صحيفة الحياة /
تسعى مدينة ستراسبورغ (شرق فرنسا) التي تضم الكثير من المؤسسات الأوروبية، وفِي مقدّمها البرلمان الأوروبي، إلى أن تكون أيضاً عاصمة للفنون الأوروبية ومنها الفنون المعاصرة. ضمن هذا التوجه، أسس عام 1998 متحف مخصص للفنون الحديثة والمعاصرة، كما أسس مركز لتشجيع الفن المعاصر تقام فيه، منذ عام 1995، المعارض لفنانين من جنسيات مختلفة.
ويوفر هذا المركز أيضاً الإقامة لبعض الفنّانين والعمل في محترفاته. أما معرض سوق الفن الحديث المعروف باسم «ستارت» فهو ينظم سنوياً منذ عشرين عاماً، وتشارك فيه صالات عرض من فرنسا ومختلف الدول الأوروبية.
وقد أتيحت لنا زيارة هذا المعرض الذي شاركت فيه هذا العام أكثر من مئة صالة عرض من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وسويسرا وبلجيكا وألمانيا، وهو من المعارض التي تبرز الدور الذي تؤديه صالات العرض في تكريس الفنانين من جهة، وإطلاق أسماء ومواهب جديدة جهة ثانية. و»مثلما أنّ هناك تنافساً بين الأندية الرياضية في استقطاب اللاعبين الكبار، هناك أيضاً تنافس بين صلات العرض في علاقتها مع الفنانين»، على حد تعبير الناقد الفني والإعلامي الفرنسي هنري فرنسوا دوبايو، أحد المشرفين على المعرض.
تقام سنوياً عشرات المعارض المخصصة لصالات العرض الخاصة في الدول الأوروبية، وهذا ما يشكل تحدياً كبيرا في هذا المضمار من أجل تأمين الاستمرار. غير أن ستراسبورغ نجحت في رهانها، ويرجع ذلك إلى عوامل عدة منها أولاً الموقع الجغرافي، والقرب من ألمانيا، والتاريخ المشترك مع هذا البلد. وإضافة إلى ذلك، فإن المدينة معروفة بمؤسساتها الأوروبية، كما أشرنا، وهي أيضاً مدينة جامعية وسياحية ومركز اقتصادي حيوي يستقطب الكثيرين من ألمانيا وسويسرا. وبفضل سياسة الانفتاح على الفنون التي تبنتها الجهات الرسمية المتعاقبة صار لمعرض «ستارت» حضوره المميز. وهو لا يكتفي بدعوة صالات العرض الصغيرة والكبيرة، بل يكرم كل عام مؤسسة فنية. في العام الماضي، حلت «مؤسسة ماغ» ضيفة شرف.
وهذه المؤسسة معروفة منذ أكثر من نصف قرن باحتضانها لأشهر فناني القرن العشرين، ومنهم ميرو وجياكوميتي وكاندينسكي وبراك. أما هذا العام فيكرم المعرض مؤسسة «Venet Foundation» التي أسست عام 2014 في الجنوب الفرنسي وتعرض الأعمال الفنية المعاصرة في قلب الطبيعة المتوسطية، وتركز على المنحوتات التجريدية المستوحاة من حركة الكون وعناصر الطبيعة.
تتعدد الأعمال المعروضة وتتنوع، بعضها لفنانين راحلين مكرسين عالمياً تُباع أعمالهم بأغلى الأسعار في البورصة الفنية، كما مع غاليري «كالديرون» التي تعرض أعمالاً لبيكاسو ومارك شاغال وفرنسيس بايكون. وهناك بالطبع أعمال الفنانين الأحياء الحاضرين بقوة في الساحة الفنية كالفرنسي داميان كابان الذي ينحت ويرسم وتقتني أعماله المتاحف والمجموعات الخاصة.
وتطل أيضاً بعض الأسماء القادمة من العالم العربي، ومنها فنان جزائري يوقع باسم «الرجل الأصفر»، وهو يعرض لدى «غاليري نورتي Norty» ويتمتع اليوم بشهرة في فرنسا وأوروبا حيث يشارك في العديد من المعارض الجماعية المخصصة للفن المعاصر وتتحدث عنه بإعجاب الصحافة الفرنسية. اسمه الحقيقي ياسر عمار وهو لم يتجاوز الثلاثين من العمر. تتميز أعماله بنهلها المباشر من الواقع الاجتماعي والسياسي في الجزائر، وباللون الأصفر الذي اختاره ليلوّن به شخصياته الساخرة، ولهذا السبب اختار أن يكون اسمه المستعار «الرجل الأصفر»، وهو توقيعه الذي يطالعنا على أعماله باللغتين العربية والفرنسية. وثمة إجماع اليوم على أن هذه الأعمال تتمتع بموقع خاص ومتميز في المشهد التشكيلي الجزائري وتمدّه بقوّة دفع جديدة.
«سوق الفنّ المعاصر» في ستراسبورغ يختصر، إلى حدّ كبير، واقع الفنون في تحولاتها وتطلعاتها الجديدة، ولا تنحصر أهميته في المجال الفني والثقافي، بل تذهب أبعد من ذلك، وتنعكس على التنمية وما تحرّكه في دورة الاقتصاد والانفتاح بين الثقافات المختلفة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث