صدى الشام- مثنى الأحمد/
عاش أنصار برشلونة خيبةً سيمرّ وقت طويل قبل أن ينسوها، بعد أن صُدموا -ودون سابق إنذار- بـ “تجرّؤ” نادي باريس سان جيرمان على كسر قيمة عقد نجمهم وأحد أضلاع مثلث الـ MSN اللاعب البرازيلي “نيمار دا سيلفا”.
ووجّه القسم الأكبر من جماهير البرسا أصابع الاتّهام إلى إدارة “بارتوميو” التي فشلت في الحفاظ على “نيمار” رغم المبلغ الكبير الذي دخل خزائن النادي، نظراً لأن ما يمكن جنيه من النجم البرازيلي في المستقبل أكثر بكثير من مبلغ الـ 222 مليون يورو، وذلك بناءً على القيمة التجارية للاعب وسنّه الصغير، فضلاً عن قيمته الفنية.
أما بعضهم الآخر فقد ألقى باللّوم على اللاعب نفسه، واتّهموه بتفضيله للمال على اللعب لنادي كبير بقيمة برشلونة، معتبرين أن ما قاله “نيمار” عن رغبته بالخروج من ظل “ميسي” ما هو إلا ذريعة برّر بها خروجه من النادي.
نستطيع القول أن ما قيل بحق “نيمار” من ناحية تفضيله لـ 30 مليون يورو التي سيتقاضاها مع فريقه الجديد فيها كثيرٌ من المنطق، فمن يرغب بأن يصبح النجم الأول عليه التواجد في أصعب التحديات والمواعيد، وليس هناك ما هو أصعب من أن تفرض حضورك على نجم مثل “ميسي” وأنتما تلعبان بالفريق نفسه، وأمام أصعب الخصوم في دوري بقيمة الدوري الإسباني؟ ماذا يوجد أفضل من مباراة الكلاسيكو أمام ريال مدريد حتى تثبت نفسك فيها لتصبح بعدها حديث الشارع الرياضي؟.
بعيدًا عن تجاذبات جمهور الـ “بلوغرانا” والتي تغلب عليها عاطفة المحبّ لفريقه، فإن رحيل “نيمار” بهذه الطريقة ما هو إلا حلقة جديدة من حلقات الإخفاق والضعف، التي ميّزت إدارات متعاقبة على النادي الكتالوني، وما الإدارة الحالية إلا مثالاً عنها.
دروس سابقة
تعرّض نادي برشلونة في تاريخه لعدة أحداث مشابهة لما حصل معه هذا الصيف، والغريب أن إدارة “بارتوميو” لم تتعلم من الدروس السابقة لتسقط هي الأخرى عند أول تحدٍ حقيقي في المحافظة على نجم من نجوم الفريق، إذ أن الإدارة الحالية لم تتنبه إلى الخطر المحيط بلاعبها من باقي الأندية، وهو الخطر الذي لا يُعدّ جديداً، فمنذ الموسم الماضي وأندية مانشستر يونايتد والسيتي وتشيلسي وسان جيرمان تغازل “نيمار”.
والغريب أن إدارة برشلونة غيّرت أسلوبها في تجديد عقودها مع لاعبيها، والتي كانت في السابق تفرض غرامات إضافية تصل إلى ضعف قيمة فسخ العقد، أي أنه كان على سان جيرمان دفع حوالي 450 مليون للحصول على “نيمار”، لكنها قامت بالاستغناء عن هذه الضرائب لتكتفي فقط بالمبلغ الموضوع كقيمة فسخ عقد، غافلةً عن أن الهدف الأساسي من وضع الشرط الجزائي هو منع اللاعب من الرحيل متى شاء وليس الغرض منه البيع بالسعر المحدد في العقد.
والغريب أكثر أنّ فرقاً أخرى تنبهت لما حدث مع برشلونة سابقًا وأصبحت تبني جدراناً عالية حول لاعبيها لكي تمنع منافسيها من الفوز بخدماتهم، ومن بينها ريال مدريد الغريم والمنافس الأول للبرسا، فبعد خطفه لـ “فيغو” بنفس الطريقة، عمل “فلورنتينو بيريز” على تلافي الثغرات التي دخل منها للفوز بصفقة النجم البرتغالي، وقام برفع الشرط الجزائي في عقد أي لاعب جديد يوقّع مع النادي، وعليه فقد بات على من يرغب بضم أي لاعب من الريال التفاوض مع إدارته حصرًا، كيف لا وقيمة فسخ عقد “رونالدو” و “غاريث بيل” مثلاً مليار يورو لكل لاعب، وقيمة فسخ عقد “بنزيما” و “مارسيلو” 500 مليون يورو، حتى “أسينسيو” الشاب الصغير يملك في عقده بنداً لا يسمح له بالرحيل إلا بدفع 350 مليون.
لكن وعلى ما يبدو أن “بارتوميو” لم يستوعب الدرس مما حصل مع سلفه، ليكرر المشهد الذي صنعه “جوزيب لويس نونيز” الذي كان رئيس برشلونة في الفترة التي رحل بها “رونالدو”، وخرج حينها بتصريح سخر منه الكثيرون لاحقًا عندما قال “رونالدو لنا إلى الأبد”، لأن هذا التصريح استمر ليوم واحد فقط، حيث خرج الرئيس في اليوم التالي ليقول “رونالدو راحل”.
كما أن “بارتوميو” لم يتّعظ من الطريقة التي خرج بها “لويس فيغو” في زمن “خوان غاسبارت” الذي برّر موقفه حينها بالقول “إنّ فلورنتينو بيريز استغل قلة خبرتنا الإدارية لكي يخدعنا”!
ليلة الريمونتادا
لا يخفى على أحد الطريقة التي تتعامل بها إدارة برشلونة مع “ليونيل ميسي” وتفضيلها له على باقي زملائه بالفريق، هذا التفضيل يبدو واضحًا من خلال تسويق النادي على أنه يضم في صفوفه لاعباً بقيمة النجم الأرجنتيني، حتى بات الأيقونة الخاصة بالبارسا.
وعدا عن ذلك فإن مسؤولي البرسا يفعلون كل ما يطلبه “ميسي” دون تردد وكأنه الآمر والناهي بالفريق، حتى أنه يحدد أسماء اللاعبين الذين يجب أن تتعاقد معهم الإدارة، ومن يجب بيعه.
وعلى ذمّة صحيفة El Pais الإسبانية، فإن “نيمار” اتخذ قرار الرحيل بعد مباراة هامّة لعبها برشلونة في دوري أبطال أوروبا، قبل نهاية الموسم الماضي، لكنّ القرار كان مفاجئًا للإدارة والجماهير خاصة أنه أخفى دوافعه تماماً طوال الفترة السابقة.
وكانت تلك المباراة أمام باريس سان جيرمان في إياب دور الـ 16 تحديدًا عندما فاز برشلونة بنتيجة (6-1) في الـ “ريمونتادا” التاريخية، وفي تلك المباراة سجّل “نيمار” هدفين وصنع هدفا ثالثًا، وأثبتت الأرقام أنه كان البطل الأول في تلك المباراة.
لكن فرحة “نيمار” في الملعب وأثناء المباراة تحولت إلى صدمة بعد نهايتها، لأنه وجد أن الأرجنتيني “ميسي” قد خطف الأضواء منه وصار البطل الأول في نظر الجماهير والإدارة والإعلام، رغم أنه سجّل هدفًا واحدًا في شباك باريس سان جيرمان، لكنّه احتفل بشكل غير عادي مع الجماهير.
يومها انتظر “نيمار” الإشادة به بعد ما قدّمه خلال المباراة، إلا أنّ الصورة التي وضعتها إدارة النادي احتفالاً بـ “ريمونتادا”، والتي كانت لـ “ميسي” بين الجمهور، حطّمت كل توقعاته وأثبتت له أنه مهما فعل مع برشلونة فإنه سيظل متواجدًا خلف زميله الأرجنتيني.
وقرّر “نيمار” بعد ذلك البحث عن محطة جديدة، وكان خياره في النهاية لصالح النادي الباريسي، هذا القرار الذي لم يكن ليحدث لو تمّ إنصاف بطل الـ “ريمونتادا” الحقيقي.
ضياع هيبة النادي
في جانب معنوي آخر، يبدو أن “نيمار” بات ينظر إلى النادي نظرة استخفاف وذلك لأنّ الإدارة الحالية باتت عاجزة عن استقطاب لاعبين كبار يمثلون الفريق، إذ أن مسؤولي السوق الكروية في برشلونة لم يستطيعوا جلب اسم كبير منذ التوقيع مع “نيمار” نفسه قبل أربعة مواسم.
وكانت جميع الصفقات التي أبرمت منذ ذلك الحين مع لاعبين من الصف الثاني، حتى أن النادي خسر جميع معاركه التي خاضها في سبيل استقدام أسماء كبيرة والتي كان آخرها فشلهم في ضم الدولي الإيطالي “ماركو فيراتي” من باريس سان جيرمان بالتحديد، بالمقابل نجح النادي الفرنسي في الحفاظ على “تياغو سيلفا” و”ماركينيوس” المدافعين البرازيليين اللذين كانا ضمن أهداف برشلونة في وقت سابق.
وبالإضافة لذلك، لم يعد برشلونة مكاناً مريحًا لنجوم آخرين فضّلوا الرحيل إلى أندية أخرى، كما فعل “دانيل ألفيش” الموسم الماضي حين فسخ عقده مع النادي وتوجّه إلى الكالتشيو مع يوفنتوس باصمًا على موسم مميز مع الفريق الإيطالي، ومن قبله “تياغو ألكانتارا” الذي فضّل استكمال مسيرته الكروية مع الفريق البافاري بايرن ميونخ.
لقد قامت إدارة “بارتوميو” ومنذ توليها مهامها بتغيير الكثير من الخصائص التي كان يتمتع بها الفريق الكتالوني، وذلك نتيجة سوء تعاملها مع فكر النادي المعروف بأن له خصوصية تميّزه عن نظرائه في أوروبا والعالم، وعليه فإنه ليس بالغريب على إدارة خسرت في أول أيامها ثقة الأسطورة الراحل “يوهان كرويف” أن تخسر لاعبًا شابًا مثل “نيمار”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث