صدى الشام- مثنى الأحمد/
عاشت جماهير مانشستر يونايتد أوقاتاً صعبة بعد رحيل الاسكتلندي “أليكس فيرغسون” الذي قاد الفريق إلى مجد محلي وآخر أوروبي، وكان التحدي الأكبر للإدارة الإنجليزية هو المجيء برجُل يعيد هذه الأمجاد، لضمان استمرارية النادي في المنافسة على مختلف الجبهات.
إلا أن إدارة يونايتد لم تستوعب حاجة النادي إلى مدرب كبير يستطيع التعامل مع مرحلة ما بعد “فيرغسون”؛ المرحلة التي تعني التعامل بشكل أو بآخر مع فكر دام 26 عاماً، حتى ترسّخ في أدق تفاصيل استراتيجية “الشياطين الحمر”، وبات كل شيء مرتبطاً بهذا الفكر.
وبالنتيجة جاء قرار مسؤولي اليونايتد بتعيين “ديفيد مويس” خليفة لمواطنه كخطوة جريئة وفيها مخاطرة، ليدخل النادي في فترة انحدار التي لم تتوقف حتى بعد الاستغناء عن “مويس” وجلب المخضرم الهولندي “لويس فان خال”.
ورغم العمل الكبير الذي قام به “فان خال” إلا أن الهيبة التي صنعها سلفه “فيرغسون” لم تعد كما كانت عليه، بسبب اعتقاد الإدارة بأنها على صواب في مسألة سحب بعض الصلاحيات من المدرب الذي سيخلف “السير”، مثل التحكم بالتعاقدات الجديدة للنادي.
ومع اعتزال “فيرغسون” عالم التدريب خسر يونايتد جانباً مهماً من شخصيته التي حاول المسؤولون إعادتها عن طريق صرف الأموال دون توقف، اعتقادًا منهم بأنه بهذه الطريقة يستطيعون إيصال الفريق إلى درب الألقاب، وهي النظرية التي تخالف تمامًا فكر “السير” الذي طالما كان يكرر عبارة “المال وحده لا يجلب الأمجاد”.
ومن هنا نستطيع أن نفهم حجم الخسارة التي حلت باليونايتد في فترة ما بعد “فيرغسون”، فهي ليست خسارة رجل يتواجد على الخط أو في غرف الملابس، وإنما فقدان ذلك الفكر المميز الذي أوجد شكلاً متفرداً لـ “المان” يختلف عن باقي المؤسسات الرياضية في العالم.
وقبل بداية موسم 2016 / 2017 الماضي، أيقنت الإدارة بضرورة قدوم شخص يعطي قيمة مختلفة للنادي، وهذه القيمة تتمثل ببث روح ليست مشابهة بالضرورة لتلك التي رافقت “فيرغسون” لكنها يجب أن تكون مميزة عن السائد في باقي الأندية.
لماذا جوزيه؟
من المعروف لدى الجميع أن المدرب البرتغالي “مورينيو” من أكثر الشخصيات جدلاً في عالم المستديرة، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر قيمته ليس كمدرب وحسب بل كشخص له فكر خاص بين نظرائه المدربين سواء من الناحية الفنية أو لجهة التأثير على من حوله، ولعل هذا الفكر الخاص هو ما دفع إدارة مانشستر للتعاقد معه في نهاية المطاف.
ويعلم كل متابع لكرة القدم أن الطريقة التي يدير بها “مورينيو” مختلفة تمامًا عن تلك التي عمل بها “فيرغسون” خلال السنوات التي عاشها كمدرب لليونايتد، ومع أن الأسلوب مختلف بين المدربين إلا أن الإثنين لا يقبلان التحدث إلا بلغة الانتصارات والألقاب، كما أنهما من الطينة التي تُجيد تنظيم جهاز التدريب وتأهيل العناصر الشابة مع فارق بسيط هو أن “جوزيه” لا يهمه عمر اللاعب فالمهم من يخدم الفريق، وهذا ما كان مطلوباً وناقصًا في مانشستر.
وفي سبيل تقديم كل ما هو ممكن لنجاح “مورينيو”، قامت إدارة النادي بإعطاء كامل الصلاحيات لمدربها الجديد وهو الأمر الذي تعوّد البرتغالي الحصول عليه في كافة الأندية التي دربها، لتبدأ ثمار هذا العمل بالظهور في أول موسم للمدرب الجديد بتحقيقه للقب محلي وآخر أوروبي.
عودة الروح
على الرغم من فشله بالمنافسة على لقب الدوري الممتاز وحلوله سادسًا في ترتيب العام الماضي، إلا أن “مورينيو” حقق أكثر مما هو مطلوب منه، لكونه يخوض أول موسم له مع فريق يعي مسؤولوه ومناصروه جيدًا أنه بحاجة إلى عمل كبير لكي يلحق بمنافسيه.
وبالنظر إلى قيمة اللقبين المحققين، نجد أنها لا ترتبط بحجم الإنجاز، إذ إن كأس الرابطة الإنجليزية وكأس الدوري الأوروبي لا يُعتبران من البطولات الأولى التي تسعى الأندية الكبرى لتحقيقها، لكن النجاح في إضافتها إلى إنجازات النادي يعود بفوائد معنوية كثيرة أهمها الإحساس بطعم البطولات للاعبين أغلبهم لم يتذوق هذا الطعم منذ فترة ليست بالقصيرة، ولجماهير طال انتظارها لحدث تحتفل به، ولا ننسى أن الفريق بفضل الفوز بالدوري الأوروبي عاد للعب بدوري أوروبا من جديد، وهي البطولة التي غاب عنها لثلاثة مواسم سابقة.
وفضلاً عن ذلك فإن ترويج صورة مانشستر على أنه من بين الأندية المحققة للبطولات ستعيد الهيبة للفريق، وبالتالي رغبة اللاعبين المميزين بارتداء قميصه، وهو ما شاهدناه حين كان النادي قريباً من ضم “أنطوان غريزمان” لولا العقوبة المفروضة على أتلتيكو مدريد والتي حالت دون استغناء الفريق عنه.
ويكفي تواجد اسم “مورينيو” في اليونايتد حتى تستطيع إدارة النادي إقناع أي لاعب بالانضمام إليه، وهذا ما ظهر بشكل واضح مع صفقة “روميلو لوكاكو” صاحب التجربة الفاشلة مع جوزيه الذي رفضه حين كان مدربًا لـ تشيلسي، لكن شخصية “السبيشال ون” وروحه التنافسية تفرض على النجوم خوض تحدٍّ جديد معه لإقناعه بمستواهم، وهذه ميزة نادرة في عالم كرة القدم.
تشابه الظروف
رغم كل الإيجابيات التي حصلت على يد “مورينيو” في موسمه الأول إلا أنه لم يسلم من الانتقاد في بعض النقاط التي تعامل من خلالها مع مجريات الموسم، فالبعض وجد أن المردود الفني للفريق ضعيف جدًا ولا يليق بالفرق الكبرى، حيث تحول يونايتد على يد المدرب البرتغالي إلى فريق يسعى لعدم تلقي الهزيمة وتقبل الأهداف، ويترك مهمة التهديف لشخص واحد هو “زلاتان إبراهيموفيتش”، الأمر الذي جعل الفريق عاجزا أمام الفرق القوية دفاعيًا.
لكن من يعرف “مورينيو” يعي تمامًا أنه شخص يتعامل بشكل ممتاز مع ظروف الفريق الذي يستلمه، وبما أن يونايتد لم يكن في مرحلة جيدة على مستوى النتائج والثقة بين الجماهير من جهة واللاعبين وإدارة النادي من جهة أخرى، فقد فضّل “السبيشال وان” الابتعاد عن الجمالية والاستعراض والتركيز على تحقيق النتائج الضامنة لعدم سقوط النادي تحت وطأة الأجواء السلبية التي تفاقم أزمات الفريق وتدخله في دوامة قد يكون الخروج منها مستحيلاً قبل نهاية الموسم وتكون عواقبها وخيمة على النادي، وهذا ما قد يفسر ظهور مانشستر بهذا الشكل مع “مورينيو”، خصوصًا وأنه من المدربين الواقعيين الذين لا تستهويهم إلا النتائج بعيدًا عن الفنيات.
وإذا عدنا بالزمن إلى الوراء وتحديدًا إلى أول مواسم “فيرغسون” مع يونايتد فإننا سنذكر كيف كان الفريق يمرّ بمرحلة مشابهة نوعًا ما للفترة التي تسلم بها “مورينيو” الدفة الفنية للنادي، حيث وجد المدرب الاسكتلندي حينها أمامه تشكيلاً فاقدًا للروح والمعنويات ويصارع بين الأربعة الأواخر في ترتيب الدوري، الأمر الذي جعله يركز على حصد النقاط كذلك دون الالتفات للمتعة واللعب الجميل، قي سبيل تلافي الهبوط للدرجة الثانية إلى أن تمكن من قيادة الفريق إلى المركز الحادي عشر في نهاية الموسم.
التعامل مع النجوم
أكثر ما كان منتظراً من “مورينيو” عند قدومه إلى “أولد ترافورد” هو كيفية تعامله مع “واين روني”؛ هدّاف الفريق ونجمه الأول، فالمتابعون لمسيرة قائد يونايتد في المواسم الاخيرة يدركون أن وجود “الفتى الذهبي” في التشكيلة بات عبئاً على الفريق، الأمر الذي دفع “مورينيو” لاتخاذ قرار بعدم إشراك “روني” إلا في مباريات الكأس، وهذا ما يحسب للمدرب الجديد الذي فكر في مصلحة الفريق أولاً بعيدًا عن نجومية أي لاعب، وهذا فارق يدل على شخصية “مورينيو” وجرأته في اتخاذ القرارات الحاسمة التي وصلت في نهاية المطاف إلى الاستغناء كليًا عن اللاعب الذي عاد مؤخرًا إلى ناديه الأول إيفرتون.
وبالمقابل عُرف عن “فيرغسون” عدم اهتزازه أمام هالة النجومية التي يحاول بعض اللاعبين فرضها على مدربيهم، فمنذ أيامه الأولى في عالم التدريب وقف “السير” سدًا منيعًا في وجه تلك المحاولات، حتى أن أول لقب أطلق عليه هو “فيرغي الغاضب” وذلك حين كان مديرًا فنيًا لنادي أبردين الاسكتلندي، وعاقب حينها المهاجم “جون هيويت”، ما جعل نجوماً بقيمة “إريك كانتونا” و”ديفيد بيكهام” و”كريستيانو رونالدو” ينحنون أمام رهبة هذا المدرب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث