الرئيسية / تحقيقات / لا خلاص من الأفرع الأمنيّة إلا بدفع المال للسماسرة .. تشابه الأسماء ..جريمة مستمرّة تحت بند “الخطأ”

لا خلاص من الأفرع الأمنيّة إلا بدفع المال للسماسرة .. تشابه الأسماء ..جريمة مستمرّة تحت بند “الخطأ”

صدى الشام- عمار الحلبي/

في إحدى حلقات المسلسل السوري الكوميدي الساخر “حديث المرايا” التي بُثّت عام 2002 وتحمل اسم “تشويه سمعة” كان البطل “زكي عبدو فلفلة” قد اعتُقل أكثر من 10 مرّات من منزله، من قبل جميع الأفرع الأمنية، وذلك بسبب تشابه اسمه مع اسم أحد المطلوبين.

في ذلك العمل الدرامي كان البطل “فلفلة” (الذي تقمّص دوره الفنّان السوري “ياسر العظمة”) يعتقد في كل مرّة يتعرّض فيها للاعتقال أن المشكلة قد حُلّت بعد دخوله الفرع وتعرّضه للضرب ليتم اكتشاف تشابه الأسماء، ولكن مع استمرار عناصر الأفرع الأمنية بطرق باب منزله أدرك أنه لا بد من تعرّضه للاعتقال من قبل جميع أفرع أمن سوريا، ليشطب اسمه منها بعد الاعتقال وذلك حتّى يصبح مواطناً مرضياً عنه، لذا فقد قام بإعداد لائحة بأسماء جميع الأفرع وبدأ يشطب اسم كل فرع داهم منزله.

حكاية “فلفلة” التي خرجت من رحم الدراما والخيال ليست سوى نموذج لحكايات كثيرة عانى منها السوريون على أرض الواقع، وعقب اندلاع الثورة في سوريا، والتي أدّت إلى زيادة نشاط أجهزة النظام الأمنية لترفع مئات الآلاف من السوريين على لوائحها للاعتقال.

على هذا الأساس بات هاجس “تشابه الأسماء” يطارد السوريين داخل بلدهم، بعد أن أصبحت “أخطاء” النظام مبررة بذرائع عديدة خصوصاً مع تصدّر الشعارات الوطنية المترافقة مع فكرة القضاء على “الإرهاب” للمشهد.

في طابور الخبز

ما زالت مشكلة تشابه الأسماء تشكّل “فوبيا” لدى جميع السوريين، ولا سيما ممّن يمتلكون أسماءً منتشرة ومتداولة بشكلٍ كبير، حتى بات بعضٌ من هؤلاء يشعر بأنه هدف لعمليات الاعتقال والتنكيل طالما أن حكم عائلة الأسد قائم ومستمرّ.

ويعود تاريخ هذه الظاهرة إلى ما قبل اندلاع الثورة السوريّة وبسببها قد يذهب الإنسان ضحية “خطأ” مقصود أو غير مقصود، ذلك أنه من غير المستغرب لجوء النظام لهذه الطريقة للإيقاع بالمطلوبين بقضايا جنائية أو سياسيّة، وبالمحصلة وأياً كانت المقدمات والدوافع فيكفي في “سوريا الأسد” أن يكون اسمك مشابهاً لاسم أحد المتهمين حتّى تعيش أنت وهو “وحدة حال ومصير”، وتعيش تفاصيل حياته حتى وإن لم تكن تعرفه أو لم تسمع به من قبل، وكمثال على ذلك يمكن أن تضطرّك هكذا ظروف للامتناع عن المرور على الحواجز والنقاط الأمنية، والعزوف عن زيارة المؤسسات الحكومية ومحاولة التواري عن الأنظار وعدم ارتكاب أي تصرّف يلفت الانتباه إليه.

على هذا الحال أمضى داني “اسم مستعار” الذي يعيش في مدينة حمص، فترة من حياته، وبقي يعاني مدّة أربع أشهر قبل أن يتم القبض عليه في أواخر عام 2012.

يقول داني لـ “صدى الشام”: “حين مررتُ على أحد الحواجز العسكرية أوقفني وطلب مني الانتظار، قبل أن يعود بعد دقائق ويخبرني أن هناك مطلوب أمني يحمل نفس اسمي وكنيتي، مع اختلاف بقيّة المعلومات بما في ذلك اسمي الوالدين ومكان وتاريخ الولادة والرقم الوطني ومعلومات لون الوجه والعيون”.

ويضيف أن العسكري على الحاجز كان متفهّماً للأمر وطلب منه المغادرة ونصحه بأن يقوم بمراجعة “الأمن السياسي” لتسوية وضعه، ولكن الشاب تراجع عن هذه الفكرة بعد أن علم من معارفه بأن دخوله إلى ذلك “الفرع” لتصحيح الخطأ “ليس أمراً سهلاً، وأنه من المرجّح أن يتم احتجازه”.

استمر الشاب يتنقّل في أحياء حمص مثل “اللصوص” ممن ارتكبوا جرماً كبيراً، وفي أوقات التشديد الأمني كان يمتنع عن الخروج من المنزل نهائياً، كما أحجم عن فكرة السفر إلى دمشق لتقديم امتحاناته، غير أن كل هذه الإجراءات لم تكن كافية، ففي النهاية تمّ القبض عليه في مدينة حمص بينما كان على طابور الانتظار لشراء الخبز.

تسوية الوضع لا تنفع

سوّى فيّاض 39 عاماً وضعه، بعد أن كان قد اعتُقل سابقاً بسبب تشابه أسماء في مطلع عام 2017 الجاري، لكنَّ تسوية وضعه لم تنهِ مشكلة تشابه اسمه مع اسم مطلوب آخر لا يعرف عنه أية معلومة ولا حتّى سبب طلبه.

وبعد أن دفع مئة وخمسين ألف ليرة لسمسار مقابل إصلاح الخطأ وشطب اسمه من قوائم المطلوبين في فرع الأمن العسكري، فوجئ بأن حاجزاً لأمن الدولة اعتقله في شهر أيار الماضي في العاصمة السورية دمشق، ليتّضح أن شطب الاسم من فرع لا يعني أنّه شُطب من بقيّة الأفرع، ولا سيما أن النظام الإلكتروني الأمني يعمّم اسم المطلوب لفرعٍ ما على بقية الأفرع.

وخلال أربعة أشهر أمضاها فيّاض داخل الفرع تعرّض للضرب والتعذيب والإهانة، واستغرق الأمر ثلاثة أشهر بحالها ليكتشف الفرع وجود مشكلة تشابه الأسماء، عن طريق التدقيق واتضاح اختلاف اسم الأم.

وعلى الرغم من معرفة عناصر أمن النظام طول تلك الفترة بعدم وجود أي مشكلة مثبتة ضدّه، إلّا أنهم كانوا يعاملونه خلال الخروج من الفرع كالمجرم الذي ارتكب فظائع، “خلال الإفراج عني كان المحقّق يأمرني بعدم تكرار فعلتي وأنا أردّد بأنني لن أكرّر الفعلة التي لا أعرف ما هي تحديداً ولكن كان كل تركيزي منصبّاً على الخروج من الفرع”.

اتّجه فيّاض إلى دفع الأموال للسماسرة وذلك مقابل محو اسمه من قوائم بقيّة الأفرع الأمنية لأنّه لا يضمن ألّا يُعتقل مجدّداً من فرعٍ ثالث أو رابع.

وعلى غرار فيّاض فإن كثيراً من السوريين اعتُقلوا بتهم تشابه الأسماء، إلّا أن مصير بعضهم كان الموت تحت التعذيب أو السجن لسنوات في أقبية وأفرع أمن النظام، وذلك بسبب الوحشية فضلاً عن العشوائية داخلها والتي لا تخوّل المحقّق التأكد من حالة الموقوف أو المتهم، إذ لا يوجد هناك إلّا الضرب والتعذيب والإهانة، وفقاً لفيّاض.

إجراءات غير مفيدة

بعد 40 عاماً على حكم الأسدين الأب والابن، وسبع سنوات من الثورة، وما شهدته كل هذه الفترة تنكيل بالسوريين  بداعي “تشابه الأسماء”، بدأ النظام بابتداع حلول خلّبية ليس من شأنها أن تؤدّي إلى حل هذه المشكلة.

ورصدت “صدى الشام” عدّة إجراءات اتخذها النظام ليُظهر أنه يعمل على حل هذه المشكلة لكن هذه الإجراءات لم تكن مجدية على أرض الواقع.

وقبل أيام، أصدر وزير الداخلية في حكومة نظام الأسد قراراً يقضي بمنع إصدار مذكرات بحث بناءً على الاسم الثنائي فقط، وإصدارها بالاسم الثلاثي للشخص المطلوب، وذلك لمنع حوادث تشابه الأسماء.

ونقلت صحيفة “الوطن” الموالية للنظام عن الشعار خلال حضوره اجتماع لجنة الموازنة والحسابات إعلانه عن “عقد اجتماعات مع الجهات المختصة لمعالجة وضع مذكرات البحث الحالية، وذلك لبيان إن كان هناك مذكرات لأشخاص على الاسم الثنائي فقط”.

وقال الشعار: “إن الحواجز تتقلص في مناطق النظام، وذلك تبعاً لتحسن الوضع الأمني” حسب تعبيره، موضحاً أنه يتم بحث وضع هذه الحواجز باستمرار مع “الجهات المختصة” إضافةً لضرورة إبقاء بعضها.

ويُعتبر هذا الإجراء غير مجدٍ، وإن كان من شأنه أن يقلّص عدد ضحايا “تشابه الاسماء” فإنّه حتماً لا يقضي على هذه الظاهرة.

ويرجع ذلك إلى وجود عدد كبير من المطلوبين الذين تتشابه أسماؤهم وأسماء أهاليهم مع سوريين آخرين أبرياء، ولا يقتصر الأمر في هذه الحالات على اسم الشخص وكنيته بل اسم أحد والديه في بعض الأحيان.

وقبل إعلان الشعار، كانت الإدارة العامة للأمن الجنائي التابعة للنظام قد ادعت أنّها حلّت مشكلة تشابه الأسماء وذلك في تموز الفائت.

وقال العقيد بسام سليم رئيس فرع التسجيل الجنائي في إدارة الأمن الجنائي التابعة للنظام: “تم حل مشكلة اعتقال أبرياء لمجرد تشابه أسمائهم مع آخرين متورطين بقضايا مخالفة لقوانين النظام”،  وأضاف سليم، أنّه “ترد يومياً قضايا لأشخاص تم توقيفهم بسبب تشابه الأسماء، ولحل التشابكات والإشكاليات العائدة لمشكلة تشابه الأسماء بادرنا إلى إنشاء بوابة وربطها مع الشؤون المدنية”.

وأوضح أن “البوابة عبارة عن أسماء المواطنين السوريين، إضافة إلى بوابة للمواطنين الفلسطينيين، حيث توجد معلومات مفصلة عن كل مواطن تتضمن قيده، ونقوم بمقارنة المعلومات الموجودة على الحاسب مع بيانات الشؤون المدنية ويتم التدقيق والمعالجة بحسب الأصول، وهذا يعالج مواضيع تشابه الأسماء بوقت أقل وسرعة أكبر”.

وبيّن أن “العملية تجري من خلال مقارنة المعلومات الموجودة على الحاسب، مع بيانات الشؤون المدنية والتدقيق والمعالجة وفق الأصول”، لافتاً إلى أنّ هذه الطريقة سوف تُعالج مواضيع تشابه الأسماء بوقت أقل وسرعة أكبر، وأنه تم تزويد الفرع بحواسيب إضافية لإنجاز العمل والسرعة “.

وأكمل: “يُطلب من المحكمة تزويد الأمن الجنائي بصورة عن برقية إذاعة البحث المؤتمتة حاسوبياً، أو صورة عن مذكرة الحكم للمطلوبين، وتجري العملية بموجب “نشرات شرطية” تُرسل إلى القضاء للبت في الموضوع والمعالجة”.

غير أن صعوبة التواصل بين بوّابات الشؤون المدنية وعناصر النظام على الحواجز الذين يُوصفون بالمزاجية جعل نتائج هذه الإجراءات “صفراً” ولم تصل إلى ضبط هذه الظاهرة بالحد الأدنى، ولا سيما مع تصريحات وزير الداخلية محمد الشعار، والتي أثبتت أن المشكلة لم تُحل.

نصر إعلامي

“حتّى لو افترضنا أن هذه الإجراءات سليمة تماماً وسوف تحل مشكلة تشابه الأسماء إلى غير رجعة.. فلماذا أصدرها النظام اليوم؟ وماذا كان ينتظر؟”. بهذه التساؤلات استهلّ المحامي أحمد سلطان المقيم في الداخل السوري لـ “صدى الشام”. وقال سلطان: “إن النظام السوري اعتقل مئات الآلاف من المدنيين نسبة كبيرة منهم ماتوا تحت التعذيب ولا يعرفون ما هي التهمة الموجّهة لهم ما يعكس وحشية أجهزة النظام الأمنية”.

وأضاف أنه بعد كل هذه السنوات، سواء ما سبق الثورة منها أو ما جاء بعدها والتي شهدت اعتقال عدد كبير من المدنيين، يأتي النظام لاقتراح حلول للمشاكل الأمنية، معتبراً هذا الأمر غير منطقي لأن “الأولى في عمليات التكفير عن الذنب هو تعويض الضحية الأمر الذي لم يحدث”.

واعتبر سلطان، أن النظام يحاول من خلال هذه الخطوة تبييض صورته الأمنية السيئة أمام المحاكم العالمية والمجتمع الدولي، ليقدّم نفسه “نموذجاً للعادل الذي لا يرتاح إذا كان هناك مدنيّ واحد مظلوم على أراضيه”، وقال: “إن هذه السياسة لم تعد مجدية بسبب إدانة النظام عالمياً بتعذيب المعتقلين حتّى الموت”.

وسخر المحامي من هذه الإجراءات التي تتّخدها وزارة الداخلية، قائلاً: “اليوم وبعد لجوء ونزوح ملايين السوريين إلى دولٍ أخرى، لم يعد هناك أي داعٍ لهذه الإجراءات، لأنه وبسبب الأسماء المتشابهة هاجر هؤلاء أو هم قابعون داخل الأفرع الأمنية”، واعتبر أن النظام يحاول “شراء نصر إعلامي وتقديم نفسه بصورة دولة القانون القائمة على العدالة الاجتماعية والمساءلة، متناسياً القبضة الأمنية الشرسة التي يحكم بها المناطق السورية”.

سمسرة

وفضلاً عن مشكلة تشابه الأسماء وما تسبّبه لأصحابها، فإن هذه الظاهرة فتحت باباً لارتزاق السماسرة الذين يتعاونون مع الأفرع الأمنية للحصول على الأموال مقابل إزالة الأسماء.

وأكّد أكثر من شخص تحدث لـ “صدى الشام” ممن عاشوا معاناة “تشابه الأسماء” أن السماسرة كانوا مُتاحين أمامهم لحلّ المشكلة وأنه لم يكن هناك حل دون دفع الأموال الطائلة التي يطلبها هؤلاء.

وتتعاظم مأساة الضحايا مع اكتشافهم بعد الدفع في المرة الأولى أن عليهم تكرار الأمر ذاته لشطب أسمائهم من كل فرع أمني على حده، أي أنّه في حال أوقعتك الأقدار في معضلة من هذا النوع وأصبحتَ شخصاً مطلوباً لكونك تحمل اسم أحدهم في سوريا، فإن عليك دفع الملايين وتوزيعها بين الأفرع الأمنية المختلفة أو أن تبقى رهن الاعتقال والذي لا تُعرف مدّته ونتيجته.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *