وغيرهم من السوريين وإعادة الجنسية للمجرّدين ومكتومي القيد من أبنائهم”.

 تصعيد ميداني

وترافقت المماطلة السياسية مع تصعيد ميداني من جانب النظام خاصة باتجاه الغوطتين الشرقية والغربية، واللتين تتعرضان لقصف عنيف جوي ومدفعي وصاروخي أوقع في الأيام الأخيرة عشرات القتلى والجرحى بين المدنيين، واستخدمت خلاله قوات النظام أكثر من مرة الكلور السام والقنابل العنقودية، لكنها عجزت بالرغم من التعزيزات الكبيرة التي استقدمتها من الفرقة الرابعة وعناصر الميليشيات عن إخراج مقاتلي المعارضة من إدارة المركبات قرب حرستا، حيث تدور هناك معارك يومية بين الجانبين، تكبدت خلال قوات النظام والميليشيات خسائر كبيرة في الارواح والمعدات.

ويتزامن القصف والمعارك مع تدهور الأحوال الصحية لقسم من المدنيين نتيجة نقص الغذاء وصعوبة إيصاله إلى المحاصرين داخل الغوطة، وتقول الأمم المتحدة إن ما يفترض أنها منطقة “خفض تصعيد” في الغوطة الشرقية تعيش حالة كارثية نتيجة الحصار.

كما تتواصل هجمة النظام على بعض بلدات الغوطة الغربية المحاصرة وخاصة بيت جن ومزرعتها، وكان التطور البارز في الأيام الاخيرة تمكُّن قوات المعارضة من إسقاط مروحية تابعة للنظام بالقرب من مزرعة بيت جن كانت تستهدف البلدة بالبراميل المتفجرة.

والتطور الآخر الذي شهده محيط دمشق تمثل في قصف إسرائيل بصواريخ بعيدة المدى لما قالت مصادر النظام إنه موقعان عسكريان في منطقة الكسوة جنوبي دمشق.

وقالت مصادر إسرائيلية إن القصف استهدف القاعدة العسكرية التي تبنيها إيران في منطقة الكسوة، إضافة إلى استهداف “اللواء 91” بمحيط بلدة كناكر.

ويأتي القصف الإسرائيلي كرسالة إلى إيران بعدم السماح لها إقامة قواعد عسكرية في سوريا، بحسب ما يؤكد مسؤولون إسرائيليون مراراً.

مواجهات على أكثر من جبهة

وفي وسط البلاد، تحاول قوات النظام والميليشيات المساندة لها تغيير الخريطة في ريفي حماة وحلب لصالحها بذات الطريقة التي اتبعتها في المدن والمناطق السورية الأخرى، خاصةً في المنطقة الشرقية، إلا أنها تصطدم بخطط عسكرية تتبعها فصائل المعارضة السورية.

وفتحت قوات النظام في الأيام الماضية محوراً جديداً في ريف حلب الجنوبي الشرقي، إلى جانب المحور الذي تسير فيه قواته في ريف حماة الشمالي والشرقي، في خطوة تسعى من ورائها للوصول إلى مطار أبو الضهور العسكري الاستراتيجي في ريف إدلب الجنوبي.

ويتزامن تقدم قوات النظام في المنطقة مع غارات جوية مكثفة من الطيران الروسي على كل من مناطق “الرهجان، الحمدانية، الجنينة، وزغبر”، وهو الأمر الذي أجبر مئات العائلات بالمنطقة على النزوح للمناطق الأكثر أمناً في ريف مدينة إدلب.

ولاحظ مراقبون أنه كان للصواريخ الأمريكية الموجهة “تاو” الدور الأبرز في صد محاولات تقدم قوات النظام، إذ اعتمدت عليها فصائل المعارضة السورية بشكل أساسي، وساعدتها طبيعة المنطقة الجغرافية التي تحاول قوات النظام التوغل من خلالها.

وتقاتل “هيئة تحرير الشام” في المنطقة إلى جانب فصائل “الجيش الحر” المتمثلة بـ “جيش النصر”، “جيش العزة”، و”جيش إدلب الحر”.

وتحاول قوات النظام التوغل في عمق المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في ريف إدلب الشرقي، وصولاً لمطار أبو الضهور التي يفصلها عنه حوالي 28 كيلومتراً.

ولا تنفصل المواجهات جنوبي حلب عن نظيرتها في ريف حماة الشرقي فالهدف واحد هو المطار العسكري، وتخوض فصائل المعارضة هنا معركتين؛ الأولى ضد قوات النظام والميليشيات المساندة لها، والثانية ضد تنظيم “داعش” الذي يحاول التوغل أيضاً داخل الحدود الإدارية لمحافظة إدلب.

وفي شرقي البلاد، تمكن التنظيم من استعادة السيطرة على أجزاء واسعة من مدينة البوكمال شرقي المحافظة، وإجبار قوات النظام والميليشيات على الانسحاب إلى أطراف المدينة، حيث تدور الاشتباكات بين الطرفين في منطقة العشاير بريف مدينة البوكمال الغربي.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

قرار أممي ينهي العزلة عن دمشق ويفتح مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي

أنهى مجلس الأمن الدولي واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً حين صوّت بأغلبية 14 دولة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *