صدى الشام _ جلال بكور/
في نيسان 2013، عرفت سوريا لأول مرة ما يسمى بتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وذلك بعد عامين كاملين على انطلاق الثورة السورية ضد النظام الحاكم، وفي نهاية حزيران من عام 2014 أزال ذلك التنظيم كلمتي العراق والشام وأصبحت “الدولة الإسلامية” وأعلن قيام خلافة أميرها “أبو بكر البغدادي”.
خلال أكثر من أربعين سنة كاملة من حكم عائلة الأسد لسوريا لم يظهر أي تنظيم “إرهابي” يملك من القوة ما لا تملكه عشرات الدول مجتمعة بأساطيلها الجوية والبحرية وقوتها الاقتصادية والبشرية، لكن عندما طالب الشعب السوري بالحرية، خرج ذلك التنظيم من فانوس علاء الدين السحري، ليقيم دولة الخرافة التي ستكون ذريعة العالم بأسره لتدمير سوريا واقتسامها.
لا يمكن لمجموعة صغيرة أن تقوم باقتحام مدينة بأكملها تعد من أكبر مدن العراق وتسيطر على ثكنات وبنوك ومعدات وأسلحة أمريكية بالأطنان، وتقتل وتعتقل آلاف الجنود المدججين بالسلاح، ثم تسيطر على مساحة تتجاوز نصف مساحة سوريا، وعلى مطارات ومدن وآلاف القرى خلال شهور، دون أن تدمر منزلاً واحداً، بينما تجتمع أكثر من ستين دولة مدججة بأقوى أنواع الأسلحة لقتال ذلك التنظيم، فتدمر كل مدينة وقرية دخلها التنظيم، فما هذه المفارقة؟
احتل التنظيم خلال ثلاثة أيام 440 قرية ريف الرقة الشمالي والغربي وصولاً إلى مدينة “عين العرب” (كوباني) بمئات الجنود، فيما احتاجت الميليشيات الكردية بدعم طيران التحالف إلى أكثر من شهر لاستعادة “عين العرب” وحدها، بعد تدمير معظم مباني المدينة وتهجير سكانها، والمثال نفسه ينطبق على باقي القرى والبلدات.
وهنا نقف أمام مسألة جوهرية، فهل تعلمت قوات دول حلف “ضد الإرهاب” وطيرانها طريقة قصف المدن وتهجير سكانها، من خبراء نظام الأسد، أم العكس؟ هل من المعقول أن تكون لدى النظام خبرات كبيرة في طريقة “تحرير” المدينة وحصارها من أجل تعليمها لقوات التحالف، ذلك التشابه الكبير يثبت أنهم يسيرون في نفس المشروع، وبنفس الطريقة التي ينفذها التحالف بقصف المدنيين في الرقة ودير الزور اليوم، يعمل النظام في عموم مناطق الثورة منذ خمس سنوات.
في إحدى بلدات ريف إدلب تم استهداف قيادي من “هيئة تحرير الشام” عبر طيّارة من دون طيار تابعة للتحالف تحديداً، وكان القيادي بجانب السائق، وكان الاستهداف دقيقاً لدرجة أن الصاروخ أصاب جهة القيادي وقتله بينما نجا السائق، وهذا يدل على أن التحالف يملك قدرات فائقة على تحديد الهدف وإصابته بشكل دقيق، فما الذي يفسر مقتل وتدمير هذا الكم الكبير في مناطق سيطرة “داعش”؟
إما أن يكون طيران النظام يقصف باسم التحالف، أو أن يكون أخذ دروس التدمير والتهجير من النظام، أو أن يكون النظام أخذ الدرس من التحالف، وكل ذلك يدور في نفس الحلقة التي تؤدي إلى التهجير، ورسم خطوط جديدة لاقتسام سوريا على أسس طائفية وإثنية تؤمّن مصالح المستفيدين؟
بقيَت أرتال “داعش” طيلة عام كامل تصول وتجول وتتحرك من الرقة إلى حلب، ومن حلب إلى حماة، ومن حماة إلى حمص ودير الزور والبوكمال والميادين، وتعبر الحدود بين سوريا والعراق دون أي استهداف يذكر، وفجأة تحركت واشنطن لحماية “مواطنيها، والأقليات” تحديداً في العراق، وتوسعت العملية إلى سوريا، لتلحق بواشنطن دول الخليج العربي وغيرها من دول العالم التي تريد محاربة “الإرهاب”.
المصيبة الأكبر أنّ دول وأنظمة مُصدّرة وداعمة للإرهاب مثل “إيران، والميليشيات الطائفية، ونظام الأسد، والميليشيات الانفصالية” باتت هي الجهات المعتمدة حصرياً في محاربة الإرهاب من قبل واشنطن وروسيا، بالرغم من كل ما تقوم به من جرائم تطهير عرقي وطائفي على اختلاف ألوانها، لكن ما جمعها أنها تعمل ضمن مشاريع تتقاطع مع الآخرين في كثير من المصالح، وتحديداً في مشروع إعادة رسم سوريا من جديد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث