الرئيسية / تحقيقات / مُصادرة وسَطو تحت بند “خدمة الوطن” 

مُصادرة وسَطو تحت بند “خدمة الوطن” 

صدى الشام- عمار الحلبي/

ارتبطت كلمة “التعبئة” في سوريا بعمليات سحب المواطنين السوريين وسوقهم إلى جبهات القتال بالقوّة، سواءٌ للخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية، وفي حالات أخرى جرى ذلك دون الرجوع لأي قوانين بل بمجرّد أن الشخص قادر على حمل السلاح. ووصل الأمر أحياناً إلى  استخدام المعتقلين وتحويلهم إلى مقاتلين بين ليلةٍ وضحاها حسبما كشفت تقارير حقوقيّة.

لكن ليس هذا كل شيء! فهناك “تعبئة” من نوعٍ آخر تشهدها بعض المناطق، فهي هنا لا تستهدف المدنيين وحسب، بل سياراتهم أيضاً.
ويكفي أن يختار عناصر حواجز النظام ومقاتلو ميليشيا “الدفاع الوطني” في مدينة حماة سيارة معيّنة جاهزة وملائمة للاستخدام في مهمّة قتالية، حتى يقوموا بالاستيلاء عليها دون الرجوع إلى صاحبها أو التوقف عند موافقته من عدمها.

ويرصد هذا التحقيق كيف تتم عملية “تعبئة السيارات” في مدينة حماة، والطرق التي اعتمدها السكّان لمواجهة هذه الظاهرة، في ظل غياب تام لأي محاسبة واستمرار حواجز النظام في ممارساتها هذه.

في جميع الشوارع

تنتشر الحواجز العسكرية في مواقع مدروسة داخل مدينة حماة، بحيث تغطّي جميع المداخل والشوارع الرئيسية فيها، ما يجعل محاولات الهروب من شبح “الحواجز العسكرية” والمرور عليها أمراً شبه مستحيل، وبالتالي تصبح “تعبئة” أي سيارة هاجساً لا يمكن تجاهله من قبل صاحبها.

في الثامن عشر من شهر أيلول الماضي، كان المواطن “حمزة” يسير بسيارته من نوع “كيا ريو” وسط المدينة، فأوقفه حاجز عسكري وطلب منه أوراق السيارة، ثم طلب منه النزول.

“بعد عشر دقائق من الاتصالات قرّر استعارة السيارة مني” يقول حمزة ويضيف: “طلب استعارتها لـ “خدمة الوطن”، وعندما رفضتُ منحه إيّاها قام بتهديدي، فلم يكن منّي إلّا أن حاولت عرض الأموال عليه دون جدوى، بعد أن أخبرني بالحاجة لاستخدام السيارة في معارك تجري قرب منطقة أبو دالي”.

لم يتمكّن حمزة من فعل أي شيء سوى تسليم السيارة للحاجز، بسبب إصرار العناصر على مصادرتها، ويوضّح أنّه توجّه إلى فرع المرور وقدّم شكوى فأخبره الفرع بأن سيعمل على إعادة سيارته له ومنع هذه التجاوزات، غير أنّه لم يفعل أي شيء.

ويشير الشاب الثلاثيني لـ “صدى الشام” أنه على علم بوجود 11 حاجزاً بين ثابت و”طيار” قامت بمصادرة سيارات المدنيين.

“واجب وطني”

تزداد حالات “تعبئة السيارات” في أوقات المعارك التي تنشب في محيط حماة وفي ريفها القريب أوالبعيد حتّى، وتتراجع هذه الحالات مع انخفاض وتيرة المعارك.

يقول الناشط الإعلامي الموجود في مدينة حماة رائد العبد الله (اسم مستعار) لـ “صدى الشام”: “إن معركة أبو دالي التي دارت مؤخّراً بين قوات النظام والميليشيات المساندة لها من جهة ومقاتلي “هيئة تحرير الشام” من جهةٍ أخرى أدّت إلى مصادرة عشرات السيارات”، موضحاً أن بعضاً منها عاد لأصحابها بطرقٍ مختلفة، وأخرى لم يعلم أصحابها عن مصيرها شيئاً.

ويوضح أن عملية تعبئة السيارات في محافظة حماة تحديداً هي مشكلة يعاني منها المدنيون منذ منتصف عام 2013، عندما اشتدت المعارك وتمكّن نظام الأسد من إخماد الثورة داخل المدينة.

ويلفت الناشط إلى أنه وبناءً على أحاديث سابقة دارت بينه وبين مدنيين صودرت سياراتهم، فقد اتضح أن الشرطة وفرع الأمن الجنائي وكذلك فرع المرور لا يقومون بأي تحرّك تجاه هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن كل هذه الجهات مهما علا شأنها فهي “غير قادرة على الوقوف في وجه الدفاع الوطني وجيش النظام نتيجة عدم امتلاكها الصلاحيات والنفوذ الكافيين”، حسب قوله.

“الدفاع عن تراب الوطن” كان حجّة حاجزاً تابعاً لميليشيا “الدفاع الوطني” لسرقة سيارة المواطن مصطفى العز (35 عاماً)، يشرح العز لـ “صدى الشام” ما جرى معه: “كنت أقود شاحنتي متوجّهاً بها من أطراف مدينة حماة نحو بيتي ليلاً، فأوقفني حاجز لقوات النظام، وطلب مني أن يحصل على السيارة لنقل الجنود إلى منطقة تدور فيها معارك”.

ويضيف أنّه عندما رفض أبلغه الحاجز بضرورة “تأدية واجبه الوطني والدفاع عن تراب الوطن بسيارته”، وأخبره العسكري أن هناك جنوداً بحاجة سريعة للنقل إلى منطقة تشهد اشتباكات وأن سيارة الزيل تأخّرت بالوصول، لم يقتنع العز بهذا المسوّغ لكنه لم يجد أمامه خياراً سوى أن يتخلّى عن السيارة و”ينفذ بجلده” كما يقول.

تتكرّر هذه المواقف يومياً مع المدنيين أصحاب الآليات في مدينة حماه، لدرجة أن قوات النظام لم توفر سيارات الشحن من الاستخدام والتعبئة، حيث سجّلت عمليات استهداف ممنهج للسيارات الشاحنة التي تنقل البضائع عبر عمليات مصادرة متكرّرة، ففي إحدى الحالات لم يكتفِ الحاجز التابع لـ “الدفاع الوطني” بمصادرة السيارة، وإنما طلب من سائقها القيادة إلى منطقة خطرة قريبة من الجبهة، إلى حين تمّ شحن الأسلحة والذخائر فيها ونقلها إلى مناطق تشهد اشتباكات في إحدى الجبهات.

ذهبت ولم تَعُد

لم يستطع مصطفى العز العثور على سيارته إلا بعد مضيّ 43 يوماً قضاها في البحث عنها، وذلك عقب تعميم رقمها وسؤال أفرع الشرطة والمخافر، ليجدها أخيراً مركونة في منطقة قرب الحاجز الذي قام بمصادرة سيارته.

الأمر ذاته حصل مع الشاب حمزة صاحب السيارة “كيا ريو”، حيث عثر على سيارته مرمية قرب حي طريق حلب، بعد أكثر من شهرٍ كامل على اختفائها.

غير أن الشيء المشترك في كلا الحالتين، هو أن السيارتين لم تعودا كما كانتا عند المصادرة، فمعالم “القيادة الطائشة” وتحميل السيارتين فوق طاقتيهما كانت ظاهرة حتى بدا وأنّهما كانت تخوضان معركة على الجبهة. فسيارة حمزة على سبيل المثال وُجدت وهي مجردة من جميع محتوياتها التي تمت سرقتها، كما أن زجاجها كان مكسوراً، وكان سائقها “الطائش” قد أحدث ضرراً كبيراً في الواجهة الأمامية للسيارة بعد حادث كما كان ظاهراً.

وعن هذه النقطة يقول حمزة: “أعتقد أن السيارة لم تتعرّض لحادثٍ واحد خلال هذه الفترة بل لأكثر”، متوقّعاً أن يكون عناصر الحاجز الذين صادروا السيارة قد قاموا بقيادتها متعمّدين بشكلٍ متهوّر، أو أنّهم قاموا بصدمها بدبّابة أو قطعة عسكرية ثقيلة كم يتبيّن من الأضرار.

ويوضح حمزة أنّه اضطر لدفع أكثر من 400 ألف ليرة سورية حتّى تمكّن من إصلاحها على مدى أسابيع بين تصويج وإصلاح الأجزاء المكسورة، وبخّ من جديد، وشراء ما تم سرقته من محتويات السيارة.

وبينما عادت هاتان السيارتان فإن الكثير من السيارات ذهبت ولم تعد، كما جرى لسارة أحدهم في مدينة حماة حين استمرَّ لأشهر في البحث عنها، لينتهي الأمر بإخباره “أنها تعرضت لتفجير انتحاري جرى بالقرب منها ما أدّى لاحتراقها بشكلٍ كامل” حسبما روى لنا الناشط الإعلامي رائد العبد الله.

وسيلة فعّالة

لجأ الحمويون إلى مجموعة طرق لعلّهم يتخلصون من شبح “مصادرة” أو “استعارة” سياراتهم من قبل حواجز النظام، ومن أبرز تلك الطرق التي أثبتت فعاليةً كبيرة وجدوى في حماية السيارة، اللجوء إلى شراء “مهمة أمنية” بشكلٍ شهري، ولكن المهمة ليست للسائق وإنّما للسيارة.

وبحسب أحد سكّان المدينة الذي رفض الكشف عن هويته، فإنّ هذه الطريقة مضمونة: “بما أنَّ حجّة عناصر النظام وحواجزه لمصادرة السيارة هي لأغراض أمنية وعسكرية، فإنهم حتماً لن يتمكّنوا من مصادرة سيارة هي أصلاً لديها مهمّة أمنية”.

ويشير إلى أنّه نجا من عدّة محاولات قامت بها حواجز النظام لمصادرة سيارته، وقال: “عندما أُبرز المهمّة الأمنية للسيارة فإن الحاجز يتراجع فوراً عن طلبه ويقدّم اعتذاراً، ويتركني أتابع طريقي دون أي مضايقة، موضحاً أنّه “اشترى راحة سيّارته بثمن الموافقة الأمنية”.

أما عن طريقة استخراج هذه المهمّة الأمنية، فهي لا تصدُر عن جهةٍ واحدة، وإنّما عن عدّة جهات، فكل فرعٍ أمني لديه صلاحية لمنح أي سيارة مهمّة على أنّها تقوم بتنفيذ مهمّات أمنية لصالح هذا الفرع.

يقول الناشط الإعلامي رائد العبد الله، إنّه بمجرّد توفّر المال يمكن استخراج هذه الموافقة في غضون يومين أو ثلاثة أيام كحدٍ أقصى، مضيفاً أنه ينتشر في حماة عدد كبير من السماسرة الذين يعملون على استخراج البطاقات الأمنية والمهمّات للأفراد والسيارات، عبر مبالغ مالية يتقاسموها هم والفرع ذاته.

أما عن الأسعار فهي تختلف حسب “وزن الفرع” الذي يقوم بإصدارها، وتتراوح بين 40 إلى 150 ألف ليرة شهرياً، ولا سيما أفرع الأمن العسكري والمخابرات الجوية وغيرها.

 

إجراءات وقائيّة

بالتأكيد ليست كل سيارة تسير في شوارع حماة عرضة للسرقة أو المصادرة من قبل حواجز النظام، وذلك ليس بسبب رأفتهم ببعض السيارات، وبل لأنهم يقومون بانتقاء نوع معيّن بحسب حاجتهم، وبما يخدم مهمّاتهم وعملهم في نقل الأشخاص والأسلحة والذخائر على الجبهات، وعليه فإنهم لا يستطيعون الاعتماد على سيارة قديمة أو متهالكة للعمل في إحدى جبهات المعارك أو لنقل الجنود والعتاد.

من هنا جاءت فكرة استخدام سيارات قديمة ومتآكلة وذلك لجعلها غير مرغوبة في أعين عناصر الحواجز، وبنظرة سريعة على شوارع حماة اليوم نلاحظ أن السيارات القديمة ذات الإمكانات والقدرات المحدودة باتت تُشاهد بشكلٍ واضح ومتزايد، وهو مؤشّر على أن المدنيين باتوا يلجؤون لهذه الطريقة بشكلٍ أكبر.

يقود “عبد الهادي ابراهيم” سيارة من نوع “مازدا” من طرازٍ قديم منذ عام 2013، وهي لا تصلح إلّا للتنقّل داخل المدينة، وفي هذا السياق يقول الابراهيم لـ “صدى الشام”: “إنّه مرتاح جداً من موضوع المصادرات”، وييضيف: “أسمع بين الحين والآخر من معارفي بوجود سيارات تمّت مصادرتها من قبل حواجز الجيش والدفاع الوطني، ولكن على الرغم من تنقّلي كثيراً داخل مدينة حماة إلّا أنّني لم أتعرّض طيلة حياتي لموقفٍ كهذا”، لافتاً إلى أن الكثيرين ممن يعرفهم لجؤوا إلى اقتناء السيارات القديمة لحمايتها من المصادرة من قبل الحواجز.

لكن هذا الحل لا يناسب الكثيرين، ولا سيما العائلات الحموية الغنية التي تشعر بحاجة لاقتناء السيارات الحديثة، ولكن حتى في هذه الحالة تبقى الحلول موجودة إذ يلجأ أصحاب السيارات الفارهة أو ذات الإمكانات الجيدة إلى تخصيص رُشى تُدفع بشكل دوري شهريّاً للحواجز لكي يتغاضى عناصرها عن مصادرة هذه السيارات، وتركها وعدم طلبها للاستخدام في جبهات المعارك.

وفي هذا الإطار كتب مواطن سوري من حماة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “إن السيارات الحديثة ولا سيما الجبلية التي تعمل بمبدأ الدفع الرباعي تسيل لعاب الحواجز”، موضحاً أن معظم العناصر هم من “الزعران الذين كان لديهم هوس كبير بسرقة السيارات وقيادتها بشكلٍ متهوّر”، حسب تعبيره.

واقع مشابه

مع أن مدينة حماة تُعتبر شبه وحيدة في معاناة سكانها من مصادرة السياراتـ فإن محافظاتٍ سوريّة أخرى لا تخلو من انتهاكات مماثلة تتعلّق بعمل الحواجز العسكرية ولكنها من نوعٍ آخر، وعلى سبيل المثال قد يتم إجبار الشخص على العمل “سخرة” بنقل الدشم للحواجز بعد تهديده بالاعتقال، أو أن يُجبر الشخص على منح هاتفه المحمول لعنصر بحجّة أن الأخير يخدم الوطن وبحاجة للتواصل مع عائلته بشكلٍ مستمر، كل ذلك في ظل غياب تام لأي جهة تقوم بمحاسبة المنتهكين.

وغنيٌّ عن القول أن واقع المناطق الخاضعة لسيطرة نظام الأسد لا يختلف إلا في بعض المظاهر في حين تسود الأوضاع أمنية ذاتها تقريباً.

وتشكّل مدينة حماة أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى النظام لأسباب عديدة خصوصاً مع وجود مطار عسكري فيها، بالإضافة لجعلها منطلقاً للعمليات العسكرية في مختلف أنحاء سوريا.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *