صدى الشام- مثنى الاحمد/
انشغل أغلب محللي ومتابعي كرة القدم في الأيام القليلة الماضية بمحاولة تفسير فشل برشلونة بتكرار “ريمونتادا” ثانية أمام يوفنتوس، وتوديعه لمسابقة دوري أبطال أوروبا من الدور ربع النهائي، في مقابل استمرار غريمه التقليدي ريال مدريد في المنافسة بعد تخطيه العملاق الألماني بايرن ميونخ، وما صاحبها من أحداث تحكيمية مثيرة للجدل، وأغفل هؤلاء الحديث عن ظاهرة تمثلت بفريقٍ يقدم موسمًا رائعًا وصل من خلاله إلى نصف نهائي المسابقة الأوروبية الأولى بنتائج مميزة، في وقت ينافس فيه على صدارة دوري بلاده أيضاً.
إنه نادي موناكو الذي اعتبره بعض المتابعين مفاجأة الموسم، لكن لو تتبعنا مسار النادي لاستنتجنا أن ما وصل إليه هو في حقيقة الأمر خلاصة عمل دؤوب سابق، يقطف أصحابه ثماره اليوم.
قلائل هم من أنصفوا نادي الإمارة الفرنسية في ظل الإبهار الذي يصنعه مؤخرًا، و الذي تجلى بمسيرة مثالية حتى الآن في “تشامبيونزليغ” تمثلت بتصدره مجموعة كانت تضم معه أندية توتنهام هوتسبير وصيف الدوري الإنجليزي، وبايرن ليفركوزن الألماني، ثم تخطيه مانشستر سيتي في الدور الثاني، قبل أن يتفوق في مباراتي ذهاب وإياب ربع النهائي على بروسيا دورتموند الذي عجز ريال مدريد عن مجاراته في دور المجموعات، ومن جهة ثانية يقترب موناكو من الظفر بلقب الدوري الفرنسي وهو التتويج الذي غاب عنه منذ نهاية الألفية الأولى.
من الدرجة الثانية إلى المنافسة القاريّة
هذا التفوق القاري والمحلي ما هو إلا تتويج لمجهود فريق يعمل بمنظومة هجومية فتاكة تعتبر هي الأقوى في أوروبا، فقد نجح لاعبو موناكو حتى الآن بإحراز 90 هدفًا، وهو أكبر عدد من الأهداف يسجل في جميع الدوريات الأوروبية والعالمية، إضافةً لـ 21 هدفًا سجلها بدوري الأبطال، و6 أهداف من مباراتين فقط بمسابقة كأس فرنسا التي وصل فيها نادي الإمارة إلى الدور نصف النهائي في مواجهة باريس سان جيرمان.
قد يكون هذا الموسم بالنسبة لـ موناكو الأفضل على مرّ تاريخه إذا ما نجح بتخطي العملاق الإيطالي يوفنتوس في الدور نصف نهائي من مسابقة “شامبيونزليغ”، فلم يسبق للنادي الفرنسي أن جمع بين لقب محلي وآخر أوروبي، إذ أن أفضل إنجاز خارجي له جاء موسم 2004 حين وصل لنهائي دوري أبطال أوروبا تحت قيادة المدرب الحالي لمنتخب الديوك “ديديه ديشامب”، الذي خسر اللقب لصالح بورتو “جوزيه مورينيو” بثلاثية نظيفة، بينما نجح الفريق الفرنسي في نيل لقب الدوري سبع مرات كان آخرها موسم 2000.
لكن ما الذي يجعل موناكو حاليًا مختلفاً عن باقي السنوات؟ وكيف استطاع هذا النادي محو مرارة الهبوط إلى الدرجة الثانية، والتحول لفريق منافس داخل وخارج فرنسا في فترة قصيرة جدًا لم تتجاوز الخمس سنوات؟
الإدارة القوية والملياردير الروسي
رغم أن إمارة موناكو تعتبر نقطة التقاء لأغنى أغنياء العالم منذ زمن طويل، إلا أن فكرة الاستثمار في ناديها بشكل يوازي حجم الاستثمار في المشاريع الاقتصادية والسياحية الأخرى التي تقام على أراضيها لم تراود أحداً قبل مجيء رجال الأعمال الروسي “ديمتري ريبولوفليف” الذي عمل على تكوين إدارة قوية أسست بدايةً لمشروع طَموح قاده المخضرم الإيطالي “كلاوديو رانييري”، وكانت العودة بالفريق إلى دوري الكبار أولى خطواته مع الفريق، ثم تم ضخ حوالي 160 مليون يورو من قبل المالك الجديد، وهي غير تلك الأموال التي دفعها مقابل الاستحواذ على 66.67 بالمئة من أسهم النادي في بداية عام 2012.
وقام موناكو باستثمار الأموال الروسية بإجراء صفقات قوية جداً في صيف 2013 من أجل المنافسة على لقب الدوري الفرنسي، حيث وقّع مع نجوم من طينة الكولومبي “راداميل فالكاو” مقابل 60 مليون يورو، وكذلك التوقيع مع مواطنه “خاميس رودريغيز” مقابل 45 مليون، والبرتغالي “جواو بينتو” بـ 30 مليون، إضافةً للكثير من الصفقات ذلك الموسم والتي بلغ عددها 24 صفقة ضمت لاعبين شباب يتألقون حاليًا مع الفريق الأول من بينهم “تيمو باكايوكو” الذي يعد من أبرز لاعبي الارتكاز في العالم.
واعتمدت إدارة موناكو مع “ريبولوفليف” منذ بداية عملها، بشكل أساسي، على جلب مواهب من داخل وخارج فرنسا واستطاعت من خلالها إمداد الفريق الأول بلاعبين قادرين على المنافسة محليًا أهلته فيما بعد لخوض غمار البطولات القارية، وتمثلت هذه التعاقدات باستقطاب لاعبين كـ “أداما تراوري” متوسط ميدان المنتخب المالي للشباب الذي احتل المركز الثالث في نهائيات كأس العالم الأخيرة، والمهاجم الفرنسي “ايرفين كاردونا” صاحب الـ 19 ربيعًا، ومواطنه “ديلان يوليو” ذو الـ 18 عامًا، إضافةً لـ “كلين مبابي” الذي يبلغ من العمر أيضًا 18 عامًا، ما جعل فريق الإمارة صاحب أصغر معدل أعمار في فرنسا والبالغ 22 عامًا.
وبالفعل كانت فكرة التعاقد مع وجوه شابة أول خطوة ناجحة قامت بها الإدارة الثرية، حيث كونت خزاناً من المواهب، وعملت على تنميتها وصقلها في مدرسة أصبحت تخرج أسماء تتغزل بها أكبر الأندية الأوروبية أمثال الجوهرة “مبابي”، وهذا ما كان غائبًا منذ تسعينيات القرن الماضي حين قدّم موناكو لنا الغزال الأسمر “تيري هنري”.
ويُحسب للإدارة أيضًا حسن تسويقها للاعبين والاستفادة منهم ماديًا بأفضل صورة، حيث تمكنت من بيع “خاميس” لـ ريال مدريد بمبلغ ضخم وصل إلى 80 مليون يورو، وهذا أعلى سعر يدفع في لاعب من موناكو طيلة تاريخه.
كل هذه المعطيات تدل على وجود أشخاص على دراية تامة بكيفية إدارة الفرق وإيصالها إلى درب البطولات التي ستأتي حتمًا إن بقي الوضع الإداري على ما هو عليه.
مدرب شاب بخبرة الكبار
قدّم موناكو للعالم أحد أفضل المدربين في الوقت الحالي، فالمدير الفني “ليوناردو جارديم” عرف كيف يستغل قدرات لاعبيه على أكمل وجه، ليس هذا فحسب فكثير من المؤشرات تدل على أن البرتغالي يقوم بعمل كبير داخل النادي على صعيد تطوير لاعبيه، وزرع روح المنافسة وحب الانتصار فيهم، وهذا ما لوحظ على جميع أفراد الفريق حين واجهوا مانشستر سيتي على ملعب الأخير في دور الثمانية من دوري أبطال أوروبا قبل عدة أسابيع، ولم نشاهد حينها أي رهبة على وجوه لاعبين يفتقد أغلبهم لخبرة في مثل تلك مواجهات، والدليل على ذلك تسجيلهم لـ ستة أهداف في شباك فريق يقوده الفيلسوف “بيب غوارديولا” الذي انحنى أمام الواقعية التي ينتهجها “جارديم” في إدارته لمباريات فريقه.
ومن الجوانب التي تُبرز قدرة “جارديم” على استخراج أفضل ما لدى نجومه هو ما فعله مع مهاجمه “فالكاو” حين منحه كل الوقت اللازم للتعافي من كل إصابة كان يتعرض لها منذ بداية هذا الموسم، الشيء الذي لم يقم به “فان خال” حين أشرف على اللاعب في مانشستر يونايتد ولا “جوزيه مورينيو” في تشيلسي، ليغدو الكولومبي حاليًا ضمن أفضل هدافي دوري أبطال أوروبا برصيد 7 أهداف من 9 مباريات.
نوعية “جارديم” تذكرنا بمدربين أمثال الاسكتلندي “أليكس فيرغسون” والإسباني “ديل بوسكي”، تلك النوعية التي تعتبر اللاعب إنسانًا وليس سلعة، وعادة ما تبتسم الكرة لهؤلاء الأشخاص، ويكفي ملاحظة عدد الألقاب التي حصدها السير بعد أشهر من تعافي “فان نيستلروي” من الرباط الصليبي في بداية الألفية الثانية، وكذلك “فان بيرسي” خلال موسم 2013/2012، وذات الشيء حصل لـ “رونالدو” في ريال مدريد مع “ديل بوسكي”.
عمل جيد ولكن ..
كل شيء في موناكو يبشر بمستقبل رائع، فالنادي يسير بخطى واثقة في مشروعه والأهم من ذلك أنه لا يعيش واقع الديون المتراكمة كحال أغلب الأندية الكبيرة، وهذا يعود كما ذكرنا سابقًا لوعي الإدارة المشرفة عليه، ووقوف رجل ثري من خلفه، لكن بالنظر لتاريخ النادي القريب والبعيد نلاحظ أنه مرّ بفترات جيدة مشابهة للحظة التي يعيشها في هذا الوقت، إلا أن القائمين عليه في تلك الفترة لم يستمروا في عملهم فشهد الفريق سقطات مؤلمة عدة هبط على إثرها إلى مصافي الدرجة الثانية في ثلاث مناسبات كان آخرها موسم 2011.
والمطلوب من مسيري النادي هنا أخذ العبرة من الإخفاقات السابقة، فَكُرة القدم تعتمد بشكل أساسي على الاستمرارية في العمل ولا يوجد ما هو مضمون في عالم المستديرة، فالذين عاصروا حقبة “أرسين فينغر” مع موناكو والإنجازات التي حققها في تلك الفترة توقعوا أن يعتلي الفريق لاحقًا منصات التتويج مُزاحمًا كبار القارة العجوز، وهذا لم يحدث طبعًا فالفريق عاد ليخفق ولم يستطع حتى مجاراة جيرانه المحليين.
ولعل من شاهد الفريق، قبل سنوات، كيف أخرج العملاق الإسباني ريال مدريد ووصل إلى نهائي أمجد الكؤوس الأوروبية لم يراوده كابوس الهبوط بعد أعوام قليلة، وهذا ما يدركه كل عارف بخبايا الساحرة التي لا تعترف بالإنجازات اللحظية وتتطلب الاستمرار في العمل ولا شيء آخر.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث