الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / نزوة الأربعين .. حالات زواج مهددة بعد عشرات السنين

نزوة الأربعين .. حالات زواج مهددة بعد عشرات السنين

صدى الشام _ وضحة عثمان/

لا تكتفي أم علي، وهي تقوم بأعمالها المنزلية اليومية، بمراقبة ابنها الصغير فحسب، بل تبقي عينها مفتوحة على “أبوعلي”، الذي ازدادت وقفاته أمام المرآة في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد ما طرأ عليه من تغيّرٍ واضح في عاداته، وغيابه المتكرر عن البيت، وضجره السريع منها، مع تغيرات تعرفها الزوجة بحدسها وخبرتها.

يزيل أبو علي بشكل يومي وبقلق بالغ بعض “الشيبات” اللواتي يظهرن على أطراف شعره، وقد دأب بعدها على صبغه مسبلاً الصباغ على شاربيه أيضاً، متحملاً سخرية أم علي وعدوانيتها وتوترها الذي انعكس على البيت كله.

وتسرّ أم علي لصديقتها أم محمد ما يقلقها من طباع زوجها المستجدة، متمنية لو توقّف الأمر على الشعر والصباغ والضجر من البيت، أو المبالغة في ألوان اللباس، بل تؤكد جازمة أن زوجها يمرّ “بجهلة الأربعين” وأن الرجل قد دخل بحالة نفسية مرضية.

أما أم عمر، فمشكلتها مع زوجها لها طابع مختلف، فهو يختلق المشاكل لأسباب تافهة أو دون أسباب، ويوجه الانتقادات اللاذعة لها باستمرار حول كل شيء (ملابسها وطريقة طهيها وترتيبها حتى لأثاث منزلها)، ومن ثم بقائه لأوقات طويلة خارج المنزل، لكنها علمت بعد كل ذلك أنه تزوج من فتاة تصغره بعشرين عاماً، فما كان من أم عمر إلا أن تركت منزلها مصطحبة أطفالها وغادرت حياته.

يرى كثيرٌ من الاختصاصيين أن الخوف من الموت والشعور بتخطي العمر الجميل والاقتراب من النهاية هو ما يدفع أبو علي وأبو عمر وغيرهما إلى تمردهم، وهو ما يشير إليه الاختصاصي النفسي “ياسر العمر” بقوله: “إن من أهم العوامل التي تدفع الرجال والنساء إلى الوقوع في تلك الأزمة، هو الفراغ الذي يعيشه الجنسين في تلك المرحلة، نتيجة التقاعد من العمل أحياناً أو انشغال كل طرف عن الآخر بأمور الحياة، مما يولد عند الرجل أو المرأة أو كليهما تصرفات غريبة”.

فشل الزواج بعد سنين طويلة غريب وغير مفهوم لمن لم يمرّ بهذه التجربة، ولا غرابة فيما أشارت إليه إحصائية رسمية صدرت عن الهيئة السورية لشؤون الأسرة، من تزايد حالات الطلاق في المجتمع السوري، إذ بلغت أكثر من ثمانية آلاف حالة في دمشق وريفها عام 2015 تتضمن المناطق التي تحت سيطرة النظام فقط.

بالطبع، فإن أسباب ارتفاع حالات الطلاق لا يعود في سنوات الحرب  إلى أزمة سن الأربعين فقط، لكن العجز عن فهم الشريك واستيعابه تتضاعف في الأزمات، فخديجة التي زوّجت أبناءها الأربعة وبناتها الثلاث، لم تسمح لظروف الحرب أن تأخذ زوجها منها، بعد أن تزوج بشكل صوري من زميلة له في العمل.

لم تتهاون خديجة في إصلاح الموقف، وبشكل مكثف وجدي تمكنت من إقناع زوجها بالعدول عن الزواج والعودة إلى منزله، وإصلاح ما تخرب.

ما قامت به خديجة هو ما تنصح به نورة جبران، الاختصاصية الاجتماعية، في حديثها لموقع اسأل طبيبك: “يخفق الكثير من الرجال والنساء في التعامل مع أزمة منتصف العمر لدى الشريك، فيبدأ كل منهما بانتقاد الآخر ولومه والتشكيك فيه، ما يُفاقم الخلافات بين الزوجين ويزيد الفجوة بينهما”.

وعن الإرشادات التي تنصح بها جبران لتجنب وتخفيف حدة الأزمة تقول: “إذا كانت الوقاية أسلم وأفضل من العلاج، فلا بد من الحرص على بناء أفراد أسوياء نفسياً، ومشبعين عاطفياً منذ طفولتهم مروراً بالمراهقة والشباب وصولاً إلى الحياة الزوجية، والتي تعتبر الفترة الأطول والأكثر صعوبة في حياة الإنسان، فالأشخاص الذين يحصلون على الحب والاهتمام والعلاقات الزوجية المُرضية، تتدنى بشدة احتمالية مواجهتهم لأي صعوبات في منتصف العمر، والتي تتطلب ذكاءً شديداً وتسامحاً مع الشريك، فما يمرّ فيه حدث طبيعي “لا إرادي”.

 

لم تجَد أم علي ما يفيدها في محنتها أثناء بحثها سوى أقوال مبعثرة هنا وهناك، فلا دراسات ولا بحوث مختصة تقدم شرحاً واضحاً لما يمر به زوجها، حتى أن مؤلف كتاب “التعامل مع أزمة منتصف العمر” الدكتور “ديريك ميلن”، أخصائي علم النفس السريري يقول: “إن البحث العلمي حول أزمة منتصف العمر قليل جداً، وإن ما لدينا من البيانات العلمية محدود من حيث النوعية والدراسات الموجودة، وإن أغلب ما صدر من المواد المكتوبة عن أزمة منتصف العمر بشكل كتب، أنتجه صحفيون بدلاً من الباحثين المُدرّبين، وتكون هذه الإصدارات سطحية ووصفية”.

 

ومن الملاحظ أن ما يمر به الرجال والنساء في ما يسمى بأزمة منتصف العمر لا يطول كثيراً، إذ تحمِل الأزمة في ذاتها أسباب انتهائها، فما كان دافعاً يصبح مثبطاً، ويعود الرجل إلى الملل من جديد، وسرعان ما يتراجع إلى كهوف سلامته وأمنه، مؤثِراً ما عرفه واعتاده ووثق به، وهو ما انتهت إليه المسرحية الكوميدية “العيال كبرت” حين يتراجع الزوج عن السفر للزواج من امرأة أخرى، ويرمي حقيبته في آخر لحظة قبيل سفره، ويضم أبناءه إليه.

شاهد أيضاً

أعمال السوريات في تركيا.. مشاريع صغيرة تصارع البقاء وأحلام كبيرة مهددة بالتعثر

يمامة دعبول – صدى الشام مجد، أمّ لأربعة أطفال، حصلت على منحة من منظمة أورانج …

العمل خلف الأبواب الموصدة.. الاقتصاد الخفي للاجئات السوريات داخل المنازل في تركيا

هاديا المنصور في أحد أحياء مدينة شانلي أورفا التركية، يبدأ نهار حسناء الشيخ أحمد مبكراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *