صدى الشام _ غالية شاهين/
لطالما تغنّت وسائل إعلام النظام السوري وحلفائه بـ”انتصارات” متتالية لم تتوقّف منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة لسورية، وما تزال تتغنّى حتى الآن؛ “انتصاراتٌ” مختلفة الأشكال والأحجام والمقاسات تُعلَن هنا وهناك على كلّ الجبهات التي تقاتل قواتهم فيها.
ليس غريباً أن يدّعي النظام السوري الانتصار الساحق على “أعدائه” عند كل هزيمة تلحق به، بل قبل وقوع الهزائم، وذلك ضمن بروباغندا إعلاميّة مدروسة تهدف إلى الحفاظ قدر الإمكان على قطيعٍ من الموالين أوالتابعين، أو حفظ ماء الوجه إعلامياً أمام عالمٍ عربي وغربي متخاذل لا يرى ويسمع إلا ما يريد رؤيته وسماعه، كما أنه ليس غريباً أيضاً أن يدخل هذا المصطلح (انتصار الأسد على إعدائه من الإرهابيين) في الحديث اليومي لهؤلاء القطعان، لكن الملفت للنظر هو انتشاره الكبير اليوم بين شرائح عدة من معارضي النظام السوري، وهو ما يمكن أن يُفسّر جزئياً بحجم اليأس المُبرر الذي تسلّق على أرواح بعضهم كنباتٍ طفيلي راح يمتصّ الأمل منها دون رحمة. لكنه في الوقت ذاته إن دلّ على شيء فهو يدلّ على اضطرابٍ في البوصلة وتقلّب في فهم المصطلحات، وتعثّرٍ غير مبرر في استخدامها. فكيف يمكن لعاقل أن يفهم معنى جملة “لقد انتصر الأسد”؟
في بداية هذا الشهر، وأثناء زيارته إلى طهران، قال نبيه برّي، رئيس مجلس النواب اللبناني، إن “ما حصل في جرود عرسال هو إضافة جديدة على انتصار 2006″، أي أن حزب الله، برأيه، قد تابع “انتصاراته” في حرب تموز 2006 وكللها اليوم بـ”انتصار” جديد على الإرهاب في جرود عرسال، وهو هنا، أي برّي، محق تماماً ولا شائبة على كلامه، فـ”انتصار” عرسال يشبه تماماً “انتصار” تموز 2006، كما يشبه “انتصارات” حزب الله المتتالية على إسرائيل، فكلّها انتصارات إعلامية جوفاء مجبولة بدم المدنيين ومآسيهم، وهي حتماً تشبه إلى حد كبير جداً “انتصارات” الأسد على سوريا والسوريين. وعلى مبدأ تشابه “الانتصارات”، تتشابه أيضاً ردود الفعل الإسرائيلية على تحركات حزب الله في لبنان وتهديدات بشار الأسد في سوريا، والتي تمثّلت، حسب إعلام “المقاومة” بكل فروعها السورية واللبنانية، بالرعب والتوتر وعدم الاستقرار.
ولكي لا نظلم بشار الأسد يجب علينا الاعتراف بأن “انتصاراته” على الشعب السوري وسوريا فاقت بكثير “انتصارات” حسن نصر الله على الإسرائيليين واللبنانيين على حد سواء؛ فلا مجال أبداً لمقارنة عدد الضحايا من المدنيين بين الحالتين، كما يستحيل أيضاً مقارنة حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبلدين. وقد يغدو حسن نصر الله، بالمقارنة، فاشلاً جداً أمام “نجاحات” الأسد، وهو ربما ما دفعه للدخول في المنافسة من جديد، وعلى الأرض السورية هذه المرةّ، ليكمل مشوار “انتصاراته”.
مفارقةٌ درامية سوداء تحضر فوراً إلى أذهاننا، نحن السوريين، كلما ذُكرت “انتصارات” جديدة للأسد على ألسنة أبواقه الإعلامية، فالكلمة اليوم باتت مرتبطة بشكل وثيق بالموت والدم والخراب: كل كلمة من نوع (انتصرت قواتنا على الإرهابين في …) تحمل رائحة مجزرة جديدة، وكل جملة من نوع (استعادت قواتنا السيطرة على مدينة … أو حي …) تنبئ برماد عارم يُغيّب مدينة جديدة أو حيّاً آخر.
أما حين يرددها بعض المعارضين داخل سوريا أو في الشتات فإن قهراً من نوع آخر يجتاح بقايا الأمل الذي نُصرّ على تقمّصه وإحيائه.
ولهؤلاء نقول: إذا كان الانتصار يعني السيطرة على جثث السوريين المجبولة بتراب مدنهم وأحيائهم، فقد انتصر الأسد. وإذا كان يعني تهجير السوريين الأحياء وطردهم من بيوتهم كأعداء أو محتلين والاستيلاء على المدن فارغة من أهلها، فقد انتصر الأسد. وإذا كان يعني تدمير الجيوش لحضارة البلاد وتاريخها وتسليم مفاتيحها لمن يحمي كرسي العرش لينفّذ مشاريعه، فقد انتصر الأسد.
أما وأنّ الانتصار حتماً لا يعني كل ما سبق، فقد هُزم الأسد من الصرخة الأولى لأولِ ثائرٍ سوري، وما زال يُهزَم يوماً بعد يوم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث