صدى الشام _ غالية شاهين/
قبل بداية الثورة السورية عام 2011، لم يكن أحد في العالم يطلق صفة “التطرّف” على أي مكون من مكونات الشعب السوري، بالرغم من إطلاق السوريين أنفسهم وغيرهم صفة “المناطق المحافِظة” على بعض المحافظات أوالأرياف التابعة لها وخاصة في الشمال السوري.
تلك الصفة “المحافِظة” كانت تعني أن سكان هذه المناطق ملتزمون دينياً أكثر من غيرهم، وبالتالي فهم يعيشون التزامهم هذا كعادات اجتماعية وثقافية، لكنها لم تحمل يوماً (فيما عدا فترة الثمانينات حيث عمل نظام الأسد على نشر تهمة التعصّب والتطرّف لأهالي مدينة حماة وريفها، وذلك لأسباب سياسية بحتة) معنى السلفية أو التقوقع ونبذ الآخر أوالتطبيق الصارم للشريعة الإسلامية أوالأحكام الشرعية الغريبة والموغلة في التفسير الأعمى لمصادر التشريع المتعددة. بل ما كان يحصل هو العكس من ذلك تماماً، حيث حُكمت معظم تلك المجتمعات بالعادات الاجتماعية التي تتسم بالبساطة الريفية الممزوجة بنمط العلاقات “المحافِظة”.
ومع بداية الثورة، أو قبلها، بدأ نظام الأسد برسم استراتيجيته التي سيستخدمها للقضاء على الحراك الثوري، وكان من أهم أركان تلك الاستراتيجية إلصاق تهمة التطرّف بهذا الحراك، وهنا طبعاً المقصود هو التطرف الإسلامي بشكل خاص لانتماء 73% من السوريين إلى الإسلام السني.
بدأ النظام بكافة أجهزته بنشر هذه التهمة قبل أن تبدأ العسكرة في الثورة السورية، وتابع مخططه بإطلاق عدد كبير من السلفيين المدرَّبين في سجونه ليصبحوا سريعاً أمراء حرب وقادة فصائل تحمل أسماء بدلالات طائفية وتتركز في المناطق “المحافِظة” ذاتها، مع تركيز القصف والتدمير والاعتقال على تلك المناطق بغية جرها إلى التسلّح أولاً ثم إلى التطرّف فيما بعد.
وبالفعل فقد نجحت سياسة النظام بحذافيها، وقاد العنف المفرط المطبّق على تلك المناطق إلى حمل معظم سكانها السلاح وانخراطهم في فصائل الجيش الحر في المرحلة الأولى، ثم تحولهم إلى الفصائل الإسلامية في مرحلة لاحقة ولأسباب عديدة لعل أهمها تداخل المصالح الدولية الذي أدى إلى إضعاف الجيش الحر وتقوية تلك الفصائل بالمقابل، إضافة إلى تبني الفصائل المتطرفة (ومن خلفها داعميها) لسياسات مدروسة مبنية بشكل رئيسي على قراءة حاجات الناس في المناطق التي يسيطرون عليها وتلبية تلك الحاجات وهو ما لم يكن صعباً بوجود المال السياسي المغدَق عليها.
يعتبر الريف الإدلبي مثالاً واضحاً يُظهر تطور الأحداث خلال السنوات الست الماضية، كما يعبّر تماماً عن الآلية الاجتماعية والإعلامية التي قادت إلى وسم تلك المناطق بالتطرّف الديني واتهام سكانها وبنيتها الاجتماعية بكونها حاضناً مناسباً له. فقد كان ريف إدلب من أكثر المناطق المعرضة للقصف المستمر وحملات الاعتقال المتكرر التي رافقها وجود نسبة عالية ممن قُتلوا تحت التعذيب، إضافة إلى استهداف الجوامع وشل حركة المدارس والمستشفيات، وهو ما أجبر الشباب في تلك المناطق على حمل السلاح في محاولة للدفاع عن بلداتهم وأهلهم.
في مرحلة لاحقة، بدأت الفصائل الإسلامية بالانتشار هناك، وكان أول ما قامت به هو رفع سقف الهتافات والخطابات في الجوامع التي تولى أزلامهم الإمامة فيها، وهو ما جعل الأهالي ينظرون إلى تلك الفصائل على أنها الأقوى في مواجهة النظام دون إدراك أو تفكير بمرجعياتها أو ارتباطها بالفكر المتطرف أوتنظيم القاعدة.
في تلك المرحلة، لعب قادة الفصائل بحرفيّة على وتر المتطلبات الحياتية المفقودة للسكان فبدؤوا بتأمين الأفران وتصليح الطرقات وإعادة بناء البنية التحتية التي دمّرها القصف والبراميل، وهو ما جذب السكان أكثر باتجاه من اعتقدوا أنهم قادرون على تلبية حاجاتهم وتحقيق استقرار جزئي في المناطق التي باتت آنذاك محررة من سلطة نظام الأسد.
لم يدُم الأمر طويلاً حتى بدأت تلك الفصائل برفع مستوى خطابها الديني المتطرّف والتحكم في رقاب الناس بفرض سلطتها شبه المطلقة بقوة السلاح، مظهرةً يوماً بعد آخر وجهها الحقيقي المستبد دينياً واجتماعياً. وهو ما شكّل بعد فترة ضغطاً مضاعفاً على الأهالي دفعهم إلى التململ ومعارضة تلك السلطة الجديدة التي طالت كل تفاصيل حياتهم، والتي استبدلوا بها دون إدراك كافٍ السلطة السياسية والأمنية لنظام الأسد.
وباستثناء شريحة بسيطة من الشباب الذين استطاعت الفصائل المتطرفة أدلجتهم، بدأ سكان تلك المناطق بالرفض الحقيقي للسلطة الدينية الجديدة، كما بدؤوا بانتقادها سراً وعلانية، خاصة بعد أن أدى تطبيق القوانين الشرعية الجديدة إلى شلل كامل لنصف ذلك المجتمع، وهو النساء، اللواتي يعتبرن المنتج الاقتصادي الأساسي في الأرياف بشكل عام، وفي تلك المناطق بشكل خاص.
البيئة الاجتماعية السورية إذاً ليست قابلة لتكون يوماً حاضناً حقيقياً للتطرف، وهو عكس ما عملت وسائل الإعلام الغربية والعربية، وحتى المحسوبة على الثورة، على إظهاره. وربما كانت تلك الوسائل الإعلامية هي المسبب الرئيسي لانتشار هذه التهمة عالمياً وتغلغلها حتى في أوساط المعارضة السورية التي باتت مع الزمن تردّد كالببغاوات ما يردده الإعلام.
التطرّف في سوريا ليس مرضاً حقيقياً بجذور وقصص تاريخية، إنما هو عرض مرضي ظهر على الجسد السوري كنتيجة لحرب طحنته وأضعفته، لكنه سيزول حتماً بشفاء السوريين من داء الأسد وكل تبعاته.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث