صدى الشام _ جلال بكور/
لا يبدو أنّ الوجهة التركية القادمة هي المشاركة في معركة الرقة، وخاصة بعد اتخاذ الإدارة الأمريكية قرارها بتسليح الميليشيات الكردية لتأدية هذا الدور “تحرير الرقة من داعش”، بغض النظر عن نتائجه المستقبلية على تركيا أو المنطقة، في وقت تخضع فيه المنطقة الشمالية الشرقية لنفوذ واشنطن المتواجدة على الأرض بقوات تحت مسمى التحالف الدولي، بالإضافة لقواعد عسكرية ومطارات.
عفرين والتي تعد الكانتون الغربي للدولة الكردية المنشودة تشكل خطراً أكبر على الأمن القومي التركي أكثر من الرقة والحسكة، وإن كان الامتداد الكردي داخل الأراضي التركية من تلك الجهة، إلا أن عفرين هي النقطة السكانية المركزية في ريف حلب الشمالي والتي تضم سبع نواحي فيها أكثر من نصف مليون كردي يتوزعون على 366 قرية، فضلاً عن اتصالها بالأحياء الكردية في مدينة حلب.
هذا الموقع المهم اقتصادياً وبشرياً قد يسيل لعاب الميليشيات، بفعل الدعم الخارجي، للتفكير بمنفذ بحري للكانتون الكردي الأهم في المنطقة، ولكونه امتداداً للواء اسكندرون فإنه سيشكل الخطر الأكبر على الامن التركي.
أعتقد أن عفرين هي وجهة تركيا المقبلة وإن لم تكن المدينة هي الهدف المباشر، فسيكون تطويق عفرين الهدف الأول حتماً من خلال خط نفوذ تركي من منطقة أطمة إلى سمعان في ريف حلب الغربي، وريف إدلب الشمالي مع إطلالة الجبل على ترمانين، وامتداداً مع حدود لواء اسكندرون إلى جبل التركمان والأكراد في اللاذقية، وحتى مناطق نفوذ نظام الأسد في كسب على الساحل السوري.
الخط الذي أتحدّث عنه سيكون كأنه “جدار” مشابه لجدار جرابلس – الباب والذي تم تقويته بـ “إسمنت” المعارضة السورية المسلحة وحديد الجيش التركي، عبر تشكيل “فيلق سوري” بوصاية تركية، يكون معتدلاً ومهمته محاربة التنظيمات الإرهابيّة، وقد يتوسع هذا الجيش كلما ازدادت حركة الهجرة والتهجير إلى جرابلس.
لن تدخل تركيا في معركة مباشرة ضد الميليشيات الكردية في الرقة لأنها معركة استنزاف طويلة، لا تعرف تكلفتها، ولن تدخل معركة إلى جانبهم ضد “داعش” كونهم تنظيمات إرهابية مثل “داعش” وفق نظرة أنقرة، التي لا تريد بدورها خلط الأوراق مع واشنطن وخاصة مع الإدارة الجديدة.
ستعمل تركيا على تطويق المد الكردي وفصله عن بعضه بعضًا لأنها ليست قادرة على مواجهته دون تفاهمات مع الدول الكبرى، وأية حركة غير مدروسة قد تكلفها معركة استنزاف هي بغنى عنها في الوقت الحالي، لذلك فالتطويق والتفريق هو الحل الأمثل للمرحلة الحالية خاصة مع اتفاق خفض التصعيد الذي تم في اجتماع أستانا الأخير.
ومن الذرائع التي يمكن من خلالها أن تدخل تركيا في معركة تطويق عفرين، وبناء “جدار” آخر يقف في وجه وصول الميليشيات الكردية إلى الساحل، هناك الأمن القومي الذي يمكن من خلاله حشد الرأي العام التركي ثم محاربة التنظيمات المتطرفة، وهو ما سيعطيه مزيداً من التأييد الشعبي، بينما سوف يحظى بتأييد فصائل من المعارضة لحسابات أخرى، فيما سيلقى تأييداً من المدنيين السوريين نتيجة سوء الإدارة من قبل الفصائل.
طبيعة المعركة القادمة مختلفة عن معركة جرابلس والباب ولها تفاهمات عدة ربما تنضج بعد لقاء ترامب بأردوغان والذي من المتوقع أن يقوم بتفضيل “زيتون” عفرين على “قطن” الرقة، وخلاله سيتم التفاهم على عدة ملفات منها ملف ريف حلب الشمالي الذي لا يمكن لتركيا أن تغفل عنه وتقف دون وضع حل له.
ليس ضرورياً لتركيا أن تقوم حالياً بالدخول إلى إدلب بشكل كامل كما يشاع من أخبار عن نيتها اقتحامها، بل يكفيها في الوقت الحالي خط عسكري ممتد من أطمة إلى دير سمعان أوأبعد بقليل في ريف حلب الشمالي الغربي، مع تضييق الخناق على نواحي عفرين من جهة إعزاز وقطمة في ريف حلب الشمالي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث