الرئيسية / رأي / عندما تُصدّق الشعوب من يتحكّمون بها
جلال بكور
جلال بكور

عندما تُصدّق الشعوب من يتحكّمون بها

صدى الشام _ جلال بكور/

ماذا لو لم تقُمْ الثورة السورية؟ سؤال طرحه كثيرون من مثبّطي الهِمم الذين يرددون عباراتٍ من قبيل “كنا عايشين بأمن وأمان”، “كنا عايشين وما صاير علينا شي”، هم يقولون “إنكم بثورتكم دمّرتم البلد وهجّرتم ملايين الناس وقتلتم مليون شخص، دمّرتم اقتصاد البلاد، والبنية التحتية، والمصانع والمعامل”.

فهل نقول لهم نعم إنّ ذلك صحيح؟ هل الثورة هي من دمرت البلد وهجرت الناس وقتلت مليون شخص؟

السؤال الذي طرحه بعض السوريين طرحته بعض الشعوب العربية الأخرى، وبطريقة تتحسر فيها على “سوريا الجميلة” التي تشبه “مصر مبارك” و”تونس بن علي” و”ليبيا القذافي”، وذهب بعضهم الآخر إلى الشماتة أيضاً بقوله “السوريون دمّروا بلادهم ويريدون أن يدمروا بلاد غيرِهم”.

لكن هل لدى الثورة معتقلات وفروع مثل صيدنايا وتدمر والأمن العسكري والمخابرات الجوية وأمن الدولة، وهل لدى الثورة والثوار منشآت تصنيع البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية والعنقودية، وهل لدى الثورة طائرات ميغ وسوخوي وراجمات صواريخ وقاذافات، هل لديها ميليشيات من كل حدب وصوب ودول داعمة بجيوشها وآبارها النفطية، فضلاً عن دول تحمي المجرمين الدوليين بالفيتو؟

إنّ ما أوصل البلاد إلى ما هي عليه من دمار وتهجير هو تآمر النظام وحلفائه على الثورة السورية مع كثيرٍ من عملاء الداخل، ودول المنطقة والعالم التي تظن بأنه في حال تآمرها وقضائها على الثورة في سورية ستكون ممالكها وعروشها الديكتاتورية في مأمن، متناسين أن الدور آتٍ عليهم طالما استمروا في استعباد شعوبهم، بدءاً من صدام وصولًا للقذافي وبن علي، وغيرهم من الحكام العرب وغير العرب في المنطقة.

من دمّر سوريا هو من رفض منح الحقوق لأصحابها وأراد أن تُحكم البلاد من قبل مجموعة مرتزقة ولصوص ومجرمين جثموا فوق صدور الناس منذ ستين عاماً، وقاموا بتوريث “جمهوري” من الأب للابن، ذلك النظام الذي سرق ونهب ودمر البلاد قبل أن تقوم الثورة، كان قد دمرها فكرياً وأخلاقياً واقتصادياً وعلمياً، ومزقها مجتمعياً سابقاً، وكانت الثورة نتيجة طبيعية لذلك التدمير، فهي النار التي تخرج من تحت الرماد لتذيب الحديد وتُخرِج منه الشوائب كي يعود متيناً.

دمار البلاد أمر طبيعي بفعل الحرب التي شنها النظام على الثورة بغية قتلها، فتلك الثورة حملت ضد النظام ما تستطيع الدفاع به عن نفسها وحسب، فيما حرمها من يدعون مناصرتها حق الدفاع عن نفسها أيضاً، فاستمرت بوسائل سلمية لوقت طويل.

واليوم عندما أصرت روسيا مع حلفائها على إلزام النظام بالهدنة وخفض التصعيد ولو قليلاً، وإيقاف القصف على مدينة إدلب تحديداً، عاد أهالي المدينة وبنوا جزءاً من الدمار وأزالوا ركام القصف المستمر منذ سنوات، وهذا دليل قاطع على أن الثورة لم تُدمر البلاد.

عندما جلب النظام عشرات الميليشيات والمرتزقة صرفَ عليها ما نهبه منذ سنوات  ولما نفذ ما لديه، استدان باسم الدولة السورية مليارات تحتاج سنوات وسنوات من أجل سدادها، كما جلب المحتل الروسي بحجة الدفاع عن البلد ومنحه قواعد عسكرية بالمجان لمئة سنة، بينما قام حلفاؤه الانفصاليون بنفس العملية، فهل ندرك تماماً أنّ الثورة لم تدمر البلاد؟

لقد عملت معظم الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في منطقتنا بكافة أشكالها على إقناع شعوبها بأن الثورات تدمّر ولا تبني، بينما هم يحكمون منذ عشرات السنين ولم يبنوا سوى السجون والمعتقلات لكتم صوت أي شخص يطالبهم بالبناء والكف عن الهدم، حتى باتت بلادهم في المراتب الأخيرة على كافة المستويات والمجالات، وعملوا على هدم الإنسان قبل هدم الأوطان، والمصيبة أن كثيرًا من الشعوب لا تزال تصدّق المتحكّمين بها، وتلك الشعوب ينتظرها مصيره تكون فيه يوماً ما الوقود الأخير الذي ستحرقه تلك الأنظمة قبل زوالها.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *