صدى الشام- مثنى الأحمد/
لمعت العديد من الأسماء العربية ولا تزال مع أندية أوروبية بعضها عريق ويحمل تاريخاً كبيراً، لكن اللافت في هؤلاء اللاعبين المميزين أنهم ينتمون بمعظمهم إلى عرب أفريقيا (مصر، الجزائر، تونس والمغرب)، بينما لم يتمكن أشقاؤهم من عرب آسيا من إثبات أنفسهم، واقتصر تمثيلهم في أوروبا على أسماء لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة.
ورغم وجود نجوم كبار تألقوا في الدوريات الخليجية والآسيوية، إلا أنهم لم يَبلُغوا مرحلة الاحتراف في أندية أوروبية. حتى أن تجارب بعضهم كانت فاشلة أو توقفت في بدايتها، باستثناء الحارس العماني “علي الحبسي” الذي قدم أداءً ملفتًا في إنجلترا خصوصًا مع نادي ويغان أتلتيك، إلى جانب اللاعب السعودي “حسين عبد الغني” الذي كان له تجربة مقبولة مع نيوشاتل السويسري، وأيضًا السوري “سنحاريب ملكي” الذي يعد أنجح من احترفوا خارجيًا فهو أكثر من سجل أهدافًا في أوروبا من العرب، إضافةً للاعب اللبناني “رضا عنتر” لاعب هامبورغ السابق والمحترف حاليًا بالقارة الأفريقية مع نادي فري تاون السيراليوني، وفي الوقت الحالي يبرز الظهير العراقي “علي عدنان” الذي يتألق في الدوري الإيطالي مع نادي اودنيزي، أما ما تبقى من نجوم فقد فضلوا البقاء في بلدانهم أو الانتقال للعب في (قطر، الإمارات، السعودية والكويت)، وفي حالات نادرة توجّه بعضهم إلى الدوري الصيني مثل اللاعب السوري “فراس الخطيب”.
وتضم الدوريات العربية عدة لاعبين بارزين يعتبرون من الأفضل في آسيا، أبرزهم السعودي “ناصر الشمراني” والإماراتي “أحمد خليل” واللذان تُوجا بلقب أفضل لاعب آسيوي سابقًا، والسوري “عمر السومة” والنجم الإماراتي “عمر عبد الرحمن” الملقب بـ “عموري” والذي يمتلك موهبة كبيرة تخوله للعب في أفضل الدوريات العالمية.
هذه الأسماء لم تستطع حتى اليوم السير على خطى لاعبين عرب من القارة السمراء أمثال الجزائري “رياض محرز”، والمصري “محمد صلاح” والمغربي “المهدي بن عطية” وغيرهم الكثير من الأفارقة العرب الذين كانوا امتداداً لنجوم كبار خاضوا تجارب لافتة مع أندية أوروبية أمثال “رابح ماجر” الحاصل على لقب دوري الأبطال مع بورتو البرتغالي، والحارس “بادو زاكي” صانع أمجاد مايوركا الإسباني نهاية الثمانينيات.
وهنا نتساءل لماذا لم يَصِل اللاعبون من عرب آسيا لما حققه أقرانهم في أفريقيا والذين باتوا علامة فارقة في أنديتهم الأوروبية على اختلاف أسمائها؟ سؤال واضح يحتمل الكثير من الأجوبة والاحتمالات.
لا عروض من فرق كبيرة
لم يحصل أغلب نجوم الكرة العربية في آسيا على عروض مهمة من فرق كبرى، الأمر الذي يجعل هؤلاء النجوم وخصوصًا الخليجيين منهم يرفضون فكرة الإحتراف الأوروبي، حيث يسعى هؤلاء وراء الأندية الكبيرة فقط، فعروض الأندية الصغيرة التي تلعب في أوروبا لا تلبي طموحهم، وينظرون إليها على أنها لا تحظى بالهالة الإعلامية المأمولة.
لكن هذه الحسابات تلغي فكرة أن تكون تلك التجارب نقطة انطلاق نحو هدف أكبر، الشيء الذي أدركه بالفعل “علي الحبسي” حين اختار بدء مشواره الاحترافي من نادي صغير وغير معروف يدعى “لين” في النرويج وهناك ظهرَ وتألق حتى رصدته عيون الإنجليز.
ومن الأسباب التي تجعل عرب آسيا يرفضون اللعب في أندية أوروبية صغيرة تفضيلهم الانتقال إلى دوريات أقرب تدفع الرواتب الكبيرة التي تفوق ضعف ما ستقدمه تلك الأندية.
وبالإضافة لهذه العوامل هناك النجومية التي تنطبق بالتحديد على اللاعبين المحترفين في دول الخليج العربي والذين يعتبرون نجومًا كبار في أنديتهم ويحظون بحب الجماهير ومتابعتهم، وبالرعاية والاهتمام من مسؤولي الفرق، ويخشى هؤلاء اللاعبون من تراجع شعبيتهم وفقدان نجوميتهم بعد الاحتراف الخارجي مع نادي لا يملك شعبية كبيرة.
وعلى عكس ذلك، نجد أن لاعبي عرب أفريقيا لا يعيرون أهمية للعوامل السابقة ولا يجدون ضيراً من الانتقال إلى أي نادٍ أوروبي مهما كانت سمعته، ومن بعده يسعون للنجومية مع نادٍ كبير أو يبقون مع فريقه الذي يكون بطبيعة الحال أفضل بالنسبة للاعب لما يوفره له من ميزات مادية ومعنوية قد لا يحصل عليها في بلده.
ويعتبر المصري “محمد النني” من أوضح الأمثلة على لاعبين قرروا الانطلاق من دوري صغير في أوروبا نحو النجومية، حيث انتقل في بداية الأمر إلى نادي بازل السويسري قبل أن يسطع نجمه هناك ويخطفه نادي أرسنال الإنجليزي.
صعوبة التأقلم
لعل أكثر ما يشغل اللاعب العربي الآسيوي وتحديدًا الخليجي قبل قيمة العقد وتفاصيله هو الغربة وصعوبة التأقلم، والتي تشكل حاجزاً بينه وبين حلم الاحتراف، حيث اشتكى أغلب اللاعبين الذين جربوا الاحتراف في أوروبا من صعوبة التأقلم والإجراءات الصعبة في الفرق الأوروبية بالإضافة إلى التدريبات الشاقة وهي أمور لم يألفوها في فرقهم وبلدانهم.
كما أن للغة دور كبير في تأقلم هؤلاء اللاعبين الذين يجدون أنفسهم مجبرين على تعلم لغة ثانية غير لغتهم الأم، على عكس عرب أفريقيا الذين يتكلمون أساسًا أكثر من لغة وبشكل طبيعي، كالفرنسية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية وهذا ما يسهل احترافهم واندماجهم مع الفرق الأوروبية.
ولعل ما حصل قبل سنوات قليلة مع العراقي “محمد الكاصد” مثال آخر يجسد فشل الآسيويين العرب في التعود على أجواء الاحتراف الأوروبي، حينها كان حارس المنتخب الأولمبي مطلوباً لدى أكبر الأندية الخليجية لكنه فضّل الانتقال إلى نادي كينوراس القبرصي أملاً في المشاركة بمسابقة الدوري الأوروبي التي كان لناديه الجديد مقعد فيها، لكن بعد أربعة أيام فقط على التوقيع أعلنها الحارس العراقي: “لن أستطيع البقاء في قبرص، والسبب باختصار اللغة ليست لغتي والبيئة بعيدة عن حياتي”.
وقرر “كاصد” حينها العودة من حيث أتى رافضًا الاحتراف الأوروبي مهما كانت إيجابياته لأنه أحس بالغربة ولأنه لم يحتمل ذلك أكثر من أربعة أيام، بينما لم نشهد مثل هذه الحادثة تحدث مع العرب الأفارقة.
الخوف من الاحتراف
يعود هذا الخوف إلى عدم وجود تجارب تشجع اللاعب على الاحتراف الخارجي، فبخلاف اليابان وكوريا الجنوبية فإنه لا يوجد احتراف بمعنى الاحتراف الكامل في البلدان الآسيوية الأخرى ومن ضمنها العربية.
وينتهج اليابانيون والكوريون نهج الدول الأفريقية بشكل عام عبر الاعتماد في بناء منتخباتهم على إرسال مواهبهم إلى أوروبا لكي يتعلموا المفاهيم الصحيحة لكرة القدم وكيف تدار أمورها.
بالمقابل فإن الاستراتيجية تبدو مختلفة تمامًا عند البقية وخصوصًا دول الخليج العربي التي تعتمد على استيراد المواهب والاحتفاظ بها للمستقبل من منطلق تقوية المنتخبات الوطنية، وهذا ما يؤثر على مستوى اللاعب العربي الآسيوي بالنتيجة.
إدارات الأندية
في بعض الأحيان تأتي فرصة حقيقية لاحتراف أحد اللاعبين مع فريق أوروبي كبير لكن إدارة النادي الذي يلعب له هذا اللاعب تظهر تعنتها وتتمسك بلاعبها، وإذا لم تستطع إقناعه بالبقاء فإنها تبالغ في تقدير القيمة السوقية للاعب بهدف إفشال الصفقة، ولنا في قصة اللاعب السعودي “صالح الشهري” مثال على ذلك وهو الذي كانت أمامه فرصة كبيرة للاحتراف مع فريق أتلتيكو مدريد، لكن إدارة نادي الأهلي السعودي رفضت عرض الإسبان “لأن قيمة الصفقة غير مناسبة ماديًا”، وتناست أن الصفقة كانت كفيلة برفع أسهم اللاعب السعودي في الخارج.
ولو أردنا مواصلة البحث في العوامل الأخرى التي أثّرت بشكل أو بآخر على قدرة اللاعب العربي الآسيوي على الاحتراف الأوروبي فهناك تلك التي لا تخص اللاعب نفسه، كعامل الجغرافيا الذي ساهم في انتشار العرب الأفارقة في الملاعب الأوروبية بسبب قرب المسافة، إضافةً للنتائج القارية المتواضعة لمنتخبات الفئات العمرية في القسم الآسيوي، فعيون أغلب الكشافين تترقب هذه البطولات لالتقاط المواهب وضمها إلى الأكاديميات الأوروبية لصقلها، دون أن ننسى أيضًا الهجرة غير الشرعية للأفارقة نحو أوروبا والتي تلعب دورًا أساسيًا في إعطائهم هذا التفوق على أشقائهم في القارة الصفراء.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث