الرئيسية / رأي / قَسِّموها و”فضّوا هالسّيرة”

قَسِّموها و”فضّوا هالسّيرة”

جلال بكور/

لسنا مع التّقسيم والسوريّون بالمجمل وطنيّون وضدّ التّقسيم، حتى الانفصاليون منهم نددوا بـ”اتفاق تخفيف التصعيد”، ونعتوه بالاتفاق غير الشرعي الذي يهدف إلى تقسيم سوريا، لكن لا يمكننا أن ننكر أن من يدعي حرصه على وحدة سوريا يخطو خطوات واثقة جهاراً نهاراً نحو التقسيم.

تهيّأت كل الظروف والمقومات وبات التقسيم أمرا واقعيّاً في سوريا بغض النظر عن نوعه وشكله وكيفية تطبيقه أكان على شكل فدراليّة أو مناطق آمنة أو مناطق نفوذ محاطة بقوات فض اشتباك أو اقتطاع للأراضي وحمايتها من قبل قوات عربية أو دولية.

تلك الظروف عمل على صناعتها المجتمع الدولي الذي أدرك أن عملية تقسيم سوريا هي الحل الوحيد للقضاء على ثورة الشعب السوري، وطمس تطلعاتها. وعلى الرغم من تضارب المشاريع وأهدافها وغاياتها إلى أنها اجتمعت على ضرورة تقسيم سوريا، وإن كانت بدايتها مناطق نفوذ أو وقف إطلاق نار.

أرخى المجتمع الدولي وعلى رأسه واشنطن الحبل لنظام الأسد، كالراعي الذي وضع ذئباً من أجل حراسة القطيع، وقام بتصفية كل قائد وطني يمكن أن يُجمع عليه السوريون، وعيّن أمراء الحرب، وسمح بتقوية الانفصاليين، وترك النظام يستبيح المناطق على أسس طائفية.

وعندما وُضعت الخطوط الحمراء على حمص والساحل كانت خطوة نحو التقسيم، وكذلك الأمر بالنسبة لمناطق الأحزاب الانفصالية، وعندما فتحت المدافع والبنادق تجاه المناطق الثائرة كانت خطوة ثالثة باتجاه التقسيم، وعندما حوصرت المناطق وهُجّر أهلها كانت خطوة رابعة، أما الخطوة الكبرى فكانت عندما تُرك تنظيم “الدولة الإسلامية” يسيطر على أكثر من 60 بالمئة من مساحة سوريا وجاءت سيطرته عن طريق طرد المعارضة السورية والجيش السوري الحر، تلك كانت أوضح الخطوات نحو التقسيم والتدخل بحجة محاربة التنظيم مع نسيان الإرهابي الأكبر “بشار الأسد”.

لقد مزق المجتمع الدولي “المجتمع السوري” قبل أن يمزق الأرض السورية، وكان على دراية تامة بأن تمزيق الأرض لا يتم قبل تمزيق الفكر والعقيدة والرأي والإيمان والوطنيّة، وعمل على تكثيف الأحقاد بين طوائفه وأعراقه وأحزابه، لتصبح راحة السوريين وخلاصهم بالتقسيم! حتى كأن المجتمع الدولي أراد إيصال المواطن السوري إلى مرحلة يقول فيها “قَسِّموها وفضّوا هالسّيرة”، “بدنا نخلص بقا، ريحونا”.

شعب أُخرج من منزله ليسكن الخيام، شعب قُصف بالكيماوي وقُتل ذبحاً بالسكاكين؛ عرفَ الجوع وحورب بكل ما هو قذر، وربما اليوم تحديدا شعر الجلادون أنه بات شعباً يقبل فكرة التقسيم وهو مقتنع بأنها سبيل الخلاص.

لا نبالغ ربما إذا قلنا أن الأرض السورية والشعب السوري باتا ممزقين عسكرياً وفكريّا وإيديولوجياً وطائفيّا وعرقياً وحتّى مناطقياً وطبقيّاً واجتماعياً، وربّما منقسمين ومقسّمين على جميع الصعد، ولا يجمعهم سوى الموت على يد نظام الأسد والميليشيات خلال ما يزيد عن ست سنوات من الحصار والدمار والقتل والتهجير.

اليوم أنهكت سوريا بشكل كبير حتّى باتت كالغزالة التي وقعت في مصيدة ضباع، ولم تعد قادرة على الرّكض، لقد خارت قواها وسقطت لتبدأ الضباع بتمزيق جسدها وأكل لحمها.

هل تستطيع تلك الغزالة أن تجمع جسدها من جديد؟ هل تستطيع أن تسترد لحمها من فم الضباع؟ هل تعلم في بطن أي ضبع باتت عظامها؟ ربما لو علمت لكان لها القدرة على أن تعود كما كانت؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *