الرئيسية / رأي / في سوريا.. شرِّدْ وشرذِم تسُد
جلال بكور
جلال بكور

في سوريا.. شرِّدْ وشرذِم تسُد

جلال بكور ـ صدى الشام/

طُردوا وشُرّدوا وتَفرقوا في البلاد وخارجها على كافة النواحي والأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية والأخلاقية، ويُسمون في بعض البلدان باللاجئين وهم يقبعون في سجون نصبت في وسط الصحراء أو يدفعون ثمن الضيافة إلى مضيفهم، بل باتوا مصدر زرق المضيف أحيانًا.

“التّشريد” هو الحل المثالي بالنسبة للمجتمع الدولي من أجل إعادة الشعب السوري إلى حظيرة الطاعة وفق مبدء “فرّق تسد” ولم يقتصر ذلك التشريد على الناحية الاجتماعية التي تعني البؤس والفقر، بل إن التشريد الأكبر الذي أصابنا كان من داخلنا، وجعلنا كل يوم نقتل بعضنا، وكان المستفيد الوحيد هو النظام ومن وراءه.

بات كل فصيل عسكري (إلا من رحم ربي) مرتبطاً كلياً بأهداف دول أخرى لم تخفِ نظرتها إلى السوريين على أنهم إرهابيون، وأقامت غرف الدعم وراء الجدران لمنع إسقاط النظام والتحكم بالشباب الثائر، حتى وصلنا إلى وقت تحول فيه الثائر إلى مرتزق والمرتزق إلى ثائر.

كل دولة تريد مصالحها ومعظمهم مصالحهم مرتبطة بعدم انتصار الثورة وعدم هزيمتها كليّا في الوقت ذاته، وقد ترتّب على ذلك تشريد ملايين السوريين في الداخل والخارج، وبات هذا التّشريد العامل السلبي الأكبر في التأثير على الثورة، والسبب الأكبر في سقوط معظم قلاعها وعلى رأسها داريا وحمص، “بالموت تموت مرّة وبالتشريد تموت ألف مرّة”.

كل تشكيل سياسي في الثورة قام مُشرذماً وفق مصالح الدول الداعمة والشخصيات الممثلة لها من المجلس الوطني إلى الائتلاف إلى هيئة المفاوضات وغيرها من المجموعات السياسية التي تدعي تمثيل الثورة والشعب، وكل وفد سياسي شارك في مفاوضات كانت سمته المميزة هي التشرد والتشرذم وضياع البوصلة.

أوصلنا التشرد إلى طلب المفاوضات من أجل إدخال علبة حليب لطفل بدل التفاوض على إسقاط المحاصِر للطفل (نظام الأسد)، وباتت علبة الحليب مصدر ربح للنظام وبعض فصائل الثورة التي استغلت الحصار وجعلت من المناطق المحاصرة دولاً لها مكاتب جمارك تجني الضرائب والرسوم بالدولار على حساب المدني المشرد في بيته.

لا الإحاطة بالتشرد السوري في مقال واحد لكن أهم ما يمكن لفت الانتباه إليه هو الواقع العسكري والذي بات عبئاً على الثورة، ووبالاً يجر عليها الويلات حتى في المناطق المحررة، وقد ضاعت بالتشرد معظم مناطق الثورة في البلاد ولم نتعلم الدرس وما يزال التشرد ينخر عظام الثورة ويضرب لمصلحة النظام وأعداء الثورة، في حال استمر النخر سنصل إلى ما لا يحمد عقباه.

عن طريق تشردنا وتشرذمنا بين أجندات الدول تمكن النظام من رسم خطوط دولته المنشودة وتمكنت الدول من وضع نفوذها في سوريا عن طريق قواعد عسكرية باتت هي المتحكم بحدود تشرذم وتشرّد الأرض السورية، حتى تجزأ الوطن إلى أوطان وكل وطن له مواطنوه.

كلما اتفقت بعض الفصائل العسكرية على أمر ظهر من يريد أن يستقل بنفسه ظنّا منه أنه خارج سرب الخراب، غير مدرك أن يجلب الخراب لنفسه قبل غيره، وما حلّ بشرقي دمشق وسرعة السقوط كان سببه التشرذم الذي لا يزال قائما إلى اليوم، ولن ينتهي إلا بانتصار النظام عليهم.

في كل منطقة هناك فئة تابعة للنظام تعمل على ترويج فكرة مُصالحة النظام، وتبث الفتن بين المدنيين وعناصر الفصائل، وتخبرهم بأن مصالحة النظام “طريق إلى الجنة”، حتى بات التفرق والتشرذم يضرب عناصر الفصيل الواحد إلى درجة كبيرة، فكيف يمكن لثائر أن يكون في الليل ثائراً وجندياً مع النظام في الصباح، ذلك ما جلبه التشرد والتشرذم على السوريين.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *