صدى الشام _ بقلم المحرر السياسي/
منذ حرب تموز في عام 2006 وميليشيا “حزب الله” تتسوّل شعبيّة متآكلة. حملات إعلامية واستثمار في مناسبات وعمليّات لم تكن لتقضّ مضجع “العدو الصهيوني” الهانىء بهكذا ممانعة لن يجد مثلها ولو في الأحلام.
ولعل الحزب أدرك منذ اللحظات الأولى لتدخله في سوريا أن الأمور ستتجه بهذا الاتجاه أي فقدانه للهالة التي صنعتها كذبة المقاومة، وتوظيف فكرة مناهضة الاحتلال للتغطية على الدور الاساسي الذي نشأ من أجله سفراء الولي الفقيه في لبنان والعالم.
لكنه لم يكن يتمنى أن تصل الأمور إلى هنا، مع أن المعادلة كانت واضحة وبسيطة؛ دعم سفاح قصر المهاجرين يُبعد عن الداعم أي صفة إنسانية أوعربية أولبنانية. وعلى هذا الأساس تدرّج الحزب في قول الحقيقة عبر سرديّات متتالية أطلقها منذ دخول مقاتليه إلى سوريا، فمن حماية ما يسميّها بـ”المراقد المقدسة” إلى درء خطر الإرهاب عن لبنان ثم القول الصريح أخيراً؛ الدفاع عن نظام الأسد ومنع سقوطه.
وبجردة حساب بسيطة يتبيّن أن كلفة قتال “حزب الله” إلى جانب الأسد لم تكن عسكرية وحسب، ولم تقتصر على سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوفه (حتى اضطر إلى الزج بالقصّر والأطفال)، فهذا الحزب كان حتى العام 2011 يصف نفسه بأنه “بطل المضطهدين في الكفاح ضد الظلم” لكن دعمه لنظام يذبح شعبه جماعياً أدّى في نهاية المطاف لسقوط القناع عن وجهه “القبيح” أمام جمهور عربي واسع أصبح يرى “حزب الله” على حقيقته (قوة شيعية تقتل أهل السنّة في سوريا)، وعلى الرغم من أن الحزب حاول لفترة من الوقت التحايل وتجنّب استخدام الخطاب الطائفي للإفصاح عن طبيعة تدخّله في سوريا، فقد احتكم في نهاية الأمر إلى اللغة الطائفية دون مواربة.
وفضلاً عن أثر الحدث السوري الكبير على شعبيّة الحزب فإن هناك أحداثاً أخرى إقليمية ودولية لعبت دورها وما تزال في إزالة الغشاوة عن عيون الجمهور.
مُحبّون لمن؟!
“حزب الله ليس لديه خلايا ولا أفراد ولا تشكيلات في الكويت، نعم لديه محبون في الكويت كما في كل العالم”. في هذه العبارة التي أوردتها زعيم “حزب الله” حسن نصر الله، كمٌّ من الخبث والرسائل المأمول وصولها بعدّة اتجاهات.
غير أنه وإلى جانب التمويه على الدور الإرهابي للحزب في الخليج ومحاولة الإيحاء بشعبيّة مفقودة، فإن كلمات نصر الله لم تخفِ كمّ القلق على أكثر من صعيد خصوصاً لجهة تشويه صورة الحزب المشوّهة أصلاً والملطخة بدماء الأبرياء في سوريا.
اللافت أن هذا الكلام جاء ضمن ما أسماه الممانعون ” خطاب النصر” في عرسال، وهو ما يظهر استشعار هذه الميليشيا لخطر الحكم القضائي الذي صدر مؤخراً في الكويت، ضمن ما بات يعرف بخلية “العبدلي” التي تبيّن أن أعضائها كانوا يخططون لأعمال إرهابية، وأن “حزب الله” شارك في التخطيط لهذه الخلية وتدريب أعضائها، وإمدادهم بالسلاح والمتفجرات لتنفيذ تلك الأعمال. وأن كل ذلك كان يتم بتوجيه وتحت إشراف الحكومة الإيرانية.
جاء ذلك ضمن نص الفقرة (ب) من مادة الاتهام الأول للحكم التي ذكرت أن أعضاء الخلية “سعوا لدى دولة أجنبية، هي جمهورية إيران الإسلامية”، وتخابروا معها ومع جماعة “حزب الله” التي تعمل لمصلحتها على القيام بأعمال عدائية هي إشاعة الذعر والفوضى في دولة الكويت”.
وكانت مصادر صحافية كويتية قد كشفت عن اعتقال مشتبه بهم جدد بتهمة التخابر مع “حزب الله” ضد الكويت ليبلغ إجمالي المقبوض عليهم بتهم الانتماء إلى الحزب والحرس الثوري الإيراني والتستر على متورطين 13 متهماً حتى مساء الأحد الماضي.
بناءاً على هذه الحقائق جاء خطاب زعيم “حزب الله” الذي حاول عبره (كما العادة) إبعاد الأنظار عن دور حزبه في المنطقة، خصوصاً في العراق وسوريا، وعلاقة ذلك بالمخططات الإيرانية.
وكان واضحاً أن حكم القضاء الكويتي لم يقلق نصر الله بسبب توقيته وحسب، بل لأنه أزاح ورقة توت إضافية عن عورة هذه الميليشيا كاشفاً زيف ما يردده عن أن حزبه مستقل عن إيران وسياساتها، ليتأكد مجدداً أن هذا الحزب ليس أكثر من ذراع تعمل تبعاً لتوجيهات وأهداف نظام الملالي.
استدراك
نستطيع أن نفهم “تطبيل” حزب الله لما جرى في عرسال في سياق محاولات مختلَف المليشيات الشيعية في المنطقة لاغتنام فرصة التركيز الدولي على فكرة محاربة الإرهاب حتى بات الجميع يتسابق لتقديم أوراق اعتماده على طاولة الدول الكبرى. لكنّ يبقى لمقاتلي الولي الفقيه في لبنان نظرة مختلفة للأمور كونهم أحوج من غيرهم ربما لغسل آثار الجرائم التي يرتكبونها بعد أن بات عسيراً على “منديل” الدفاع عن فلسطين امتصاص المزيد من تلك الآثار نتيجة استخدام أفرقاء الممانعة له لفترة طويلة.
وفي كل الأحوال يجب ألا ننسى هدفاً قد يكون دافع الحزب الأساسي لعملية عرسال الأخيرة (إذا ما وضعنا التوظيف الداخلي اللبناني للمعركة جانباً وفكرة خطب الحزب لودّ المسيحييّن) وهو تدارك التطورات الدولية الأخيرة التي أفضت إلى الاتفاق على وقف لإطلاق النار جنوب غربي سوريا، وإقامة منطقة خالية من الوجود الإيراني وميليشياتها، بغية حماية الحدود الإسرائيلية- السورية والأردنية- السورية. هذه الصفعة جاءت في وقت كان فيه “حزب الله” يعمل بكل جهده للتمدد على الخط الحدودي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
لكن وبعيداً عن أمر العمليات الإيراني والسعي لفرض وقائع ميدانية جديدة عبر أذرعها في المنطقة فإن “حزب الله” لم يبتعد عن فكرة محورية هي اللعب على الذاكرة القصيرة لقطاع واسع من الناس المأخوذين بـ “انتصارات” الحزب التي اتضح أنها إعلامية بالدرجة الأولى.
لقد اتكأ “حزب الله” كثيراً على مسألة التخويف من “الإرهاب” وإشاعة العنصرية تجاه السوريين، معوّلاً على ذلك لجعل اللبنانيين ينسون أصل الحكاية، وهي أن مقاتليه عبَروا الحدود إلى سوريا -منذ البداية- دعماً لنظام دموي، وهذه الخطوة هي التي جعلت لبنان يعيش في رعب دائم من “عمليات” ما تستهدف مناطقه.
لذلك فقد حاول الحزب تضخيم معركة جرود عرسال وإيهام اللبنانيين بقدرته على النصر “الخارق” والسريع، فعلى سبيل المثال تكلم إعلامه الحربي عن أكثر من ألف مقاتل واجههم ليتضح بعد ذلك أن عدد المقاتلين الحقيقيين كان مئة وعشرين مقاتلاً!
احتمالات
مع تضاؤل ساحات القتال تدريجياً سوف تقلّ فرص ميليشيا “حزب الله” في تحقيق “إنجازات” ما وتسويقها لمحازبيه. وبعد الانتهاء من معارك الحدود اللبنانية- السورية لا يبدو أن الحزب سيكتفي بتهجير اللاجئين والضغط عليهم لـ “مصالحة” نظام الأسد طالما أن الأوراق التي يمكن توظيفها لدى هذه الميليشيا باتت أقل. لذا فمن المحتمل أن يستمرّ التجييش بوتيرة أكبر بما يخلط بين اللاجىء المدني و”المسلّح” في سبيل إشعار الداخل اللبناني بأنه ما يزال بحاجة لـ “حزب الله” طالما هناك خطر. أما خارجياً فمن غير الواضح أين ستكون الساحة القادمة لعميات الحزب الإرهابية سواء عبر اغتيالات أو تمويل أو تخطيط كما هو الحال في اليمن والخليج. لكن الأكيد أن كل ذلك الدم المسفوك له ثمنه. وإن كانت بعض الحكومات في المنطقة والعالم لا تزال تجامل الحزب، وتتجنب التضييق عليه بشكل نهائي بصفته منظمة إرهابية، فإنّ الشعوب المقهورة لن تنسى ولن تسامح.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث