الرئيسية / تحقيقات / عَين النظام على جيوب المغتربين ..قرارات “بدل الخدمة العسكرية” تستهدف أموال وأملاك السوريّين

عَين النظام على جيوب المغتربين ..قرارات “بدل الخدمة العسكرية” تستهدف أموال وأملاك السوريّين

صدى الشام- عمار الحلبي/

لم يترك نظام الأسد ثغرة أو فرصة تمكّنه من انتزاع الأموال من جيوب السوريين إلّا ولجأ إليها، في محاولةٍ منه لتعويض خسائره الناتجة عن عوامل عديدة في مقدمتها العقوبات الغربية، فضلاً عن سعيه لتمويل آلته العسكرية باهظة الكلفة.

ومن هذه المجالات التي استثمرها النظام واستطاع تجييرها لمصالحه هناك “بدل الخدمة العسكرية” الذي تلاعب فيه النظام على مدى سنوات الثورة وفق أهوائه، لينتهي الأمر بشروط قاسية جعلت الشباب السوريين مضطرين لدفع كل ما يملكون من مدّخرات مقابل الهروب من الخدمة التي تنتهي بالموت أو الإعاقة في معظم الأحيان.

ويُظهر الواقع الحالي للنزاع في سوريا أن النظام لم يعد بحاجةٍ إلى أي خزّان بشري للقتال معه، فالميليشيات اللبنانية والعراقية والإيرانية والأفعانية، فضلاً عن الخبرات العسكرية الروسية قد حقّقت اكتفاءاً له بدرجة كبيرة لخوض ما بقي من المعارك في سوريا. وبالتالي فإن التشديد في القوانين المتعاقبة الخاصة بالخدمة الإلزامية لا يمكن تأويله إلا من منطلق اقتصادي بحت.

قفزات

المُتابع لقرارات النظام المتعاقبة حول البدل النقدي، يتأكّد تماماً من أن الهدف يتركز على الجانب المادي، حتّى بات النظام وكأنه يخاطب الشباب السوري بالقول “إدفع أموالك لتنجو بحياتك”، فمع مرور الوقت سنّت حكومة النظام عدّة قوانين للبدل العسكري والتأجيل للمغترب، يتضّح فيها هدف واحد وهو تحقيق الكسب المادي وجني الأموال، ولا يوجد أي مبرّر آخر لذلك.

في عام 2011، حدّد نظام الأسد بدل الخدمة الإلزامية للمغتربين بمبلغ قدره 5 آلاف دولار أمريكي يُضاف إليه شرط الاغتراب مدّة خمس سنوات. وبعد عامين، وتحديداً في الثامن والعشرين من شهر أيار عام 2013، رفع بشار الأسد هذا الرقم إلى 15 ألف دولار أمريكي، وذلك وفقاً لمرسوم أصدره يقضي بتعديل المادة 13 من المرسوم التشريعي رقم 30، حيث استغلّ النظام حينها العمليات العسكرية وهروب السوريين من الخدمة الإلزامية، ليرفع هذا الرقم ويحقّق مبالغ طائلة لخزينته منها.

ولكن ومع استحالة دفع رقمٍ كهذا نظرياً على أي شخص سواء كان داخل البلاد أو مغترباً عنها، عاد النظام وحدّد البدل بـ 8 آلاف دولار أمريكي، ولا يزال الرقم ثابتاً حتّى الآن. ويمكن القول أنه من خلال القفزات في المبالغ التي يقوم النظام بفرضها فهو يحاول زيادة المكسب إلى أكبر حدٍّ ممكن دون الاكتراث بحال السوريين.

تكاليف وعقوبات

البدل النقدي هو مبلغ مالي يدفعه المواطن السوري المغترب عن البلاد “في سنّ التكليف” أي أنّه ينطبق على المغتربين الذين هم خارج سوريا وتتراوح أعمارهم بين 18 – 42 عاماً، وفي حال تجاوز الشخص الـ 42 من العمر ولم يخدم يتم إعفاؤه لأنَّه لم يعد ينطبق عليه هذا القانون.
ولكن النظام لم يتوقف هنا بل طالت قرارته من هم فوق سن الـ 42 عاماً، إذ أقر “مجلس الشعب” الأسبوع الماضي قانوناً خاصاً عدّل بموجبه المادتين 74 و97 من قانون خدمة العلم الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 30 لعام 2007 وتعديلاته.‏‏

وبموجب القانون الجديد بات على من تفوته “الخدمة الإلزامية” بسبب تخطيه السن القانونية (42 عام)، أن يدفع ما يسمى بدل فوات خدمة مقداره 8 آلاف دولار، حيث يقول النص المعدل: “يلزم من يتجاوز عمره السن المحددة للتكليف بالخدمة الإلزامية ولم يؤدها لغير أسباب الإعفاء أو التأجيل المنصوص عليها في هذا القانون بدفع بدل فوات الخدمة بمبلغ وقدره ثمانية آلاف دولار أمريكي أو ما يعادلها بالليرة السورية حسب سعر الصرف الصادر عن مصرف سورية المركزي بتاريخ الدفع وذلك خلال ثلاثة أشهر تبدأ من اليوم التالي لتجاوزه السن المحددة للتكليف”.

وقضى التعديل الجديد بوجوب تسديد بدل فوات الخدمة “كاملا”، وأن “لا يخفض في حال وجود مدد من الخدمة الإلزامية مؤداة سابقا”، في إشارة إلى ما كان يعرف بالتدريب الجامعي، والذي كانت تأديته تُحتسب 6 شهور في الخدمة الإلزامية لاحقاً.

ووفقاً للتعديل الذي أقره “مجلس الشعب” التابع للنظام، فإن قرار التكليف بدفع بدل فوات الخدمة يتوجب أن يصدر خلال شهرين من تجاوز المكلف السن المحددة للتكليف.‏‏

ولم يكتف مشرّعو “مجلس الشعب” بذلك، بل عمد إلى إقرار عقوبة الحبس لمدة سنة واحدة بحق “المكلف الذي تجاوز السن المحددة للتكليف ولم يبادر بنفسه أو بواسطة وكيله أو أحد ذويه إلى تسديد قيمة بدل فوات الخدمة خلال ثلاثة أشهر تبدأ من اليوم التالي لتجاوزه السن المحددة للتكليف”.

ووفقاً للتعديل: “يلزم من تجاوز السن المحددة للتكليف بدفع مبلغ 200 دولار أمريكي عن كل سنة تأخير في التسديد، تبدأ من اليوم التالي لانقضاء المهلة المحددة على ألا يتجاوز مجموع غرامات التأخير ألفي دولار أو ما يعادلها بالليرة السورية حسب سعر الصرف ويعتبر أي تأخير بالدفع في جزء من السنة سنة كاملة”.

السلاح الأخير

يمتلك “أبو إياد” منزلاً في حي الزاهرة القديمة في العاصمة السورية دمشق، قد بلغ هذا الرجل 49 من العمر، وهو متزوّج ولديه أربع أولاد ويعمل في تمديد الكهرباء.
غادر أبو إياد سوريا وعاد إليها بعد أن تجاوز عمره الـ 42 عاماً، واستقرّ في العاصمة مع عائلته، ونسي أمر الخدمة العسكرية تماماً، إلّا أن التعديلات الأخيرة التي أصدرها النظام نسفت كلّ حسابات أبو إياد، وباتت عائلته اليوم مهدّدة بغياب معيلها الوحيد.

وتتمثّل الفقرة الأخطر من تعديل النظام الأخير بإعطائه السلطات التنفيذية التابعة له صلاحية الاستيلاء على أملاك السوريين المستنكفين عن دفع “بدل فوات الخدمة”. وجاء في القانون: “يلقى الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمكلفين بالدفع، الذين امتنعوا عن تسديد بدل فوات الخدمة ضمن المهلة المحددة السابقة بقرار من وزير المالية”، وهو ما يعني فتح باب واسع من أبواب ابتزاز السوريين، وتخييرهم بين دفع الأموال للنظام أو تحمل تبعات السطو على أموالهم وأملاكهم.

يرى المحامي أحمد سلطان المقيم في ريف حلب أن “قرارات النظام الأخيرة ليست اعتباطية وإنّما تصبّ جميعها في خانة واحدة وهي أنه لكي تعيش في مناطق النظام يجب أن يتم تجريدك من حرّيتك ومن كرامتك وحتّى من أموالك”.

ويضيف متحدّثاً لـ “صدى الشام” أن النظام بعدما أقرّ البدل العادي بقيمة ثمانية آلاف دولار أمريكي، قام برفع كفالة السفر للمكلّفين للخدمة العسكرية لتصبح 300 دولار أمريكي بدلاً من 4 دولار “2000 ليرة سورية.
ويشير المحامي إلى أنَّ النظام يحاول حتّى اليوم خلق تواصل مع السوريين المسافرين، ليس بهدف ضمان عودتهم لبناء البلاد وإنّما بهدف سحب كل ما يمكن سحبه من أموالهم، ولا سيما رسوم التأجيل العسكري على سند الإقامة الذي يتطلّب دفع 200 دولار أمريكي للسفارة أو القنصلية السورية سنوياً.

واعتبر أن كل هذه المعطيات بما في ذلك القرار الأخير تُشير إلى أن النظام يبحث في جميع الثغرات المتاحة أمامه ويفنّدها ليتمكّن من تحصيل أي منفعة مادية من خلالها على حساب السوريين.

وتعليقاً على سلطان القرار الأخير أظهر أن النظام “مضى بخطّة ذكية مع من لم يؤدّوا الخدمة العسكرية وتجاوزا سن 42 عاماً”، مضيفاً أن “معظم الشباب عندما يصلون إلى هذه المرحلة العمرية، فإنّهم يكونون قد استقرّوا في حياتهم وأسّسوا لها، ولديهم بعض الأصول الملموسة سواء كانت عقارات على الأرض أو أموال منقولة أو حتّى سيولة في يدهم”، وأوضح أن استهداف هذه الشريحة تحديداً جاء لغاية ماديّة بحتة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لأنه لا جدوى من ملاحقتهم كونهم لم يعودوا مؤهّلين لحمل السلاح، وبالتالي قرّر النظام انتزاع أموالهم التي جمعوها خلال سفرهم خارج البلاد سابقاً أو حتّى داخلها.

بدل داخلي

لو فرضنا أن هؤلاء المدنيين الذين تجاوزوا سن 42 عاماً كانوا قادرين على حمل السلاح والمشاركة في الدفاع عن النظام، فهل سيستخدمهم النظام في المعارك؟ يجيب سلطان بـ “لا”، فنظام الأسد “لم يعد يكترث بمشاركتهم الحربية هذه لعدّة أسباب أهمها انخفاض وتيرة المعارك في سوريا من جهة، ووجود عدد كبير من الميليشيات الأجنبية التي تقاتل إلى جانبه من الجنسيات اللبنانية والعراقية والأفغانية والإيرانية فضلاً عن الخبرات الروسية، وجميع هذه العوامل جعلت النظام غير محتاج إلى المزيد من الطاقات البشرية في قواته لذلك فلم يكن هذا القرار سوى نهب للأموال” على حد تعبيره.

وفي إجابةٍ على سؤال حول إمكانية توجّه النظام لسنّ قانون للشابّ السوري “الوحيد” قانوناً، اعتبر سلطان أنه “ليس الوحيدين فقط من يمكن أن يشملهم قانون لاحقاً وإنّما المكلّفون الذين هم تحت سن 42 عاماً وانقطعوا عن التواصل مع النظام أو تأجلت خدمتهم الإلزامية، فقد يسن النظام لهم قانوناً خاصاً يلزمهم بالتأجيل على إقاماتهم أو سحب أملاكهم أيضاً”، ويوضح المحامي أن “النظام قبل أن يقوم بأي تحرّك فإنه يبحث عن إطار قانوني له”.

ومن جهةٍ أخرى، يحاول النظام بين الحين والآخر بث شائعات حول إقرار “البدل الداخلي” أي دفع أموال دون الحاجة إلى السفر خارج سوريا. وكان وزير التنمية الإدارية في حكومة النظام، حسان النوري قد قال: “إن الحكومة تدرس سبل إعادة الشباب إلى البلاد، بمناقشة رسمية لموضوع البدل الداخلي لغير القادرين على أداء الخدمة الإلزامية والاحتياطية لأسباب مختلفة”.

وذكرت مواقع إعلامية محلية مقربة من النظام أن النوري أفاد بأنه “من واجب الحكومة تقديم الدعم مطلق للمؤسسة العسكرية، والعمل على الوصول إلى جيش مهني واحترافي، وذلك من خلال حوافز مجدية.”
وتعليقاً على هذه النقطة يُشير سلطان إلى أن البدل النقدي في حال تفعيله فإنّه سوف يدر على النظام أموالاً لم يكن يحلم بالحصول عليها، بسبب وجود عدد كبير من الشباب داخل سوريا مستعدّين لدفع هذا المبلغ، لكنه اعتبر أن النظام يتأنّى في استخدام هذه الورقة خوفاً من أن تؤدّي إلى ثورة داخل جيشه من المجنّدين الذين تم الاحتفاظ بهم.

استياء

وبعد قرار النظام الأخير بإجبار من لم يؤدّ الخدمة العسكرية وتجاوز سن الـ 42 عاماً بدفع البدل أو سحب الأملاك، شهدت الشارع السوري في مناطق النظام حالة غليان. ويقول “حمزة” وهو اسم مستعار لشاب سوري يعيش في مدينة حلب لـ “صدى الشام”: “إن معظم الشباب السوريين وحتّى الكبار منهم الذين تجاوزا سن الـ 42 عاماً لم يعد لديهم الكثير من الأموال ليقوموا بتقديمها للنظام”، موضحاً أن الحالة الاقتصادية السيئة وغلاء المعيشة في داخل سوريا، جعلت توفير تلك المبالغ أمراً غاية في الصعوبة.

وكحال أحمد لم يخف كثير من السوريين سواء في نقاشاهم اليومية او عبر وسائل التواصل الاجتماعي امتعاضهم من “السرقة التي تتم باسم القانون بحقهم” مع إدراكهم بان الاعتراض لن يجدي نفعاً.

ويُعتبر مبلغ 8 آلاف دولار أمريكي رقماً كبيراً جداً ولا سيما في الداخل السوري حيث لا يتجاوز راتب الموظّف الواحد 100 دولار شهرياً، ويعادل الدولار الواحد نحو 500 ليرة سورية.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *