الرئيسية / رأي / المعركة التركية في سوريا

المعركة التركية في سوريا

صدى الشام _ جلال بكور/

لا شك أن الأحداث السوريّة كانت الأشد تأثيراً في الملف الكردي بالنسبة لتركيا تحديداً، وذلك أكثر من أي ملف آخر، ويمكننا القول أن أكثر ما دفع بالدولة التركية إلى دعم المعارضة السورية المسلحة هو التخوف من المد الكردي في الشمال السوري. ولا يخفى أن المد الكردي لا يأتي بيد الكرد أنفسهم إنما بيد أعداء تركيا التاريخيين وعلى رأسهم بريطانيا وروسيا وواشنطن.

لا نريد القراءة مطولاً في التاريخ وكيفية ظهور الحركات القومية التي صنعتها بريطانيا في الشرق الأوسط وتحديداً العربية منها والكردية والتركية، والتي خلفت أحزاب قومية متشددة “أتاتوركية، وعمالية كردية، وعربية”، وباتت تلك الأحزاب مقبولة في الحكم لدى الغرب على عكس التطرف الديني الذي يكون حجة للتدخل العسكري المباشر في المنطقة وإدارتها.

لقد جعلت الأحداث السورية تركيا تعود عقداً من الزمن إلى ما قبل العهد الأردوغاني، حيث الدماء والتفجيرات تملأ أنحاء تركية نتيجة القتال المستمر بين حزب العمال الكردستاني والجيش التركي، ودفعت بالعدالة والتنمية إلى العمل على كسب الأتراك ذوي التوجهات القومية، فدائماً ما تتحرك المشاعر القومية لدى التركي عندما تكون المشكلة مع عدو خارجي.

لدى أنقرة مشكلة كبيرة وهي أن ما تعتبره منظمة إرهابية ويشكل خطراً حقيقياً على أمنها القومي تعدّه حليفتها اللدودة واشنطن شريكاً في محاربة الإرهاب التكفيري، كما يشارك واشنطن في اعتقادها هذا العدو القديم والصديق الجديد موسكو.

كيف ستبدأ الدولة التركية معركتها للقضاء على ما تعتبره خطراً على أمنها القومي، وكيف ستجتاز تركيا الحواجز التي يضعها حلفاؤها اللدودون في طريقها، فيما عملية “درع الفرات” لم تتعدَّ محاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وعند تحركها ضد الخطر المحدق بالأمن القومي وقفَ الحلفاء في وجه حليفهم؟

يرى البعض أن ما يقوم به حزب العدالة والتنمية هو دعاية انتخابية لجذب القوميين الأتراك لصالحه فقط من أجل البقاء أطول فترة ممكنة في سدة الحكم، وأنا لا أوافق هذا الرأي، ولو صح فهو من الذكاء السياسي في استغلال الظروف المحيطة، لكن حقيقة أن تركيا تخشى من الكانتونات الكردية في الشمال السوري هي أمر واقعة وتدركه أنقرة جيداً، لأنه مقدمة لتقسيم سوريا وبالتالي تقسيم تركيا.

يتذكر الأتراك التاريخ مستشعرين خطر التقسيم في سوريا، لذلك يريدون أن يكونوا طرفاً يدير الحل لا أن يكونوا جزءاً منه، لأنهم في ذلك الوقت سيكونون ضمن الحل الذي يهدف إلى تقسيم المنطقة وإدارتها بسهولة أكبر، وهو ما يعني “أزمة تركية” على غرار “الأزمة السورية”، و تركيا لا تريد أن تكرر مشهد الدولة العثمانية المريضة، ليس بتقسيم تركة الدولة المريضة إنما تقسيم الدولة ذاتها.

ربّما ستضطر أنقرة أخيراً إلى دخول حرب حقيقية مع الميليشيات الكردية في الحسكة والرقة، بشكل مباشر أو عبر الإستعانة بالمعارضة السورية أو بطرق أخرى، بتوافق دولي أو بغيره، لكنها لن تبقى مكتوفة الأيدي إلى ما لا نهاية.

ويبقى التساؤل دوماً: هل ما يخشاه العالم اليوم وخصوصاً الاتحاد الأوروبي وروسيا وواشنطن وغيرهم من حكومات الشرق الأوسط، هو عودة النفَس التركي العثماني العسكري الذي لا يخشى شيئاً ويأكل الأخضر واليابس ولا يأبه للجيوش الجرارة، هذ النفَس الذي كرّسه الجيش الانكشاري في ظل “دولة الإمبراطورية”، بالإضافة للأسطول الذي خاض المعارك في الأطلسي وفتح جزراً وراء البحار؟

المعركة التركية الكردية في سوريا قادمة دون أدنى شك، لكن هل تبقى تلك المعركة في سوريا أم أنها سوف تمتد إلى داخل تركيا، وتنتشر في مناطق يشكل الكرد غالبيتها في جنوب وغرب البلاد؟ وهل تتجه واشنطن إلى تحويل خوف تركيا من التقسيم إلى معركة استنزاف طويلة لها؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *